قراءات ودراسات

“أحباب الله “، رواية من وراء القضبان التونسية

- سيرة فتى كشف عورة الزعيم -

بقلم: ناصر الرقيق*

إنْ كان الكلام عن الأدب في عمومه صعبا فإنّه يزداد صعوبة في السِّيَرِ الذاتيّة لأنّ تناول سيرة كاتب، هو تماما كالدخول لبيته و حاضنته، فتجد نفسك كقارئ مكتفيا بالقراءة دون جرأة في التفكير في الكلام عمّا تقرأ، ففي حضرة الألم يخرس اللسان، و يصبح الأمر بالغ الصعوبة إن وجدت نفسك تطالع سيرة لسجين سياسي سُجِنَ و حِيلَ بينه و بين الحريّة زمنا، فكان التأريخ لمحنته ملاذه الوحيد لإنقاذ نفسه و ذاكرته لكن و بتواضع كبير أمام عذابات المساجين السياسين، كان من الواجب علينا الكتابة عن أدب السجون التونسي الذي لم يأخذ حظّه في تونس إطّلاعا و دراسة رغم المآسي الإنسانية التي شهدتها الجمهورية منذ الإستقلال إلى سقوط نظام المخلوع و رغم أنّه الشهادة الخالدة عمّا جرى من إنتهاكات لحقوق الإنسان خلال تلك الفترة المظلمة من تاريخ تونس.

1 – كمال الشارني

صحفي تونسي منذ سنة 1989 عمل بجريدتي الصحافة و الشروق و الآن يمارس مهنته التي أتعبته و أتعبها بإذاعة تونس الثقافية.
الشارني رجل قدم من عمق الريف التونسي الذي مازال حضوره طاغيا في حنينه له و شوقه الأزلي لمضارب أهله، و هو ما نقرأه واضحا في نصوص كثيرة ينشرها بصفحته على الفايسبوك أو من خلال الصور التي يتذكر بها أيّاما خلت من حياته.
هو إبن سركونة، الناظور، الكاف و هو مزيج من السهول و الجبال و بعضٍ من واد ملاق و سدّه العظيم.
هو طفل مازال يحلم بتسّلق أشجار الغابات الكثيفة، يملأ صدره بروائح الأعشاب التي لا حصر لها، هو فتى يسابق الريح في مجاري الأودية و يخاف عواء الذئاب في الليل فيحتمي بظهره أبيه و يدسّ رأسه في حجر أمّه.
هو شاب بعثرته دولة الإستقلال في ريفه، فرحل عنه مضطرّا يبحث عن شتات نفسه في المدينة التي غاص فيها حد الكهولة فغرق و لم يعرف النجاة منها حتى بعد أن كتب ” أحباب الله”، إذ مازال به بعْضُ وَجْد على أيّام كان يقضيها في أعالي دير الكاف ينْقَع فؤاده الذي أضناه طول الهجر.
كمال الشارني صديق لقلمه، هما يشبهان بعضهما، لذلك حين تقرأ له كأنّك تجالسه، هو حاضر في كلماته و فقراته، هو يكتب نفسَه لِنفسِه فيصنع روحا جديدة من روح قديمة متهالكة.

2 – أحباب الله

قرأت رواية ” أحباب الله” للمرة الأولى منذ سنة، حينها بدأت الكتابة عنها لكن توقفت لأنّها رواية تقطر ألما و تفيض وجعا لكن بعد سنة عدت بشجاعة لقراءتها ثانية بكثير من التأنّي لعلّي أنصف شخوصها بإحساس أكثر بما قاسوه في زنازين الزعيم و خلفِه الهارب و دولتِهما الظالمة التي قطفت أحلامهم و قصفت أعمارهم فأعادتهم، هذا إن حصل ذلك أصلا، ذواتا مهشّمة إحتاجت وقتا طويلا للترميم لكنّ الندوب مازالت ظاهرة لمن إنتبه أو أنصت لأنّات حبسية في صدور من مرّ من هناك، من الزنازين.
“أحباب الله “، رواية للكاتب الصحفي و الأديب التونسي كمال الشارني، تقع في مائتين و ست صفحات و هي صادرة عن منشورات كارم الشريف سنة 2012 في طبعتها الأولى، صمم غلافها الداخلي الفنان التشكيلي حسين مصدق أما تصميمها الداخلي فكان لإبراهيم بن هقي و راجعها لغويّا محمد الثابت.
هذه الرواية من نوعية الروايات التي لا تقرأ بل تُتَعَاطَى، فالرواية التي تقرأ هي تلك التي لا تترك لديك إنطباعا كبيرا بل تمرّ بها كمرورك بكلّ ما هو مكرر فلا يشدّك إليها شيء مميّز فتنساها و تنسى كاتبها بمجرّد طيّك لصفحتها الأخيرة هذا إِن أكملتها، أمّا الرواية التي تُتَعَاطَى فهي التي تعيش معها شعورا كالذي يعيشه متعاطي مخدّر ما إذ أنّك تبدؤها فَتَدْخُلُكَ و تُدْخِلُكَ عالمها فلا تخرج إلاّ حين تتمها، كما تجبرك أن تحياها كأنّك أحد شخوصها و تتفاعل مع أحداثها و لا تشعر بأنّك لست من عناصرها إلاّ حين ينتهي بك المطاف و تستفيق من خَدَرِك الذي كُنْتَهُ طيلة أحداثها.


هذا ما فعلته بي رواية ” أحباب الله” التي كتبت عنها في يوم سابق بأنّها قادرة على تحويلي لمجرم و لطالب ثأر يبحث عن الثأر لكلّ تلك الدماء التي أريقت و الأعراض التي أنتهكت في زنانزين الزعيم الذي لم يرحل قبل أن يدنّس طفولة ” أحباب الله” ثمّ مرر مشعل البطش لخلفِه الذي أكمل ما بدأه معلّمه إلى أن أطاحت به ثورة الشعب التونسي سنة 2011.
إستهلّ الكاتب روايته بالتأريخ لبداية كتابتها حيث يقول ” في الأصل بدأت كتابة هذه الرواية في منتصف شهر ماي 1986 على ما بقي من أوراق كراسي المدرسي لمادّة الفلسفة في السجن المدني بالكاف” ص 9، و قد ذكر بأنّ فكرة الكتابة جاءته بعد أن رفضت إدارة السجن تمكينه من إجتياز إمتحان الباكالوريا فقرر أنّ يبدأ كتابة يوميات سجنه في الكراريس التي كان من المفترض أن يستعملها إستعدادا للباكالوريا لينتهي به الأمر لتهريب هذه المادة الروائية من سجن القصرين بعد أكثر من سنتين قضاهما بين سجني الكاف و القصرين حيث يقول في ذلك ” و عندما غادرت سجن القصرين، منتصف نهار 6 نوفمبر 1988، تمكنت من تهريب 462 صفحة كراس مدرسي مكتوبة بخط اليد بأقلام و ألوان مختلفة تتراكم فيها أحداث و تتكرر” ص 11، و قد إعتبرها غنيمة حرب و هي فعلا لأنّها أضاءت لنا جانبا مظلما من تلك الفترة الحالكة التي شهدت حربا لنظام مستقوي بأجهزة الدولة على الجميع و منهم أحباب الله الذين لم يكن لهم من ذنب سوى أنّهم أبناء فقراء، كان يحتاجهم الزعيم ليتمثلهم أعداء يثخن فيهم فيثبت بأنّ دولته تنتصر أمام من يشاغبها و هو تماما ما فعله مع آبائهم حين ألقى بهم أيضا في الزنازين عقب الإستقلال بعد موجات متفرقة من مناهضة حكمه.
تنقسم الرواية لثلاثة فصول، الأول ” الجوع والجنون”، الثاني ” تاجروين، لسنا مسؤولين عن سلامتك” و الثالث ” الأب الغائم”.
يمتدّ الفصل الأوّل لمحنة أحباب الله من الصفحة خمسة عشرة إلى الصفحة الواحدة و الثمانين، و كما يظهر من عنوانه فهذا الفصل هو حقًّا فصل من الجوع و الجنون، جوع للحريّة المفقودة التي طاردها أحباب الله في أزقّة و شوارع مدينة الكاف و جنون لأنّهم ظنّوا أنّ ذلك ممكنا مع نظام الزعيم الذي كان يرى أن الحريّة ترفا مازال الشعب بعيدا عن مناله، لكن قبل ذلك إستهلّ الشارني هذا الفصل بالحديث عن بداية محنته الشخصيّة و التي ستكون الخيط الذي سيقود القارئ لإكتشاف ما كان يحدث خلف جدران المعتقلات اللّعينة، فحادثة تصدّيه لسجّان متسلّط يهوى إيقاع الألم بالمساجين و ضربه له، كانت البداية لما قاساه الكاتب فيما بعد رغم أنّه يقرّ بأنّه عرف سجانين آخرين كانوا مختلفين عن هذا المتسلّط، فمن تلك اللحظة بدأت المعاناة لكنّ الكاتب و رغم ما تعرض له من تعذيب فإنّه تناسى و جعل سلواه في توثيق ما يعانيه الأخرون الذين نقل معاناتهم و مآسيهم التي مهما تخيّلت فإنّك ستدهش حين تقرأ ذلك الواقع بقلم تميّز حقّا في وصف ذلك الوجع و التدمير الممنهج للذَّات البشريّة و كيف تتمّ صناعة المجرمين و المنحرفين داخل الزنازين.
أما الفصل الثاني ” تاجروين، لسنا مسؤولين عن سلامتك” فيمتد من الصفحة خمس وثمانين إلى الصفحة مائة و واحد و ستين، حيث يتحدث الكاتب عن أولى مِحَنِه حين تمّ نفيه عن مدينة الكاف إلى مدينة تاجروين و هذه الغربة المقيتة التي سيعيشها طوال فترة بقائه فيها والتي ستنتهي بمحنة أشدّ و أهلك حين يتمّ إتهامه بمحاولة إضرام النار بمبيت المعهد فينتهي محكوما بخمس سنوات سجن نافذة.
تاجروين هذه المدينة ذات الذاكرة المثقوبة أو التي بلا ذاكرة كما يقول الكاتب، مدينة لا تحبّ الغرباء، شديدة الحذر منهم، مدينة رفضته فرفضها و كأنّ بداية وصوله لها تنبئ عن النهاية التي سيكون عليها حين يخرج منها إلى الزنازين بعد أن تواطأت الظروف و الأشخاص والمدينة ذاتها ضدّه ليشهد الجميع بأنّه الخطر الأكبر الذي قَدِمَ من الكاف لينشر الشرّ و الخراب في تاجروين كما قدّمه مدير المعهد ليلة ذات مداهمة للبوليس لمهاجع نومهم في مبيت المعهد.
في هذا الفصل يبكي الكاتب حبّه الذي خلّفه وراءه في مدينة الكاف و هذه المشقّة الروحيّة حيث وجد نفسه في مدينة لا يحبها و بدون حب و في معهد مديره يراود التلميذات عن أنفسهنّ و مساعده منحرف جنسي لا همّ له الا البحث عمّن يفاحشه، و كأنّ هذه الأجواء بدأت تتهيّأ لغريب دون أهل مقطوع من كلّ حماية ليرمى به وسط قِدْرٍ بدأ بالغليان فوق نار مشتعلة منذ سنوات.
يستذكر الكاتب أيضا في هذا الفصل ذكرياته مع أمّه و كيف تخلّت عنهم الدولة منذ زمن فتركتهم يواجهون قسوة الطبيعة و أحيائها حتّى أنّه يمكن أن تنتهي رحلة فتى صغير ذاهب لمدرسته مقطّعا بين أنياب ذئب كما حدث مع ” وِلْد جفّال” صديق طفولة الكاتب الذي إنتهى طعاما للذئاب في طريق أحلامه المدرسي، لكن نفس هذه الدولة تذكرتهم بكلّ عنفها و جبروتها حين طالبوا بشيء من الكرامة فرأت في ذلك تمرّدا لا غفران له فزجّت بهم في زنانزين من مخلّفات الإحتلال الفرنسي بدعوى أنّ الكرامة تَرَفٌ لشعب لم يتملّك بعد أساسيات البقاء على وجه الحياة و بأنّه لا كرامة في الجمهورية إلاّ للزعيم الذي يحنو و يقسو على الجميع بمن فيهم ” أحباب الله ” الذين تجرّؤوا على كشف عورته.
أما الفصل الثالث ” الأب الغائم “، الممتد من الصفحة مائة و ثلاث و ستين إلى الصفحة مائتين و ستة، فهو فصل عذابات الذات الحقيقيّة التي ستبدأ مع لقاء الكاتب بأبيه في أروقة محكمة الكاف حين جيء به مقيّد اليدين و تلك الصورة البائسة التي كان عليها الأب التي ستطبع ذاكرة الكاتب و التي ستجعله يحيا بألم مزمن يُشْعِرُه بأنّه كان الوحيد وراء كلّ ما حدث و بأنّه مذنب حدّ النخاع في تشتيت الأسرة و فشل الإخوة و ضياع أحلام عائلة بأكملها بل حملها لوزر و شبهة مناهضة الدولة و نظامها الساعي و الساهر على حسن سيرها، بإختصار إنّها عائلة مارقة أنجبت طفلا عاقّا لدولته و زعيمها، و هو يستحقّ كل ما حدث معه، هكذا كان الجميع يتحدث.
و في غفلة أو بتواطئ، يُطَاحُ بالزعيم من قبل من سيخلفه في القمع لكن لضرورات المرحلة و لغاية تثبيت الحكم يقوم بالإفراج تباعا عن المساجين السياسين ليعانق حبيب الله الشارني الحريّة بعد زهاء الثلاث سنوات سجنا، فيخرج حاملا سيوف إنتقامه ممن ظلمه لكنّه وجد أنّ أحداثا كثيرة جرت في غيابه فيُقْدِمُ حينا و يتراجع أحيانا إلى أن قرر أن يخطّ ثأره بقلمه فيهدي الذاكرة الوطنية رواية ” أحباب الله ” التي بقيت تنتظر لأربع و عشرين سنة كأوراق متناثرة قبل أن تعرف طريقها لمطابع النشر.

3 – لله ثمّ للتاريخ

أعترف أنّها رواية أرهقتني نفسيّا لأنّه ليس من السهل أن تقرأ عن عذابات الآخرين و أنت تعلم يقينا أنّ ما يرويه الكاتب من احداث ليست من اختراع خياله بل وقعت فعلا و أنّ شخصيات الرواية شخصيات حقيقية عاشت تلك المآسي.
” أحباب الله ” رواية شاهدة على ما عانته أجيال من التونسيين و التونسيات و لعلّ عدم ترتيب أحداثها و تبعثرها يكفي دليلا على بعثرة حقبة كاملة من تاريخ تونس التي عبثت بها أيدي قذرة إستحلّت شرف أبنائها و بناتها ففعلت بهم ما لا يخطر على بال الحيوان أن يفعله بمِثْلِه.
ففيها من الأحداث و الشواهد ما يثير أسئلة كثيرة، كيف لبشر أن يفعل ذلك ببشر مثله ؟ أيّة بهيميّة تقود إنسانا ما للتعدّي على إنسان آخر بطرق تتعفف عنها حتى الشياطين ؟ أي جُرْمٍ إرتكبه هؤلاء المساجين حتى يُفْعَل بهم ذلك ؟ هل كنّا نستحقّ كلّ ذلك ؟ كان هذا سؤال الكاتب الذي رافقه طوال مدة سجنه و هو غارق في البحث عن مبرر واحد للدولة و زعميها يعطيهما حقّ إذلال البشر و نزع إنسانيتهم.
كثيرة هي تلك الشهادات الموجعة حول إستباحة هذا الإنسان التونسي التي أوردها الكاتب في سياق الرواية، فذكر حالات فقدان العقل التدريجي و كيف يبدأ الإنسان بفقدان الإدراك لينتهِيَ كحيوان بين أيدي سجّانين لم تعرف الرحمة لقلوبهم مسلكا لكن هؤلاء السجانين لم يكونوا إلاّ آخر حلقات الشرّ في دولة الزعيم، حيث تبدأ من مركز الشرطة أو الحرس في جلسات التحقيق مع كلّ أنواع التعذيب الذي كانت ممارسته سياسة متبعة لإنتزاع الإعترافات ثمّ القضاة الذين يحكمون بهذه الإعترافات مع علمهم بطريقة الحصول عليها، لقد كانت جمهوريّة قذرة مليئة بأوساخ كثيرة.
لم تنجح جمهورية الزعيم في شيء كنجاحها في تحطيم و تشريد و تشويه أجيال متعاقبة ستبقى تعاني عَطَبَهَا النفسي سنين طويلة حتى بعد رحيله وذلك لدخولها في نفق آخر من سياسة طَحْن الذّات الإنسانية خلال فترة حكم المخلوع الذي أكمل من حيث توقف سلفه.
إذن إن كانت هناك حاجة لكتابة شيء ما في هذا البلد فبلا شكّ ستكون آلام و جراح أولئك المكلومين، الحبر الأمثل لتدوين تاريخ حافل بالشرّ والحقارة و النذالة لنظام ضيّع البلد و أهله كما يقول الكاتب { اسألوا عني في تاريخ عذاب مدينة الكاف، ستجدون صوتي بين آهات الأصوات الباكية ألما و في أغاني الحزانى عندما دمّروا شباب أجيال كاملة في بداية الثمانينات. ستجدون آلام جيل كامل في أغاني أمهاتنا و إنتظاراتهن أمام مراكز الشرطة، مع بكاء المطر على الجدران المائلة و فوق الأرصفة الحزينة و تلك التي لم تبلّطوها بعد. ستجدون آلامنا في أغانٍ شعبيّة و في صور نساء لم توجد إلا في خيالاتنا و في صور بنات إستنبطناها من حاجتنا إلى الحبّ في بلد الحبّ، فلم تكن توجد إلاّفي خيالاتنا} ص126.

كاتب تونسي *

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق