قراءات ودراسات

كتاب مقدمات ونصوص للأستاذ الدكتور صالح الطائي

الدكتور رضا جواد البصري

من عادتي عند قراءة كتاب لا أعرف محتواه أن أخمن موضوعه من عنوانه، وغالبا ما يكون تخميني صحيحا. وكتاب مقدمات ونصوص للمفكر الأستاذ الدكتور الطائي كتب تحته دكتوراه فلسفة ولاهوت، ففرحت كثيرا ظنا مني أني سأقرأ كتابا في الفلسفة التي أعشق قراءتها. ولكني إذ بدأت بقراءة الكتاب فوجئت بموضوع طريف وجديد وماتع، لم أقرأ مثيلا له من قبل. فحسب علمي لم يكتب قبله كتاب في فن كتابة مقدمات الكتب وشرح مصطلحاتها، بله جمع المقدمات التي كتبها لكتبه أو لكتب غيره وضمها للكتاب. ولو حاول المؤلفون والكتاب جمع المقدمات التي كتبوها بين دفتي كتاب لحصلنا على مجموعة كبيرة من النصوص الأدبية الماتعة (2)، لان العديد من الكتاب يدبجون مقدمات تبلغ الغاية في البلاغة والإتقان والجودة. وربما يعترض معترض فيقول: “ولكن هناك العديد من المقدمات التي كتبت على مر الزمن؟”. وأشهر هذه المقدمات مقدمة ابن خلدون التي أصبحت علما بحيث إذا ذكرت كلمة “المقدمة” ينصرف الذهن تلقائيا إليها، هذا فضلا عن المقدمات التي أشار لها المؤلف في كتابه (صفحة 17- 20). أجيب أن تلكم المقدمات إنما هي مداخل لعلم من العلوم وشرح وتوضيح لمصطلحات وأصول ذلك العلم. فمقدمة لعلم التفسير وأخرى لعلم المنطق أو مقدمة لشرح وتبسيط الفلسفة وهلم جرا. ومقدمة ابن خلدون على سبيل المثال لا الحصر إنما هي مقدمة في علم التاريخ والاجتماع. أما كتاب الدكتور الطائي “مقدمات ونصوص” فمختلف تماما عما ذكر من كتب المقدمات. فهو يبين فن كتابة المقدمات للكتب بمعنى مدخل للكتاب سواء كانت المقدمة بقلم المؤلف أو بقلم كاتب آخر يكلفه المؤلف لهذه المهمة التي قد لا تكون بالسهولة التي يظنها البعض. لأنها تحتاج من كاتب التقديم ـ إذا كان غير المؤلف – معرفة تامة بموضوع الكتاب وشخصية المؤلف والظروف الني دعته للكتابة.
بدأ الطائي كتابه بإهدائه إلى واسط وأهلها وفاءً منه لهم باحتضانه والحفاوة به، وهو لعمري جدير بذلك. أما القسم الأول وعنونه “المقدمة وموقعها” فقد كتب فيه شرحا وافيا عن أهمية المقدمة وموقعها من الكتاب وتاريخ كتابة المقدمات وحتى كيفية تلفظها فهو يجيز لفظ “المقدمة” بفتح أو كسر الدال وأورد أدلته على ذلك (صفحة 11-14). ثم يبدأ المؤلف بسرد تاريخي لكتابة المقدمات سواء كانت مقدمات العلوم او مقدمات الكتب (صفحة 15-26). كان المؤلفون القدامى يسمون مقدمات كتبهم “خطبة الكتاب” تشبيها لها بمقدمة الخطبة (صفحة16). ثم يبدأ المؤلف للتأسيس لهذا الفن الجديد في الكتابة بشرح المصطلحات المتعلقة بأنواع مقدمات الكتب (صفحة 27-30). فالمقدمة هي افتتاحية الكتاب التي يكتبها المؤلف لكتابه. وهي تستعرض عنوان البحث وإشكالية إعداده وأهميته والدراسات السابقة المشابهة ومنهج البحث وصعوباته بما يفتح الآفاق المعرفية لمتابعته. وهي تكون عادة بيد المؤلف (ضفحة29-30). أما التمهيد الذي يتحدث فيه المؤلف عن محتويات الكتاب وموضوعه مبينا الطريقة العلمية التي اتبعها في جمع المعلومات وترتيبيها فهو ليس ضروريا في كل الأوقات، وقد يأتي قبل أو بعد المقدمة (صفحة 28). والتقديم هو المقدمة التي يكتبها شخص آخر وليس مؤلف الكتاب، وتكتب عادة لتقريض العمل وتوضيح مزاياه والجديد الذي يضيفه العمل إلى مثيلاته من الأعمال السابقة (صفحة30). ثم يثير تساؤلا عن حاجة الأعمال الأدبية للمقدمات، ويقصد بها الأعمال التي اصطلح على تسميتها بـ “الأعمال الإبداعية” من شعر وقصص وروايات. وأورد بعض الآراء التي ترى ضرورة التقديم لمثل هذه الأعمال ومعارض لذلك (صفحة40-41). والمؤلف من المؤيدين لضرورة كتابة مقدمات لمثل هذه الأعمال.


قسم المقدمة على نوعين (44صفحة-49) المقدمة التعبيرية والتي يشترط توفر العناصر التالية فيها:
1- البلاغة
2- التشويق
3- الاقتضاب
4- السلاسة
5- الاحاطة
اما القسم الثاني فهي المقدمة العلمية التي تهتم بالعناصر التالية :
1- موضوع البحث
2- إشكالية ابحث
3- مبررات البحث وأهميته
وفي صفحة (49-56) كتب عن الإهداء والشكر. فالإهداء يكون لشخص عزيز على المؤلف أو لصاحب فضل وغالبا ما يكون للوالدين والأولاد والزوجة او لصديق مقرب او أحد أفراد العائلة، أما الشكر فعادة ما يكون لمن ساعد المؤلف في انجاز مؤلفه. والإهداء والشكر التفاتة جميلة من المؤلف لمن لهم الفضل عليه في تربيته ونشأته وحثه على القراءة والتأليف وتهيئة الأجواء المناسبة لإنجاز مؤلفه وغالبا ما تكون العائلة أو أحد أفرادها هم المعنيون بالإهداء، أما الشكر فغالبا ما يكون لشخص ساعد المؤلف بطريقة ما. وكان المؤلفون القدامى غالبا ما يهدون كتبهم للسلاطين والملوك والأمراء والوزراء او لبعض ذوي الجاه والنفوذ، وكان ذلك إما لان المُهدى إليه من ذوي العلم والأدب وكان المؤلف صادقا وأهداه عمله لمكانته العلمية والأدبية أو طمعا في نيل أو عطاء. وقد أخبرني احد المحققين الأفاضل (3) عند تحقيقه احد الدواوين الشعرية انه أهدى الكتاب الذي حققه إلى صديقه الذي زوده من مكتبته الخاصة بكل الدواوين الشعرية التي لديه ليكمل تحقيق الكتاب. وللأسف لا يحضرني الآن اسم المُهدى إليه وقد توفي (رحمه الله) في التفجير الإرهابي الذي طال شارع المتنبي.
أما القسم الثاني فقد خصصه لبعض مقدماته التي كتبها لبعض مؤلفاته أو لغيره من المؤلفين. وليته استطاع جمع كل المقدمات التي كتبها، لأنها – وبلا مبالغة – مقدمات غاية في المتعة والطرافة. خذ على سبيل المثال مقدمته لكتاب “الإمام الحسن الإمامة المنسية” – الذي لم يسعفني الحظ بقراءته- فهي توضح مقاصده من تأليف الكتاب وتلخص محتواه.
وأثناء قراءتي للكتاب بدت لي بعض الملاحظات حول الموضوع ألخصها بما يلي:
1- اعتاد المؤلفون أن يكتبوا الإهداء في أول صفحة من الكتاب قبل المقدمة
2 -في مقدمة كتابه فصيل البراغيث بدا واضحا من استعمال ضمير المتكلم أن المؤلف الفاضل الدكتور الطائي هو كاتبها ولكنه اسماها “تقديما” (فصيل البراغيث صفحة 5)(4) وحسب تعريفه أن تسمى “مقدمة”. لان المقدمة ما يكتبه المؤلف لكتابه والتقديم ما يكتبه غير المؤلف (مقدمات ونصوص صفحة 30)
3- التقريظ غالبا ما يكتبه شخص له شهرة ومعرفة لدى القراء كنوع من الترويج كالتقريظ الذي كتبه المرحوم الأستاذ الدكتور مصطفى جواد لكتاب السيد محمد كاظم الكفائي “تاريخ الأدب العربي” بعنوان “التقريظ بقلم سعادة البحاثة الجليل الدكتور مصطفى جواد”(5). اما المقدمة فقد كتبها الأستاذ الشيخ عبد الغني الخضري، وحسب تعريف المؤلف أن تسمى تقديما لأنها كتبت من غير المؤلف (مقدمات ونصوص صفحة 30)، وقد أسمى المؤلف مقدمته “الفاتحة” (هكذا!)
4- بعض المؤلفين ربما يسمي مقدمته “كلمة المؤلف”
5- في كتاب أحمد شوقي سمَّى الاستاذ كمال ابو مصلح مقدمة كتابه “مدخل”(6).
6- نقرأ في بعض الكتب كلمة “تصدير” يكتبها ناشر الكتاب وربما اسماها “كلمة الناشر”.
نرى ان هناك خلطا في استعمال المصطلحات من قبل الكتاب والمؤلفين ربما لعدم وجود ضوابط أو تحديد وتعريف علمي متفق عليه لهذه المصطلحات. لذا أصبح استعمالها عشوائيا لا يخضع لضوابط ثابتة متفق عليها رغم أن كتابها من القامات العلمية والأدبية التي يشار لها بالبنان.
هذا ما يحفزني لدعوة الأستاذ الفاضل لتوسعة الكتاب وجمع كل الكلمات والمصطلحات التي يستخدمها الكتاب في مقدماتهم ووضع تعريفات لها يتفق عليها بين الكتاب والعلماء والأدباء والمتخصصين لمنع الخلط والارتباك في استعمال هذه المصطلحات.
هناك الكثير من عدم الدقة في استعمال هذه المصطلحات وجدتها عند تصفحي لعشرات الكتب والمؤلفات أعرضت عن ذكرها خوف الإطالة أولا ولوضوح الفكرة التي عرضتها ثانيا .
ويبقى كتاب “مقدمات ونصوص” مبتكرا جديدا في موضوعه وطريفا ممتعا للقارئ والكاتب على السواء. ويسرني أن أبارك للأستاذ الدكتور الطائي تأسيسه لموضوع جديد يهم الكاتب والمؤلف.

الهوامش:
1- الدكتور صالح الطائي – مقدمات ونصوص ـ ط 1- منشورات معالم الفكر- بيروت 2017.
وقد جمعتني بالدكتور الطائي علاقة روحية قوية، التقينا في المركز الثقافي البغدادي واستمر التواصل بيننا عبر وسائط التواصل الاجتماعي. ومن كرمه ودماثة أخلاقه تفضل فأرسل لي مجموعة من مؤلفاته.
2- المَاتِعُ: الجيّدُ البالغُ الجودة من كلِّ شيءٍ.
3- هو المرحوم الأستاذ الدكتور خلف رشيد نعمان، أكاديمي ومؤلف ومحقق، جمعتني به علاقة خاصة كنت أزوره أسبوعيا في داره. له العديد من المؤلفات وحقق العديد من الدواوين الشعرية، وتخصص بتحقيق شعر المتنبي وأبي تمام. من تحقيقاته كتاب “النظام في شرح شعر المتنبي وأبي تمام لابن المستوفي” في عشرين جزءً، أصدرت دار الشؤون الثقافية منه اثني عشر جزءً. كتبت عنه موضوعا بعنوان: “الدكتور خلف رشيد نعمان شيخ المحققين المعاصرين” في كتاب “هؤلاء في مرايا هؤلاء” – تحرير مؤيد عبد القادر – ص91-95 – ط1 – مكتبة المنصور- 1999.
4- الدكتور صالح الطائي – فصيل البراغيث – ط1- دار ليندا- سوريا- 2020- ص5(التقديم)
5- السيد محمد كاظم الكفائي – تاريخ الأدب العربي – جمعية التحرير الثقافي في النجف بلا تاريخ- ص3(التقريظ) وص4(المقدمة) وص8(الخطبة).
6- كمال أبو مصلح – احمد شوقي حياته وشعره – ط1- المكتبة الحديثة للطباعة والنشر بيروت- 1987.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق