ثقافة السرد

شوارع الموت

بقلم : ذ . أشرف المراحي

…بالطبع، يعيش مثقلا محملا بكل الحروف بالأمل سوى من كونها ألم.يمر بكل الشوارع التي يحفظها عن ظهر قلب إلا أنها تتنكر له بأن الزمن لم يعود له وأنه أصبح لجيل صاعد. يبكي لكلها و يحاول جاهدا رغما عنه أن يحكي لها عنه و عن مروره بها فتذكره غير مبالية أن مروره كان محاذيا لها لا بها…يحاول داوي الصرخات به ليقنعها …فلا تتذكره!! ينظر إليه فلا يستطيع أن يتبين نفسه منه،فكله تبدل فيعذر كل الشوارع التي بدواخله عن تنكرها …فهو كالزمان تغير أو حقيقة كبعضهم تبدل ليتنكر لنفسه…فلحيته غطت ملامحه بعبثية متناسقة، يكسوها شيب متناثر، بشعر أشعث ينمو مقاوما لكله،و بلباس لا يتذكر زمن سطوته على جسده فيعلم من تأكله أن الوقت لم يعود يتوقف !! يصدم و هو يرى نفسه بمرآة سيارة ،ليجد أن السنون خطت على وجهه خطان متوازيان لمجرى الدمع دما به،…يحاول متثاقلا بإجهاد تحسس وجهه بيده إلا أن محاولاته تبوء بالفشل …فيشده لهول المنظز به،ليوقظه صاحب السيارة مذعورا بشتمه ليبتعد…..ينظر للناس فلا يجد نفسه،فيستوقف كثيرا وهو يراهم لا يولونه اهتماما ولو جزء من أقسام الثانية لتأتي عيونهم به وكأنه نكرة فيتذكر أيام الدراسة بدرس النكرة والمعرفة فيستيقظ على حقيقة أن ألفه سقطت منه و هو يتعاثر بهذه الحياة…وعند ذاك يتذكر أنه كان يتقن ذاك الدرس لدرجة تذكره لنقطة الدرس أيامها…فيسأل نفسه أفعلا لي تلك الذاكرة.فيحاول أن ينادي نفسه أن اسكتي و كفاك ضجيجا ،فيصدم و يخرس لسانه لعدم تذكر اسمه …يحاول ويحاول !! وكأن رأسه ينفجر…!! فيتأكد يقينا أنه لدرس النكرة متقن…!! ينزوي قرفصاء مكانه محاولا التخفيف عن نفسه ايمانا راسخا منه أن الأرض لها قوة هائلة لامتصاصنا من غضبنا…إلا أنه يسمع صوتا لا يتبينه جيدا يشتمه أن المكان ليس له ،فيستجمع نفسه متأبطا حسرة علقم لا طالما كانت كل ما تبقى من خراب هذا العالم…..!؟

…يستيقظ لا كعاداته و إنما كدائما، وهو الذي تعود افتراش إسمنت أرض و غطاء لحاف سماء، يعلم أن أيامه معدودة كعجاف السنون .يستيقظ ليجد الكل يجري متثقلا بنفسه،يدعك عينيه بقوة أصبحت تخونه لتتضح الصورة ولو بشيء أمامه، فها هو بائع السمك يجر عرباته معلنا أن البحر لا يزال يجود بخير تصل بقاياه إليهم، و بائع البرتقال لا يكل في النداء أن لمذاق سلعته حلاوة متجاهلا أن لا معنى فيها، صاحب الطاكسي يتفنن في جذب زبائن تجود عليه بالمسافة لكسب دراهم و كأننا نختزل المساحات بهذا العالم ،في الجانب الآخر من الشارع ذاك الذي تفنن في لبس ما يجعله ينتمي في نظره إلى طبقة معينة بربطة عنق و حذاء لامع ، وها هو ماسح الأحذية يتفنن في تلمعين حذاء أحدهم و الذي انشغل بتدخين سجارة وتصويب عينه في كل الاتجاهات متجاهلا إياه…و بحديقة غير بعيدة يلمح (عاشقين) يترنحن على ما يبدوا بكلام أيام قيس ليلاه و جميل بثينة،…ويعلم في قرارة نفسه بحكمة من علمته الحياة كل تفاصيلها أن (الحب) أضحى على قيد الموت تسليما منه أنه لم يصبح لنا به نصيب فأخذنا منه الاسم للكذب لا للحياة في شيء….!! ينهض متثاقلا بكله،فما أصعب أن تعيد لملمة تجميع شتات نفسك بعد أن سلب منك كل شيء !! يسير في الشوارع بحثا عن اللاشيء ،فما عادت الحياة تغريه…!! يبحث عن ما يسد به رمقه من جوع ينخر جسده الهزيل ، فيقصد باب مسجد، ينتظر انتهاء صلاة لا يعلم إن كانت ظهرا أو عصرا، فبعد دوران عجلة الزمن لم يعود يعلم للوقت معنى….ها هي رؤوس بدأت تدلف تدافعا في الخروج من المسجد و كأنهم استرحوا منها..بالطبع هي الصلاة!! يحاول استعطاف أحدهم لعله يمن عليه ببعض من طعام و لكن دون جدوى، يحاول و يحاول أن يوضح لهم أنه لا يريد سوى إسكات بطنه من جوعها !!
و لكن الكل يواري وجهه عنه….!! آه من الحياة ؟؟ يعلم أن لا إيمان بهم فقد تعاودوا على تأديتها بدون سؤال عن ماهيتها و كنهها، متأبطين بهذا ما وجدنا عليه أباءنا و إن له لفاعلون…فأصبحت شعائر منزوعة المعنى….بقيت له فرصة، فها قد سمع نداء أحدهم لكهل بالحاج!! يقترب منه يطلبه إطعاما فلا يستجيب له ويكمل طريقه،فيزيد يقينا أنها لم تعود تصلح للبقاء …فأين إقتسام الثمرة بين أصحابه،و أين الإيثار على النفس،….!! الشمس ملهبة تتدفق بقوة لجسده ،فينزوي ليستظل بظل شجرة ليمون ليستمد منها مر طعمها ، يرفع يده إلى السماء طالبا المزيد من رحمة الموت…!؟ ….عندما جن الليل عليه ، لم يجد من معنى أن يظل مع الأموات فاتجاه بدون هوادة منه صوب المقبرة ينشد الحياة بجانبهم ، و بيديه المرتعشتين حفر قبره بجهد كبير و تعرى أمامه ! ! ! و نزل به ، و أسلم الروح لبارئها ….. ! ! !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق