ثقافة المجتمع

وتوكل على الحى الذى لا يموت

محمد ياسين بن عبد الرحمن*

قد قص علينا القرآن قصصا ذات عبرة فيما أبرزت نوازلها ونوائبها كما أفاضت تمردها وعشوائيتها على أبنائها إفاضة مؤلمة شديدة. وفرقت أهلها إلى الجناحين، الفائزين والخاسرين. ومما لا شك فيه أن الفائزين لم يحصلوا قمة الفرح وذروة السرور عبثا ولهوا، ولم يحصل الخاسرون على شيء إلا نکالا لإهمالهم وعد الله ووعيده وإعراضهم عن ذكر الله. إنما الخير والشر من حسب قوة صلة المرء بالله وضعفها. والقرب من الله يسود إلى نيل کرمه وحصول نصره في أمور عبده كلها حيث يدعو الله لإيتاء الحسنة في الدنيا والآخرة.

تأثير التوكل واهتمامه
فالآن لم يزل الموضوع مركزا على نقطة واحدة. إن خير الصلة بأن نعلن الله أمنيتنا وأن نخبره رغبتنا وأن نتوكل عليه مشقتنا في ممر حياتنا هذه. نعم، إن التوكل على الله سلاح المؤمن الصارم. فيمكنه أن يكسب كل ما في برامجه بقيامه تحت ظل الذكر “توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله”.
وقد أطال القرآن كلامه في جانبه حيث يقول الله تبارك وتعالى: “إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون” (سورة الأنفال:2). وكم من مناقشات جرت في العالم في أسرار سرور المؤمن مثل ما ورد في الحديث الشريف: “عجبا لأمر المؤمن إن أمره کله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له” (رواه مسلم). فالواقع أن أمور المؤمن كلها موكلة على الله وهو المستعان.

آثاره في حياة الأنبياء
هكذا لم يزل القرآن يحكي حياة الأنبياء العجيبة أحسن الحكاية في التوكل. ها هو ذا القرآن يخبر الناس بأحوال يونس عليه السلام الذي وقع في بطن الحوت، ثم أنقذه الله عندما حضر اللهَ في قلبه واعتمد على ذكره حيث كان يقول “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين” ولم يؤرخ أحد من مؤرخي الإسلام تاريخه قط إلا وتضمن فيه حياة خليل الله إبراهيم عليه السلام وزهده على ممر نشر الإسلام.
وكانت حركاته وسكناته مثالا طيبا في ظاهرة التوكل. حين إذ طرح إلى حفرة النار بيد نمرود الماكر لعنة الله عليه، وعند سماعه أمر الله سبحانه وتعالى بأن يذبح ولده إسماعيل عليه السلام وهو طفل، في كل هذه اللحظات كان إبراهيم عليه السلام يذكر الله ناطقا “حسبي الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير”. ولما ألقي في حفرة النار ذكر الله فجعل الله له النار بردا وسلاما.
ونحن نجد في صفحات التاريخ وقائع عديدة تقوم بوضوح حكمة التوكل واهتمامه. كما وقع في يوم من أيام موسی علیه السلام، حيث قد أصابه مرة ألم شديد بسنه فشكا إلى الله، فقال الله: خذ الحشيشة وضعها على سنك، ففعل. فسكن الوجع في الحال. وبعدُ قد عاود المرض، فأخذ الحشيشة ووضعها على السن. فازداد الوجع أكثر ما كان. فاستغاث الله ثانيا، وقال: يا إلهي؛ ألست أمرتني ودليتني عليها؟ فأوحی الله إليه: “یا موسی أنا شاف وأنا معاف وأنا ضار وأنا نافع. قصدتني في المرة الأولى فأزلت مرضك، والآن قصدت الحشيشة وما قصدتني”. فانظر يا صديقي كم تتأثر العلاقة السرية بالله على مدى حياة الإنسان..

أسوة حسنة في احياء التوكل
نعم، يمكن أن نرى كثيرا من الأحداث المتنوعة على شاكلة ما وقع في حياة موسى عليه السلام في بداية الإسلام ونشره في حياة النبي وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. فما وقع في هجرة النبي وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه خير دليل لهذا، لا سيما في عتمة غار ثور. وكذا ما اتفق برسول الله وأصحابه عند استعدادهم لغزوة بدر وهم ضعفاء. هذا هو نفسه الذي علمنا الرسول عبر حادثة وقعت في ذات الرقاع حيث قدم رجل اسمه “دعثور” إلى النبي وهو مستريح تحت شجرة ظليلة وسيفه معلق بها فسأل الرسول بعد أن اخترط سيفه: تخافني؟ قال:”لا”. فهذه المقاطع من أوراق التاریخ يدلنا على اهتمام التوكل ويحثنا علي التوكل بالله عند الشدائد.
زلة الإنسان في تطبيق التوكل
أما في العصر المعاصر فقد اختلف وتغيرت كل الظنون عن التوكل. لأن الناس لا يعرفون حقيقة التوكل. فاعلم أن التوكل تعليق روحي بين الله وبين عباده المتوكلين. فيمكن أن نرى القوة الغائبة تتأثر في عمله المقصود. لكن الآن ما زال الإنسان يخلص الأمور بالتوكل دون العمل أم بالعمل دون التوكل. لا شك في أن لا فائدة بهذين الطريقين. وكذا في عصرنا الحالي للمرض الشائع فيروس كرونا لنا عبرة ثمينة أن نقوم بأحسن تطبيق التوكل على الله مع الأعمال الموجبة التي تخبر من جهة الادارة الصحية. لأن على كل مؤمن يتمنى كمال النجاح في أموره وسهولة الحصول على هدفه أن يجمع بين العمل الخالص والتوكل. وهذا ما يعلم الإسلام أهله. جعلنا الله فيمن أوتي حسنة في الدنيا والآخرة متمسكين التوكل و العمل معا. وفقنا الله.

 
*باحث قسم التفسير
تنسيق الكليات الاسلامية
كيرلا
الهند

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق