قراءات ودراسات

قراءة في القصص الفائزة في مسابقة الأديبة الراحلة ” مي يوسف الحاج “

بقلم : مجدي جعفر

1 – ياء مفقودة، تجاعيد سحابة : للكاتبة هدى رجب محمود
أ – ياء مفقودة :
هبه رجب محمود أديبة تكتب القصة، وهذا ما يبدو من لغتها، المكثفة، البليغة، لغة مجازية، تعج بالتمثيل والتشبيه والكناية والاستعارة، وتحتاج قصتها ” ياء مفقودة ” إلى أساتذة البلاغة لاستقصاء جماليات تلك اللغة، وهذه اللغة البليغة تناسب تماما لغة قصتها، لغة الشخصية ولغة السرد ولغة الحوار، ولم تأتي هذه اللغة البليغة عبئا على القصة وعناصرها، وهذه ميزة لا نجدها كثيرا في كُتّاب القصة.
وقبل أن نلج إلى عالم قصتها البديعة، سنجتزأ منها بعض الجمل، ليتعرف القارئ على لغة القاصة، ولنريه كيف صورت حال بطلتها، وكيف قدمت صورا هي مزيج من الصورة الشعرية والصورة القصصية.
تتميز الكاتبة بالاصطياد البارع للفكرة، وفي تصوير الحالة النفسية لبطلة نصها، والقدرة على الصياغة المدهشة، والبناء والنسج المحكم، ومن الصور التي فيها الجدة والطرافة والابتكار :
1 – ( من أرجوحة الصمت لم يختلسها من عالمها البعيد سوى غثيان القهوة على النار تقرع باب حزنها العتيد ).
2 – ( يطهو الانتظار الأمل ).
3- ( أتذوق الغضب المكتوم ).
4 – ( يصافحني الاندهاش ).
5 – ( سروال الجرأة ارتداني هذه المرة ).
6 – ( تكاهل الانفعال على فمي ).
7 – ( عيناي مستعجمة ).
8 – ( ملامح الغضب تجتاح ديار العين ).
9 – ( ربما الدمع لما يؤدي دوره على مسرح الجبين فتلبد قبل أن يسقط فجلب شعور حمامة لحظة حد السكين عنقها ).
10 – ( أعين الفتاة يعسوب حاد .. ).
عشر صور اخترتها من القصة عشوائيا، ليتوقف القارئ على لغة الكاتبة، وكيف ابتكرت صورا جديدة استخدمت فيها الحواس، والقصة على مستوى السرد أو الوصف أو الحوار لا تخلو جملة فيها من جمال، ولغة الكاتبة من أول كلمة بالقصة حتى آخر كلمة لغة فنية جمالية بامتياز.
والقصة على مستوى الموضوع، تصور حال وواقع المرأة ين زمنين، بين جيلين، جيل قديم استسلم للعادات والتقاليد والمجتمع الذكوري، وجيل جديد متمرد، ومقاوم، ويبحث عن حقوقه المسلوبة، ويصر على استردادها.
( الابنة في جمالها العتيق لعمتها ) ربما يكون هذا مثلا سائرا، ولكن حينما تأتي به الكاتبة فإنه يؤدي أكثر من وظيفة درامية، إيراد مثل هذا المثل جعل الكاتبة تستغني عن جمل كثيرة في الوصف والسرد مما ساعد على اختزال وتكثيف قصتها، والاختزال والتكثيف من ضرورات العمل الدرامي ومن خصائص القصة الجيدة.
فابنة الأخ وهي تمثل الجيل الجديد تصفها : ( فتاة عشرينية، خصلات شعرها ذات شموخ أسود كثيف متحد مع عيون قيثارية دائرية سوداء ).
هذا الوصف الخارجي للفتاة، أما وصف عمتها فتم الاستغناء عنه، لأننا نستشف من المثل أنها جميلة ولها نفس ملامح ابنة أخيها، لأن الابنة في جمالها العتيق لعمتها، إذن الكاتبة نجحت في توظيف المثل في النص ببراعة، كما نجحت في توظيف الأغاني والمواويل : ( يا رب أنول مرادي / عدد الحصى في الأراضي، يا رب أروح مصر سعيدة / وأجيب فساتين جديدة، واتهنا بيك يا ابن الحبيبة / وافرح واكيد الأعادي / ….. )
وتوظيف الأغنية أو المثل أو التراث بشكل عام يثري النص القصصي، ويعمقه، ويجعله يتألق.
والعمة عن طريق تقنية ” الفلاش باك ” توازن بين زمنها وزمن ابنة أخيها، بين حالها وواقعها وهي في مثل سنها وحال وواقع ابنة الأخ في الزمن الآني، والكاتبة تقارب بين الزمنين بالتقاط مواقف قليلة ، اختارت ثلاث مواقف من حياة العمة، ولكنها مؤثرة، ودالة، وكافية لتكس حال ووضع المرأة في الزمن الماضي ومقاربته بمواقف مشابهة في حياة ابنة الأخ، لتتضح الفروق الواسعة بين الجيلين، وبين الزمنين، ففي زمن العمة كانت المرأة مستلبة من كل شيء، حتى من اسمها، فظلت العمة لعشرين سنة لا تعرف اسمها الحقيقي، وهذا أحد المواقف أو المشاهد المؤثرة، فالجميع يعرفونها بفاطمة عبدالمحسن، وظلت طوال العشرين سنة الأولى من حياتها تخال أن هذا اسمها، فهذا هو الاسم الملتصق بها منذ ولادتها، ولكن الصدمة تاتيها حين يأتي الرجل صاحب الرداء العسكري ، ليخبر والدها بأن ابنه فوزي مطلوب للخدمة العسكرية، ليندهش الأبن فأولاده راضي وعطا، و .. ولكنه يتذكر مقهقها ( – تقصد فوز، يظهر أن الكاتب وقت ولادتها أخطأ كتابتها، إنها فوز، ليس لدينا فوزي، بنتنا الوحيدة يا أفندي فوز ) وأعتقد أن ما بين فوز و فوزي حرف الياء، هل هذه هي الياء المفقودة ؟!
وتسأل أمها مصدومة : ( أمي ما اسمي، فاطمة ولاّ فوز بحق الله أعرف صدفة أنني فوز !! أترضي أنت )
فيأتي رد أمها صادما :
( وهو مهم فاطمة ولاّ فوز، سهوت، وفي الآخر كلها أسماء !!)
وتتوقف الكاتبة عند كلمة ” سهوت ” ومن خلال مواقف حياتية تجسد دلالتها الخطيرة، وأثرها على نفس بطلتها، وتدين من خلال كلمة ” سهوت ” المجسدة بالمواقف جيل الآباء والأمهات.
والموقف أو المشهد الثاني من حياة العمة والتي تظهر فيه أيضا كلمة ” سهوت ” ، فالعمة تعود بنا إلى أيامها الأولى في رحلة المراهقة وتسرد لنا ما ينتاب الفتاة في هذه السن، فتقول : ( شعرت بشيء غريب يحدث ورأيتني أمطر عرقا .. خرجت مسرعة والجميع تتعثر نظراتهم بملابسي وانا لا أفهم … )
وتصور الكاتبة الحالة النفسية السيئة للبطلة، ورد فعل أمها الغريب، فما كادت أمها تراها على هذا الحال، حتى انهالت عليها سبا وضربا، وتناديها : فاطمة يا عاهرة !
والبنت لا تفهم ولا تعرف ولا تشعر حتى بضرب أمها لها فهي في حالة ذهول، ولم ينقذ الفتاة سوى صوت جدتها :
( ثريا ما بك أنسيتي ! البنت شبت.)
ويأتي رد الأم باردا، ولكنه صادما للفتاة :
( آه سهون يا حجة لا يهم أفهميها أنت )
أما الموقف الثالث : عندما تعاتبها ابنة خالتها وصديقتها لأنها أخفت عليها خبر تقدم داهم بن عبدالعزيز لخطبتها، وتعرف من مريومة، والبلد كلها تعرف الخبر، وهي صديقتها وابنة خالتها آخر من يعلم، لتندهش، وتهرع إلى أمها لتستفسر منها عن صحة الخبر الذي نقلته ابنة خالتها، فتؤكد أمها لها الخبر وهي تقول : ( لا يوجد عندنا بنات يُأخذ رأيها! ).
ثلاث مواقف أو ثلاث مشاهد تكشف عن وضع وحال المرأة في زمن العمة، فهي في زمن العمة كائن مهمش لا قيمة ولا رأي لها، ولا حقوق لها، ومستلبة من كل شيء، وإذا واجهنا هذه المواقف بمواقف مشابهة في حياة ابنة الأخ الفتاة العشرينية، سنجد الهوة بينهما واسعة، فانظر إلى تلك الفتاة العشرينية، ابنة الأخ، التي تقف في وجه أبيها، وتتحداه، فهو يريد أن يفرض ابن صديقه عريسا لها، فتقول : ( ابن صديقه لن أتزوجه، …، ..، لسنا في زمن الجاهلية، بقينا في الألفية، أي عقم يصيب هذا التفكير ؟! .. ، .. ، أبي لا يسمع إلا لصوته فقط، هذا عمرو أعشقه، أعشقه كثيرا، ولن أكمل حياتي مع غيره، شئت أو أبيت يا أبي، حقي أختار شريكي في حياتي .. ).
والكاتبة تصوغ قصتها مستخدمة تقنية ” الفلاش باك ” والتداعي الحر.
ب – تجاعيد سحابة :
هبة رجب محمود كاتبة فنانة تملك الوعي الجمالي بالحياة، وتأتي قصة ” تجاعيد سحابة ” في صورة لوحة فنية، ويمكن تسميتها بالقصة اللوحة، أو اللوحة القصصية، وإذا كانت الطبيعة لا يمكن بحال أن تنتج بذاتها لوحة فنية، فإن الفنان تشكيليا أو قاصا بريشته أو بقلمه قادر على انتاج هذه اللوحة، ولا يتأتى له ذلك إلا من خلال عينه، وتدريب تلك العين على النظر إلى الطبيعة وتأملها والاحتكاك المستمر بها، وهذا ما فعلته هبة رجب محمود، استطاعت بقلمها أن ترسم لنا لوحة فنية، واللوحة القصصية للكاتبة لوحة كونية آ ثرة، آخاذة، فيها الحركة والصوت واللون، حركة السحابة وحركة الطفلة، وصوت البرق والرعد، والألوان كما تبدو في لون الزهر ولون العشب الأخضر.
وأقامت علاقة بين الطفلة وفضلة الماء / قطرة الماء، والأم تقابل السحابة، والطفلة تقابل قطرة الماء، والأمومة عند السحابة والأمومة عند المرأة، والمقابلة بين السماء والأرض وهي علاقة قديمة، وقد تعود للبواكير الأولى لأيام الحضارة الانسانية، فالإنسان دائم النظر إلى السماء وما فيها من نجوم وأقمار وشموس وكواكب.
والطفلة مأزومة، وتخرج لتعبر لفضلة الماء عن ضيقها من تلك الابنة الصغرى التي حلت على بيتها من السماء، وتقص للسماء ما حل بها وتعاتبها بكل حزن :
( حتما ستغفو أمي عن أقصوصة الليل، فستكون حينها عند الصغيرة تهدهدها كي تغفو وتنعم بأسرة النوم، لن يتذكر أبي وقت الأرجوحة والتهافت وراء البالونات، لن يتذكر أبي إرسال الرسائل إلى العصافير ومداعبتها بالطيارة الورق وحمايتهم من أي عدو، ستؤثر جدتي الصغيرة عليّ، ربما تزيد لها حبيبات البندق وتنقصها مني رويدا رويدا حتى تعطيها بأكملها لها، حتى أخي سينشغل بمداعبة دميته الجديدة ويتركني أذهب للاستماع لأغاني الملاحين بمفردي. ).
والمقطع السابق يكشف عن حزن الطفلة وأزمتها، وانظر إلى هذا الحوار الذي دار بين الطفلة وأمها :
( – من أين حلت هذه الصغيرة التي لا تكف عن البكاء؟
= حلت من السماء يا لؤلؤة.
-ولما التصقت بك أنت يا أمي؟
= لأنني طلبتها من الله فأكرمني بها يا حبيبتي، ….
-وكيف تكونت هكذا يا أمي؟
= من نطفة يا ابنتي.
-نطفة ماذا؟
تتلعثم الأم : كفضلة ماء، بل كقطرة ماء يا ابنتي. )
ومضت الطفلة تبحث في السماء عن النطفة / فضلة الماء التي تسقط من السماء، وتكون أول من يراها، وتكون لها أما.
ومشكلة هذه القصة أننا لا ندري هل كتبتها القصة للأطفال أم للكبار أم للاثنين معا، فالإحالات والاشارات اللغوية أكبر من مستوى تفكير الطفل، والحوار السابق يحيلنا إلى قصة الخلق، وهناك إحالات أخرى فوق مستوى تفكير بل فوق مستوى تفكير القارئ البالغ غير المتعمق في العلم والقراءة، فالكاتبة مثلا تنهي قصتها بكلمتين 0 اهتزت وربت )، هاتين الكلمتين تحيل القارئ مباشرة، إلى الآية الكريمة ” وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ” ( سورة الحج الآية رقم 5 )
وسيأخذني التعبير والبيان والإعجاز القرآني، الذي يصور لي الأرض وهي في حالة همود، وفي حالة موات، يغشاها التيبس والتحجر، وحين يصيبها الماء تنتقل من الموات إلى الحياة، ” فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت “، وتجسدها هاتان الكلمتان ( اهتزت وربت )، والكاتبة تأخذنا بهاتين الكلمتين إلى التفاعل الخلاق بين العناصر الجامدة في الأرض والماء الساقط من السماء، تفاعل حيوي وخلاق، يثير الخيال, ويبعث على التأمل، ويثير أيضا انفعالنا الجمالي، وندرك بوعي بصير هذا الجمال الخلاق من خلال هاتين الكلمتين.
والسحابة لا تسقط الماء إلا إذا تكون لها تجعيد’، وكأن المسألة حمل وولادة، والسحابة حين تكون تجاعيدها تبدأ في اسقاط قطرات الماء، وهذا يحيلنا أيضا إلى الآية الكريمة : ” وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ” فالمعصرات هي السحب المتراكبة، وهي تعادل التجاعيد عند الكاتبة، إذن المعصرات / التجاعيد هي السحب المتراكبة بفعل الرياح والتي تنذر بسقوط الأمطار، وهي من شدة تراكبها وتضاغطها وكأنها تعتصر ما بها من ماء اعتصارا، ومن طبيعة الاعتصار ألا يكون ماؤه سيلا متصلا، ولكنه على دفعات .. يعصر مرة ثم يعود للتراكب أو التضاغط أو التجاعيد، ويعصر مرة ثانية … وهكذا يكون المطر النازل، والماء عموما لا ينزل إلى الأرض هباء، ولكنه ينزل احياء لها ومعاشا للأحياء، فيقول سبحانه وتعالى : ” لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا “.
الكاتبة لم تذكر أي آية من القرآن الكريم، ولكنها تحيلنا إلى القرآن الكريم، وهي حيلة فنية بديعة، وأرجو أن أعود إلى هذه القصة في وقت لاحق.
……….
………..

2 – ” الملص ” و ” فوارغ الأمل ” للكاتبة / فاطمة عبدالحميد نور :
أ– الملص : تدخل الكاتبة في الحدث مباشرة، وجاءت القصة بدون تهيئة أو مقدمة، والقصة الجيدة هي القصة المنزوعة المقدمة كما يقول ” أنطون تشيكوف “، والكاتبة تدخل في الحدث مباشرة : ( وضعوه في الصندوق وحاولوا إبعاده عنها إلى أقصى حد ممكن .. ورغم أنهم خضعوا في النهاية لرغبتها في أن يبقى النعش الصغير معها في نفس الغرفة، .. ).
وهذا الطفل ( الملص ) الذي ولد ميتا كان آخر أمل في الإنجاب لهذه المرأة التي تشارف سن اليأس، وترددت على عيادات الأطباء وخضعت لفحوصات وعلاجات كثيرة من أجل أن تتكون البذرة في أحشائها.
وهذه القصة تؤكد أننا أمام قاصة مقتدرة، قادرة على الغوص في نفس بطلتها، واستبطان شخصيتها من الداخل، وسبر غورها، فالكاتبة لا تقنع بالأثر المباشر للحدث / الصدمة ( موت الطفل ) على سطح نفس المرأة المكلومة، ولكنها تبلغ طوايا المرأة وأعماقها، ولدي الكاتبة القدرة الفائقة على تحليل نوازع نفس بطلتها، وتتخير من حياتها بعض الحوادث لتعيد رسم شخصية هذه البطلة بأبعاد نفسية وسلوكية جديدة، تبرر تصرفاتها الغريبة أحيانا!!
والكاتبة بهذه القصة تقدم لنا نموذجا للمرأة التي تتشابه في ظروفها مع بطلة النص، وهذا النموذج موجود في حياتنا، والكاتبة أعادت تقديمه وانتاجه أدبيا، ووضعته في دائرة الضوء.
وهذه المرأة :
( تأخرت في الزواج، غاب عنها الرجل المناسب حتى استسلمت أخيرا راضية بنصف المناسب .. حلمت بأسرة كبيرة لكن الحلم للمرة الثانية، تعذر عليها ).
( تحلم بطفل واحد تعذبت كثيرا من أجل أن تشعر بحركته في أحشائها! ).
( لم تكن تحب أباه ولا تقبله، رضيت به زوجا لا حبيبا، ومصدرا لبذرة طفلها لا أبا له ).
( كانت تفكر في طلب الطلاق حالما تلد وتحصل على من يؤنس وحشتها بقية عمرها! )
( حلمت أن تأتي البذرة لتخلصها من أصلها، أرادت أن تحصل على الثمرة دون فرع تتعلق به ).
وللهفتها على الطفل، كانت تتابع مع طبيبها يوما بعد يوم منذ ساعات الحمل الأولى، ولا تلقي بالا لاستنكار الممرضة ولا تلقي التفاتا لاستنكار المترددات على عيادة الطبيب الشهير ، واتهامها بتبذير المال بالتردد المبالغ فيه على الطبيب الشهير!
وقناعتها : ( إن لديهم طوابيرا من الأطفال، وأزواج بكروش ضخمة لا يكفون عن طلب الطعام، وآباء وأمهات أحياء لا يريدون أن يموتوا، وأخوة يسدون عين الشمس ولا يكفون عن الثرثرة، وعمات وخالات وكنات وأصهار لا يأتي من ورائهم، في أغلب الأحيان، إلا المشاكل والمتاعب ).
وهي هنا تقرر حالة عامة لمعظم الناس، أما عن حالها هي، فتنوب الكاتبة عنها وتقول:
( مقطوعة من كل أصل وفرع ضعيف يتطاير وحده في مهب الريح، ولولا المال الذي ورثته لتسولت، و لقطعوا جسدها وباعوها عضوا عضوا للأثرياء ومكتنزي الأموال الضخمة ! ).
وكان من الطبعي أن تحقد هذه المرأة على الزوجات والأمهات السعيدات، وذرفت الدموع كثيرا لتأخرها في الإنجاب وذرفت أكثر لصعوبة حالتها الطبية وندرتها وعدم وجود العلاج الناجع لها، وبكت وبكت حتى صفى ماء عينيها، وكثرة البكاء أوصلها إلى قناعة خاصة بها، قناعة من واقع التجربة، وهي :
( هذا العالم لا يُواجه بالأعين المبللة، بل بالأعين الواسعة الجافة، وبالحدقات المفتوحة على اتساعها المحملة بالاستهانة وبشيء من القسوة ).
وهذه المرأة الممتلئة بالمرارة والقسوة، نال زوجها منها ما لا يستحقه، فهو المحب لها، والمقدر لطروفها، ويسعى بكل السبل لإسعادها، ولكنها تتفنن في تكديره، وتسويد عيشته، وتحويل حياته إلى جحيم.
ويبقى من أجمل ما قرأت في كل ما قرأت من قصص، ذلك المشهد الرائع بين الطفل الميت / الملص وأمه، التي لا تصدق أنه مات، فتشعر بأن الطفل حي ويناديها، ويستصرخها بأن تنهض لنجدته، واخراجه من هذا الصندوق الصغير/ النعش الذي وضعوه فيه.
( أزاحت الأغطية ووضعت قدميها على الأرض .. كانت ضعيفة واهنة متألمة لكن لا شيء في الكون بقادر على جعلها تتجاهل نداء وليدها لها، إنه النداء الأقوى من الموت ذاته .. نداء البذرة لأصلها أقوى من نداء الموت، وأقوى ولا ريب من كل عنفوان الحياة! ).
( كان الطفل يتحرك في داخل كفنه المرتجل! .
يلبط كفرخ دجاج .. ملص يحاول التملص وقد أتت ماما لتنقذه! ).
رفعته واحتوته بين يديها، … ).
( قربت الطفل من وجهها وقبلته .. قبلته بشغف وحنو ولهفة .. ).
( ضمته إلى صدرها وبدأت تهدهده! ).
وشغفها بإنقاذ ابنها الذي تظنه حيا، جعلها لا تشعر بالباب الذي يُفتح بالقوة، فالوهم عندها صار حقيقة، فلم تهتم ولم تبالي بزوجها وعلى وجهه علامات الذعر والقلق، ولا بالطبيب الذي يسرع في إفراغ أمبول في حقنة بحوزته، فهي يكل حواسها مع الطفل، توجهت بالكلية إليه، ويكاد يكون الكون كله انحسر وتضاءل بل وتلاشى ولم يبقى غيرها هي وطفلها، وراحت تغني له، غنت له بحنان وبصوت جميل,
( إنها أول مرة تغني في حياتها، وأول مرة تدرك أن لديها صوت جميل .. كل الأمهات يصيح لديهن صوت جميل بعد أن يلدن، وكأن ما يختزنه في أجسامهن ويقدمنه لأطفالهن وهم أجنة يعوق تلميع أحبالهن الصوتية ويخشن من أصواتهن العذبة .. صوت الأم العذب يرن في أذني طفلها، رغم أنها لا تعرف ما إذا كان يسمعها أم لا! .. لا أهمية لذلك والطفل يتأرجح بلطف على ذراعيها وهي تواصل الغناء، .. الغناء حين يكون بديلا للبكاء، وأقسى درجات الألم حين يعبر عنها بالرقص والحنجلة! ).
وعندما اقترب منها زوجها الصامت المصدوم وخلفه الطبيب القلق المتوتر، لم تعرهما التفاتا وواصلت هدهدة صغيرها، وغيرت النبرة لتشدو له بصوت أعلى وبأغنية أكثر مرحا وفرحة.

ب – فوارغ الأمل :
إذا كان بطل قصة ” الملص ” طفل ولد ميتا، فإن بطل قصة ” فوارغ الأمل ” هو الآخر طفل، ولكنه يسعى إلى الموت، بل تدفعه العادات والتقاليد دفعا إلى الموت المحقق، إنها قصة الثأر، وإذا كان موضوع الثأر تناولته أقلام كثير من القصاص والروائيين، ولكن تبقى لقصة ” فوارغ الأمل ” تميزها، وإن تشابهت في بعض أجزائها مع غيرها، فالكاتبة بعد البداية القوية :
( طفل .. طفل صغير ظهر في الأفق حاملا سلاحا !! ).
( توترت الدماء في عروق الجندي المسكين، الواقف وحيدا فوق رأس الطريق، .. ).
هذه البداية المدهشة، والتي تثير الفضول والتأمل، لم تستثمرها الكاتبة الاستثمار الأمثل فنيا، فانحرفت عن الفن انحرافا حادا، وتحولت إلى راصدة لواقع تعيشه معظم البيئات في صعيد مصر، وغيرها من البيئات التي يرتع فيها الثأر، وأكثر من نصف القصة وخاصة النصف الأول جاء رصدا وتحليلا لظاهرة الثأر، وتحليل الكاتبة للظاهرة تحليلا رائعا، وكأنها تقدم بحثا علميا عن تلك الظاهرة، ذاكرة الأسباب التاريخية والاجتماعية، والموروثات من عادات وتقاليد، و لا تغفل الأبعاد النفسية للرجل، وللمرأة المحرض الأعظم، والفقر والجهل، ودورهما في ترسيخ مفهوم الثأر، والكاتبة التي أسهبت في نصف قصتها الأول في دراسة ظاهرة الثأر تدين الدولة التي فشلت في القضاء على هذه الظاهرة والاكتفاء بالتعامل الأمني معها، وقد فشلت الدولة أمنيا أيضا في تعاملها مع قضية الثأر، فالدولة نائمة وخائبة وفاشلة وغير قادرة على تغيير بيئة وثقافة هؤلاء، وتغيير سلوكياتهم، وأنماط حياتهم، ومعتقداتهم.
( لقد صبروا على الجهل والبطالة وقلة الموارد، الفقر والحاجة والعوز، دهورا وراء دهور .. أفلا يصبرون لثأرهم أسبوعا أو شهرا؟!
إنهم يعلمون قواعد اللعبة، التي لا يعرفها رجال الأمن ولا يدركونها، إن لديهم التأييد الشعبي لكسر كل صلح، والحنث بكل يمين وخيانة كل عهد، وثمة عجائز كالبوم الناعق يحرض ويحمس للضرب والطعن وإسقاط الضحايا من الأعداء .. من أولاد العمومة الذين تجري في عروقهم نفس الدماء .. ونفسها هي الدماء التي تُراق من الطرفين وتذهب هدرا على الأرض!
( إنهم غارقون في مستنقع من الفقر والحاجة، والحاجة لا يشبعها إلا المال الوفير، أو الدم الغزير .. إنهم لا يملكون سوى دماء شبابهم وأعراض نسائهم، لم تدع الحكومة لهم شيئا يبكون عليه سوى هذين، يدافعون عنهما بقسوة وغلظة ووحشية، لأنهم يخافون أن يدانوا، أمام الآخرين لا أمام أنفسهم .. أما بينهم وبين أنفسهم فما أشيع الفساد والنفاق بينهم! )
( وما قيمة الرجل إن لم يثبت ساعده أنه أهل لحمل السلاح، والدفاع عن الكرامة والعرض، ماذا تفعل المرأة برجل يتقاعس عن حمايتها، والغضب لها ولكرامة العائلة .. يحمل الرجال اسم العائلة بينما تحمل النساء كرامتها وشرفها!
لذلك يسقط لكرامة رجل قتيل .. ويسقط في كرامة المرأة ألف قتيل! ).
والقصة في نصفها الأول تسير على هذا النحو، رصد وتحليل وتنظير لواقع، ورغم روعة الرصد والتحليل والتنظير، وعمقه، ويشي بوعي الكاتبة البصير بظاهرة الثأر ودراستها لهذه الظاهرة دراسة تقترب من الدراسات العلمية الجادة، ولكن هذا شيء والفن القصصي شيء آخر، فالقصة القصيرة لا تحتمل كل هذا، ولو استغنت الكاتبة عن النصف الأول من القصة واكتفت بالنصف الثاني لقدمت لنا قصة متفردة، قصة على غير مثال، فيها سبق وتفرد وابتكار، وهي العبقرية في أجل صورها، قصة ثلاثية الأبعاد، في مشهد واحد، استغرق زمنيا بضعة دقائق ولكنه مر كدهر، والقصة القصيرة مثل طلقة الرصاص تصيب الهدف من أقرب زاوية، وهذا ما تحقق في النصف الثاني من القصة، الاختزال والتكثيف، والمهارة في وصف المشهد، الطفل ” صاحب الثأر ” والعسكري ” الذي وضعته الحكومة ليحول بين المتحاربين من أبناء العمومة” والرجل ” الذي عليه الثأر ” ثلاثة أصوات وتتداخل هذه الأصوات مع صوت الكاتبة، وتعمق المشهد باستجلاء الحالة النفسية والرعب الذي انتاب العسكري من بندقية الطفل، والرعب والقلق الذي انتاب الرجل الذي عليه الثأر، والحوار القليل المتوتر الذي دار بين العسكري والطفل جاء كاشفا لحالة كل منهما، وحركات الطفل، و .. و ..
( .. وهذا الطفل الصغير لماذا خرج في هذه الظهيرة يبتغي لعبا وعبثا! إنه يحمل بندقية تبدو وكأنها حقيقية تماما، .. ). ( إنه يدور حول الجندي، ويذهب بعيدا، ويكاد يختفي، ثم يعود، وجهه شاحب ممتلئ لكن على شفتيه ابتسامة باهتة .. ابتسامة طفل لم يعد يعرف كيف يكون طفلا؟! ).
( الطفل يحوم حوله بعينين غريبتي النظرة ويهز بندقيته، لاعبا، في الهواء .. ابتلع الجندي ريقه وتلفت حوله، إنه مدرب على التصدي والهجوم ومواجهة الخطر، لكنهم نسوا أن يعلمونه كيف يواجه طفلا يحمل بندقية، .. ).
ومن الجماليات التي استخدمتها الكاتبة، الحوار المتوتر بين الجندي الذي يحاول أن يتماسك أمام الطفل الذي يغدو ويروح أمامه ويقفز في الهواء ملوحا ببندقيته، وتدخل الكاتبة تدخلا لا يفسد لعبة القص، وهي حالة استثنائية، أن يكون تدخل الكاتب ايجابيا، فلم يجد الجندي أمامه سوى أن يسأل الطفل ليهرب من خوفه :
= أين أبوك ؟!
وهنا تتدخل الكاتبة : نعم أين أبوك الذي يتركك لتخرج بسلاح، لتسير به في الطرقات ..
ويأتي رد الطفل صادما وموجعا :
” أبي مات !”
ويأتي تعقيب الكاتبة : رد منطقي على سؤال لا منطقية فيه.
وتبدأ في سرد واقع هؤلاء : منذ متى كان الآباء هنا يتورعون عن تحميل السلاح والدم والثأر وكرامة العائلة لصغارهم، و … و …
وتسير القصة على هذا النحو، صوت الطفل، صوت الجندي، صوت الكاتبة، ويظهر الصوت الرابع.
( فجأة ظهر رجل فوق قارعة الطريق، رآه الولد فتغيرت النظرة المرسومة على وجهه، وتلاشى شحوب ملامحه الثلجي، ارتدت حياة عنيفة همجية إلى عينيه، وتلون محياه بحمرة الهجوم وصفرة الغيظ والقسوة، ….)
وندرك نحن القراء أن هذا الرجل هو من عليه الثأر.
( لمح الرجل الولد بالبندقية فتوتر، ارتسمت نظرة محملة بهم ثقيل وخوف جاثم مفاجئ … ).
علق الجندي سلاحه على كتفه، وبدأ يسحب البندقية بالقوة من بين يدي الطفل، استماتت قبضة الصبي عليها، ثم، وبحركة مدهشة في سرعتها حقا، أدار فوهة البندقية لتنصب نحو الرجل الذي يتقدم ببطء ووجل من الناحية الأخرى, وتنهال مقذوفاتها، إن وجدت عليه، .. ارتاع الجندي وشدد من ساعده، وجذب البندقية وهو يصرخ ناهرا الولد، ليخيفه ويثنيه عن نيته الشريرة، لكن الأخير تمكن من الوصول إلى الزناد، المعلق بين أربع قبضات وعشرين أصبع متصارعة عليه، وضغطه بلا تردد .. ودوت تكة رهيبة!
……….
………..

3 – ” الأديبة .. والملك حظريوس ” و ” على مشارف الأربعين ” للكاتبة هبة سالم :
أ – الأديبة .. والملك حظريوس :
أعتبر هذه القصة للكاتبة هبة سالم قصة مثال ونموذج للقصة القصيرة من الناحية الفنية، فكل كلمة في مكانها، بل كل حرف، ونقطة، وعلامة استفهام، وعلامة تعجب، وعلامة ترقيم، وكأن الكاتبة تزن حروفها وكلماتها بميزان الذهب.
ولم تستخدم الكاتبة اللغة المباشرة ولا اللغة المجانية، فهي تومئ ولا تصرح، لغتها أقرب إلى الهمس منه إلى الزعيق، وتغلف الموضوع / الخطاب القصصي، بغلالة من الرمز الشفيف غير المستغلق تماما على المتلقي.
وبداية القصة بداية قوية، فهي تؤطر للعنوان، الملك حظ / ريوس، هذا الملك الذي يتمنى الجميع أن يصادفونه ليحقق لهم الأحلام والأمنيات!.
والكاتبة تصنع أسطورة للملك حظ /ريوس، وتأسطر هذا الملك قائلة : ( يصيح كصياح الديكة ولكنه ليس ديكا، يطير ولا يُرى، ويخرج كالدخان من جوف الأرض .. ).
في أقل من عشرة كلمات في ثلاثة جمل، أقامت الكاتبة هبة سالم أسطورة للملك حظ / ريوس، وهي لا تلجأ إلى أسطورة تراثية أو شعبية، ولكنها تصنع هي أسطورته، وتضع القارئ في أجواء أسطورية، ويتهيأ نفسيا وعقليا ووجدانيا لهذه الأجواء الأسطورية التي لا يحكمها عقل أو منطق، والقارئ يتهيأ تماما ليقيس بمقاييس اللاعقل واللا منطق واللا زمان واللامكان. ويشتعل خياله.
فالملك حظ / ريوس : ( يظهر في أول الشهر العربي مرة واحدة في العام .. لا نعلم في أي شهر يظهر .. ).
وتتحول الكاتبة ببراعة من الأسطورة إلى الواقع، ومن الخرافة والوهم إلى الحقيقة، حقيقة المرأة التي تعشق الحرف، وتكتب القصة، وتحلم بالذيوع والانتشار، والوصول إلى العالمية، وتكون في دائرة الضوء، ويُشار لها بالبنان.
هل هذا الحلم يمكن أن يتحقق لهذه المرأة حتى لو صادفت الملك حظ / ريوس؟ ..فالحلم جاء للمرأة في لحظة استثنائية، لحظة تصفو فيها النفس، وتتألق الروح، وهذه الحالة الاستثنائية تذكرنا بحالة الصوفي، حيث الزمن غير الزمن، والمكان غير المكان.
( صادفته في يوم ليس كالأيام .. كانت صافية بما يكفي عندما غسلت ما بها بدموع غزيرة، وهي وحيدة بين ادراج الزمن ).
هكذا تعبر الكاتبة بكلمات قليلة، ولكنها مشحونة بانفعالات بطلة النص الأديبة الحالمة بالشهرة، ومعبرة عن حالتها الاستثنائية في اللازمان واللامكان.
ولغة هبة سالم لغة مراوغة، هي لغة فن القصة، والمعنى أيضا مراوغ، يحاول المتلقي أن يقبض عليه من خلف هذه اللغة المراوغة، المعنى زئبقي مخاتل ومراوغ، بل مثل ساعة البندول المتأرجحة، لا تستطيع أن تقبض عليه كل القبض، وهذه المراوغة الجميلة في المعنى أو في الوصول إلى الأمثولة التي تقولها القصة، تمنح المتلقي فضاءات واسعة للتخيل، بل تدفعه إلى إعادة القراءة مرة بعد مرة، وفي كل مرة تبوح القصة بسر جديد، فالقصة الجيدة لا تبوح بأسرارها مرة واحدة، ولا تمنح نفسها للمتلقي من القراءة الأولى، ومثل هذه القصة تعيش أزمانا كثيرة، والكاتبة جعلت المتلقي يعيد انتاج النص وكل ينتج النص وفقا لثقافته ومستوى تعليمه وذائقته الأدبية، هذه النصوص تجعل المتلقي شريكا في انتاج النص.
والكاتبة تسعى لأسطرة الواقع، واقع المرأة الصعيدية، التي تحاول بإرادة حديدية أن تتجاوز هذا الواقع، لتؤكد أن الصعيد بتراكماته الثقافية وعاداته وتقاليده لا يستطيع أن يقهر المرأة، المرأة التي تطمح أن تكون كاتبة، ولكن هذه الكاتبة توزع حظوظها التي منحها إياها الملك حظ / ريوس، على أبنائها وزوجها، لتسعدهم، وبدلا من أن تؤثر نفسها بهذه الحظوظ آثرت الزوج والأبناء، وهذا هو حال المرأة المصرية عموما، التي تعطي بلا حدود، وتبذل كل غال ونفيس في سبيل أولادها وزوجها، وهذه المرأة الرائعة يدركها الموت قبل أن تضع النهاية للقصة التي تكتبها، وفي عدم كتابة النهاية فضاءات واسعة للتأويل، وتبقى هذه القصة بلغتها المقطرة، والمصفاة، من أجمل القصص التي قرأتها.
ب – على مشارف الأربعين :
تختلف قصة ” على مشارف الأربعين ” للكاتبة هبة سالم عن قصتها ” الأديبة .. والملك حظريوس ” في الشكل والمضمون، وفي اللغة أيضا، فالجمل في ” الأديبة .. والملك حظريوس ” سريعة، ومتدفقة، ومكثفة، بينما الجمل في ” على مشارف الأربعين ” تميل إلى الطول، والنفس الطويل، وكأن الكاتبة تهيأ نفسها لخوض غمار الرواية.
اهتمت الكاتبة بالشخصيات، وبرسمها من الخارج ومن الداخل، ويبدو هذا جليا في رسمها لشخصية ” نور ” وشخصية ” آدم “.
وإذا كانت القصة القصيرة عمادها الوصف، والرواية عمادها السرد، فالكاتبة جمعت في ” على مشارف الأربعين ” بين الوصف والسرد، واهتمت بالتفاصيل الصغيرة، وتعدت الحدث الواحد إلى حوادث متعددة، بل الحوادث في شخصية البطلة ” نور ” أحداثا مركبة ومعقدة.
والكاتبة تعالج أزمة الرجل في سن الأربعين، فالرجل ” آدم ” الملتزم أخلاقيا، وكان متيما وعاشقا لزوجته التي لم تعمر معه لأكثر من ستة أشهر، وأدركها الموت، وظل وفيا لذكراها، ورغم أنه برح مصر حزنا وكمدا إلى إيطاليا، ولكنه عف نفسه عن اشباع رغباته ونزواته رغم قوته وفحولته الواضحتين.
هذا الآدم المحافظ والذي امتلك المال، وأصبح واحدا من رجال الأعمال، وعندما يصل إلى سن الأربعين، يصبح صيدا سهلا في براثن الأنثى / الفتاة الجميلة التي تملك كل مقومات الغواية.
والشابة ” نور ” تستخدم جمالها الأنثوي الفاتن، ودموعها التي تشبه حبات اللؤلؤ في سرقة حافظة / أموال وقلب وعقل الرجل الطيب، الذي على مشارف الأربعين، وقصتها مع آدم قصة مكررة، مجرد حلقة في حلقات كثيرة تتكرر مع كل رجل في مثل ظروف آدم، فغوايتها للرجال مستمرة، ولذا كانت الكاتبة موفقة في اختيار اسم آدم، فكل رجل من السهل أن يكون صيدا سهلا لهذه الشابة الجميلة، التي تسرق ماله وقلبه وعقله، وتجعله يدمنها، وتصبح كل دنياه، وحين يعرض عليها الزواج ، تهرب منه ، وتبدأ في نصب شباكها على غيره.
وتنتقل الفتاة من آدم إلى آدم، وجاءت القصة في شكل دائري.
وشخصية ” نور ” شخصية مركبة ومعقدة، وتعاني من عقدة نفسية، وأزمتها الكبرى مع والدها الذي يعاقبها وهي طفلة عقابا بدنيا قاسيا، لأتها مصابة بداء السرقة، واحساسها بكراهيته لها، وتفضيله لأخوتها عليها، واحتضانه الحنون لهم دونها.
هل تنتقم ” نور ” من والدها في صورة هؤلاء الرجال، هل تجد سعادتها في سرقة عواطفهم، تلك العاطفة التي حُرمت منها في الطفولة، ثم تنتقم منهم بترك كل عاشق لها ومتيم بها يعاني قسوة الهجر والبُعد والحرمان، هل تتلذذ بترك الرجل حطاما؟
امتلآ دولاب ملابسها بالفساتين الجميلة الأنيقة الغالية الثمن، ووراء كل فستان قصة رجل، رجال بعدد الفساتين أوقعت بهم.
والقصة مكررة، وبنفس التفاصيل تقريبا، وفي نفس المكان تقريبا، ونفس الأدوات، الفتاة الجميلة والأنيقة والبريئة والتي تنهمر دموعها وتتساقط مثل حبات اللؤلؤ، فتثير عطف وانتباه الرجل الأربعيني الطيب فيقترب منها ويعرف مأساتها، وهي غرامها بفستان شيك وأنيق، ورغبتها المحمومة في ارتدائه، وليس معها المال الكافي لشرائه، فتأخذه الشهامة ويدفع لها ثمن الفستان، وتأخذ مع الفستان عقله وقلبه، وتبدأ قصة حب لهذا الأربعيني، قصة حب عنيفة، ويتحول مائة وثمانين درجة.
الكاتبة على وعي كبير بالزمن، ويزداد وعينا بالزمن كلما تقدم بنا العمر
………..
………..
4 – ” لصوص بريئة ” و ” لمبة جاز ” للكاتب محمد محمد فكري:
أ – لصوص بريئة:
الكاتب محمد فكري يعيدنا مكانيا إلى قرية افتقدناها، إلى القرية المصرية الأصيلة حاضنة القيم والأخلاق قبل أن تزحف عليها المدينة، وتلتهمها، قبل أن تصبح مسخا مشوها للمدينة، فالناس في القرية كانت تتشابه : ( عشرون عاما تشابهنا خلالها في كل شيء ..)، وكان الاختلاف الوحيد في الأسماء، وفي العلاقات الاجتماعية: ( كل الرجال أعمامنا، جميع النساء خالات لنا )، وفي التكافل : ( دراجة واحدة تكفي جميع الصبية ). ( آخر الليل نجتمع أمام منزل أحدنا نتسامر ونتبادل النكات والحواديت ).
الزمن الخارجي للقصة طويل جدا، هو زمن حياة كاملة لثلاثة أصدقاء يعيشون في القرية، ولأن هذا الزمن الطويل زمن رواية فتغلب القاص عليه بتقنية التغذية الراجعة، والتذكر،..
ويعيش الشبان بالقرية حياة بسيطة وسهلة في طفولتهم : ( مع آذان المغرب تنطلق الصافرة البلاستيكية للحكم الصغير معلنا نهاية المباراة، ننصرف جميعا إلى المسجد المجاور لأرض الملعب ومنه إلى منازلنا، يتجدد اللقاء بعد العشاء لنمارس هواية أخرى ).
ومع مرحلة المراهقة وانصراف البنات عنهم وعدم اللعب معهم، ويرصد الكاتب تغيرات هذه المراهقة على أصواتهم، وعلى شفاههم، وأنوفهم، ووجوههم، فالأصوات تبدلت، صوت جهير، وصوت مبحوح، وصوت متحشرج، والشفاه بهتت وتبخرت صبغتها الحمراء، وشعيرات متناثرة، وقليل من البثور العشوائية جعلت وجوههم غريبة، ولأن هذه المرحلة هي الأخطر في حياة الأولاد، يتوقف عندها الكاتب، ويمنحها المساحة الأكبر، والاهتمام البالغ، ويعني بتفاصيلها، وبقدر اهتمامه بوصف أثرها على الجسد، كان اهتمامه بنفس القدر بوصف أثرها على الداخل، وسنرى كيف أثرت أفعال المراهقة وتصرفاتها على شخصيات الشبان الثلاث، وظل أثر الفعل معهم حتي وهم في سن الكهولة، فهؤلاء المراهقون الثلاثة تحولوا إلى لصوص للمنازل، لا يسرقون مالا أو متاعا، فهم يجلسون أعلى سطح منزل أحدهم : ( دون أن ندري أصبحنا لصوصا للمنازل، منتهكين للأعراض، دخلنا نصف بيوت القرية من مرقدنا عبر النوافذ ) .. فهم يرسلون العيون لأبعد ضوء محملة بالأماني والرغبات، ترجع مرهقة مشبعة بالذنوب و ( كل النوافذ متاحة، كل البيوت مباحة، إلا شارعنا، مازال الدم يجري في العروق، مازلنا نحمل القليل من الحياء ). ….وكشفت لهم النوافذ ما كانت تستره الجلابيب السود والثياب الفضفاضة، ويتساءلون بدهشة: هل هذه فلانة التي تسرح طول النهار خلف الأغنام والمواشي؟ وهذه .. وهذه .. وهذه ..وكشفت لهم النوافذ عن الرجال، فهذا نحيف جدا، وسيقانه كأعواد القصب، وهذا فلان صاحب الكرش الكبير والأثداء المترهلة، وكم هو محظوظ بعمامته الكبيرة وثيابه البلدي الذي يستر كل هذا اللحم.
ويظل الشبان يمارسون هذه الأفعال، حتى يتورطوا في ارسال عيونهم على بنتي الشيخ عبر نافذة غرفة نومهما، ولما صبح الصباح كانت الزينة تُعلق في منزل الشيخ وتنطلق الزغاريد، فعلموا أن أحمد الأخ الأكبر لصديقهم حسام الذي كان يسلط عيونه معهم على نافذة الفتاتين سيخطب الفتاة الكبرى، وتوقف الشبان عن ممارسة هذه اللصوصية، وبعد عامين أو أكثر كسر محمود صديقهم حاجز الصمت اللعين، فمنذ تلصصهم على بنتي الشيخ وخطبة الأخ الأكبر لصديقهم أحمد للبنت الكبرى وهم توقفوا عن ممارسة التلصص، ولم يجرؤ أحد بعدها على النظر في وجه صديقه خجلا وحياء، حتى فاجأهم محمود قائلا ك
( -هل أخطأت الفتيات؟
قلنا : لا
-هل فعلن أشياء لم نرها في بيوتنا؟
قلنا : لا، حقيقة الأمر أنهم كانوا في منازلهم.
-هل رأينا منهن ما لم نره من أخواتنا؟
قلنا : لا، لكنها الأوهام والخيالات.
قال ك إذن سأخطب الصغرى. )
وبعد خطبة صديقهم محمود لبنت الشيخ الصغرى، سافر من سافر، وأخذتهم دوامة الحياة، ولم يلتقوا إلا بعد عشرين عاما، وانجبوا البنين والبنات، وتقابلوا مصادفة بالمدرسة الاعدادية، فكل منهم ذهب للحصول على نتيجة ابنه، تبادلوا التهاني بنجاح الأولاد، ودعاهم محمود لزيارة بيته الجديد، وكانت المفاجأة أنهم وجدوا خلف السور العالي منزلا جميلا من طابق واحد لا يكاد يرتفع عن السور، وعندما سألاه : كان بإمكانك أن تبني المنزل في وسط الأرض وتستفيد وتستمتع بالفراغ المحيط به من كل جانب، فلماذا بنيته على الحافة وتركت باقي المساحة في اتجاه واحد؟.
فابتسم قائلا : عندي ولدين، سأبني لكل ولد منهما منزلا منفصلا بحيث لا يكون عندنا سطحا عاليا تسكنه الخفافيش!
ويضحك حسام ويصطحبهما معه ليكشف لهما عن السر الذي حار فيه مقاول البناء وجميع الزائرين، وصعد بهما درجات السلم حتى الطابق الرابع، وإذا بالسلم ينتهي عند الوصلة الأولى، فلا يستطيع أحد الصعود إلى السطح!
وبعد القهقهة والضحك المتواصل، يسألان صديقهما الثالث، وأنت ماذا فعلت، يقول : الحمد لله، لم أرزق إلا بالبنات، علمتهم غلق الشبابيك، وحذرتهم من الخفافيش.
رغم بساطة القصة وطرافتها، فهي تعكس أخلاق القرية، وتعكس أثر فعل التلصص من المراهقين الثلاثة على نساء القرية وبناتها، وأثره على نفسية هؤلاء اللصوص، وامتداده معهم، ولم تستطع الأيام والسنون من تطبيب الجرح الذي تركه هذا الفعل، بل وصل الأمر حد التغيير في نمط المسكن ليقوا أولادهم من الوقوع فيما وقعوا فيه.
ب – لمبة جاز :
ومن القرية أيضا يرسم لنا محمد فكري صورة بديعة، ويصور لنا مشهدا من مشاهد القرية القديمة، ونص ” لمبة الجاز ” جاء أقرب إلى الصورة القلمية، ويعيدنا إلى القرية من خلال التداعي والتذكر و” الفلاش باك ” يرسم لنا صورة قلمية مبهرة، و ” لمبة الجاز ” هي التي فجرت الأحاسيس والمشاعر، والذكريات.
ومحمد فكري يكتب بحميمية شديدة، فهو يكتب عن بيئة يعرفها، وأناس قريبون منه، عاش معهم عمرا، الأب والأم والجد والجدة، ينقل لنا صورة أسرة قروية، هي نموذج للأسرة في قرية افتقدناها، والكاتب على وعي بالبيئة القروية، فيقول عن ” لمبة الجاز ” عقب انقطاع التيار الكهربائي : ( بحثت عن لمبة الجاز، وجدتها في ركن مهمل تحرسها خيوط العنكبوت ) .. ( حررتها من قيودها، الدخان الأسود يطوق عنق زجاجتها، يشكل على محيطها من الداخل لوحة فنية تجسد كل تفاصيل الزمن القديم، بظلامه وطيبته، بنوره ورفعته، بقهره وعزته ) .
و” الوصف ” عند محمد فكري في هذا النص ماتع، وهو البطل الفني، فانظر إلى هذه القطعة الوصفية الجميلة : ( بقطعة رطبة من القماش محوت كل هذه التفاصيل، ازدادت بريقا بفضل أوراق الصحف، …، … ) .
ولأنه يصف لنا لوحة، فيغرقنا في تفاصيلها : ( ضحكت جدتي، انتهت من صلاتها، وكعادتها ستنتظر على سجادة الصلاة حتى آذان العشاء ).
هذا عن الجدة، أما هو، فيستعيد نفسه طفلا : ( جلست بجانبها ألهو مع خيالي على الحائط أتفنن في صنع أشكال بيدي، لم تعد تخيفني هذه الأشياء، الواقع أصبح مخيفا أكثر ..).
وينقل لنا صوت المبتهل المنبعث من الراديو، وجده المشغول بالنفخ تحت قطع الخشب ليشعل مدفأة الغلابة استعدادا لقدوم الأب الغارق في دوامة الحياة ومياه المطر.
ومن المشاهد الدافئة :0 سيُلبسه عباءته، ويُجلسه بقربه، يمسح بيده على ظهره ) فهذا الجد يُسقط عنه أعباء النهار، ويبدله دفئا وأمانا، فالجد هو المسئول عن دفء الروح قبل الجسد.
وأما الأم : ( تضع اللمسات الأخيرة للطعام، ولا يفوتها تحضير الماء الساخن بما يكفي وضوء أبي ونقع قدميهن وسط دعاء جدتي ..).
يتبع

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق