ثقافة النثر والقصيد

حديث مع النفس: دعوة إلى الصلح

 مروان الحبشي

قالت لي: قل شعرا
قلت لها: إني لا أملك في الشعر قولا
ألم يصدني يوما؟
قالت لي: أما سمعت أن جوائز تعطى لمن يتخذ من الشعر فنا
قلت: كفاك لي دفعا، ما لي وما للشعر قولا!
ما أنا إلا باحث عن معنى لم أجد له وسعا
وما عرفت من نفسي له إلا حبا
قالت: ما الحياة إلا معنى يطلب وفعل يبذل عسى أن يجعل للمرء عزا
قلت: دعيني لوحدي فإني قد ضقت بك ذرعا
وما زدتِني إلا حسرة وألما
قالت: أأنت حالم أم أن الوحدة قد اتخذت لنفسها منك خليلا؟
دع عنك لومي وعاتب من اتخذ لنفسه فيك قولا
قلت: ليس من عادتي أن أخص من اتسع وقته ليقول في قولا
بل وقتي لك كله وما وجدت من نفسي عليك عزما
فكيف بمن وجد وقتا ليتصدق علي بحسناته سرا وعلنا!
أما سمعت بأن المغتاب هاد حسناته طوعا
وأن الذي اغتيب ينال من حسناته حظا
قالت لي: تعرف أني ما وجدت إلا لأشعل في قلبك غلا
قلت لها: أعرف أنك نفس، وما خلقت النفس إلا معينة على الشر طوعا وكرها
قالت: أترميني بما ليس مني وأنت تعرف من أمرك رشدا
قلت: أردت إغاظتك وإني لأستمتع بجلدك جلدا
ففي إغاظتك السلامة من كل شر والوقوف بأرض الحب لروحي عشقا
قالت: إني وروحك في الغواية لا أجد بيننا فرقا
قلت: كذبت، تسمو بي الروح عن ألاعيبك وعجرفتك سموا
أتظنين أني مغفل أو بليد لكي لا أرى ما تنزعين له دوما
قالت وهي تتصنع حزنا: أتصفني بما ليس مني وقد عرفت مني لك حبا؟
قلت: كلا، ما دعوتني يوما إلا للغواية والشر سفرا وحضرا
ولولا روح قد وجدت في الإيمان عزاء ومطرحا لما تركتِني إلا وقد أسرتني أسرا
قالت: أسري! إن فيه لك من الدنيا عزاء وعوضا
قلت: ما كان ليصدر هذا عمن كان له الشيطان صديقا
أنت ما دعوتني يوما إلا للفسوق والعصيان في زمن أصبح الحرام فيه سهلا، والحلال يطلب فيه دفع المال دفعا دفعا
قالت: أتقول هذا وقد كنت لك في الوحدة عونا؟
أتظن أني أقوى على نور الإيمان أو شعلة من الضمير بيني وبينك حكما؟
ما كان لي إلا أن أسعى إلى فسادك يسرا وعسرا
وما كان لي عليك من سلطان إذ منك الفعل يصدر ليلا ونهارا
قلت: دعيني وشأني ما عدت أجد لك وقتا
إن الإيمان لروحي غداء، والفكر لعقلي دواء وما تركت لك مني إلا فرقا
قالت: لا تغلُ فقد ترى مني إيعازا وعونا
للخير أعينك إذا جعلت من الإيمان غداء وترياقا
أما علمت أني أتلون بين نفس أمارة بالسوء، ونفس لوامة، ونفس مطمئنة لا تعرف كلا ولا عميا
قلت دهشا: أتقولين إنك قد تكونين لي على الخير عونا؟
وإنك قد تتوقفين عن تعذيبي طوعا؟
قالت: لقد قلت لك لا ترمني بما ليس مني، أو تقلُ في ما ليس مني ظلما وزورا
أما تعلم أني لك على الخير والشر عونا؟
وأنك صاحب القرار قبلا وبعدا؟
وأن منك الفصل حالا ومستقبلا؟
اعلم أني نفس وما النفس إلا مرآة لروحك التي غذيتها من الخير والشر مخيرا لا كرها ولا جبرا
وأني كما أعين على الشر أعين على الخير لمن كان له طبعا
قلت: ما علمت عنك هذا، فقد قيل لي إنك معدودةٌ للشر أما وأبا
قالت: الاَن علمت أني قد أكون لك على الخير عونا
فاتخذ من الإيمان والأخلاق لك صاحبا
وستجدني إن شاء الله لك عونا
ولا تنسَ أني لست إلا مرآة لروحك أعينك على الخير كما أعينك على الشر طوعا لا كرها.
1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق