قراءات ودراسات

صباح عبد النبي تشي بعورات المجتمع من خلال ستائرها الشفافة

قراءة في رواية ستائر شفافة للكاتبة صباح عبد النبي

قراءة د.عطيات أبو العينين

رواية ستائر شفافة تكشف عن المستور والمسكوت عنه من قضايا عديدة، سواء اجتماعية أو ومشاكل التعليم، وتفشي الجهل وانعدام الثقافة الجنسية، صباح كاتبة جريئة تشي بعورات المجتمع تشف وتصف كل ما يحدث ويختفي خلف الستائر الشفافة أو تهتك ستر الظلام، وما يحدث فيه وما نخفيه حتى عن أنفسنا، وهذا ليس بجديد بل نلمسه في كل أعمالها سواء مجموعات قصصية أو روائية.
ما قبل الإهداء: خبئوا أرْواحَكم بين زَهْراتِ الياسَميْن؛ فالعطشُ قادمٌ والأحضانُ قُدَّت من صَخْرٍ، جملتان بليغتان تلخص الحاجة والاحتياج والاجتياح والحاجة إلى الحب والمشاعر، وفي نفس الوقت الغرائز حاجة طبيبعية أودعها الخالق لكن كيف نوظفها ونتعامل معها، فالناس قد تحجرت مشاعرها، فكيف يمنحون طالما لا يشعرون بالغير، فلقد حرمت طاهرة من مشاعر الأنثى ولبس ملابس الفتيات، حتى في ليلة الحناء لأخيها حرمت أن تفرح مثل الفتيات، وتخضب يديها بالحناء ص31 فلقد قالت لها أمها:
– أمي قالت شغل البيت والغيط ما ينفعش معاه نقش الحنة.
يرد خالهاعلى أخته والدتها ويقول: البنات لازم تتنفس
أبوها: قاللي ما عنديش بنات ترقص، عايزك تكبري وعودك ناشف زي إخواتك عمرك شفتيهم بيهزوا وسطهم ولا ناقشين إيديهم ولا كعوبهم بالحنة.
طاهرة: أبويا مش مصدق إنه مخلف بنت.

العنف ضد المرأة
لفتت الدكتورة بدرية الكندي إلى نوعين من العنف الجسدي والنفسي، وقالت إن نسبة كبيرة من النساء حتى في الدول المتقدمة من 50-70% ما زلن يتعرضن للعنف الجسدي والضرب من أزواجهن بدرجات مختلفة يصل بعضها إلى الموت أحياناً، واعتبرت العنف السلبي”النفسي” أكثر انتشاراً، ويتمثل في الإهمال والتجاهل والتحقير والإلغاء والقهر والاستعباد والعناد والمكايدة من جانب الزوج، وهذا العنف السلبي يكمن وراء الكثير من الاضطرابات النفسجسمية واضطرابات الجسدنة لدى المرأة .
فتأثير المرض النفسي للمرأة في الأسرة، يؤثر على الأسرة فهي الوحدة الاجتماعية الأهم، وهي الحضن للأطفال والسكن للزوج والملاذ الآمن والغطاء الواقي والحضن الدافئ للجميع، وفي قلب هذا الكيان الدافئ الحنون نجد الأم، فهي في مركز الدائرة الحنونة والراعية وبدونها لا تكون هناك أسرة، وبغيابها تغيب مصطلحات الحب والحنان والدفء والرعاية، ولذلك إذا حدث اضطراب نفسي لأي فرد من أفراد الأسرة فإن المرأة تتحمل العبء الأكبر وتشكل خط الدفاع الأول والأساسي للرعاية والاحتواء مثل (الشيخوخة لدى الزوج، الإدمان لدى الابن، الانحراف السلوكي لدى البنت) . لكن الكارثة الأكبر تقع حين تتزلزل الأم ويتصدع بنيانها، أي حين تصاب هي نفسها بمرض نفسي، فهنا يهتز المركز، ويصبح البنيان الأسري بأكمله معرضاً للتناثر، ذلك أن القوة الرابطة ممثلة في الأم قد اهتزت، فكيف نتخيل حال الأسرة، وقد أصيبت الأم بالفصام (الشيزوفرينيا) مثلاً؟ واضطربت بصيرتها؟ واختل حكمها على الأمور؟ وتشوه إدراكها؟
كيف وهي في هذه الحالة تقوم بإدارة بيتها ورعاية زوجها وأطفالها؟
أو كيف نتخيل حال الأسرة وقد أصيبت الأم بالاكتئاب الذي يجعلها عاجزة عن فعل أي شيء لنفسها فضلاً عن غيرها؟ ويجعلها كارهة كل شيء حتى نفسها وأطفالها وزوجها بعد أن كانت هي منبع الحب والحنان؟
ولذلك، فإن إصابة الأم بالمرض النفسي يعتبر بكل المقاييس كارثة متعددة الأبعاد تستدعي رعايتها في المقام الأول وبسرعة وفاعلية مع رعاية أفراد أسرتها الذين افتقدوا قلب الأم وروحها ويدها الحانية .
هنا في هذا العمل المعنون باسم ستائر شفافة، جاء اسم الرواية ستائر شفافة الكلمة الأولى نكرة أضيفت إلى صفة فعرفت بصفتها، ووصفت كل شيء في علاقاتنا بالآخر خصوصا منطقة الصعيد، دائما ما نتحدث فقط عن الإيجابيات، لكننا لا نتحدث عن السلبيات خاصة في العلاقات أو الأفعال التي تهدم المعايير الأخلاقية، ويتجلى هذا في دفن رؤوسنا كالنعام من عدم التصريح بالعديد من القضايا.
دقت الكاتبة صباح عبد النبي ناقوس الخطر، ولم تكتف بل فصلت لنا ووضعت أيديها عل كل المشاكل التي نعاني منها، في تلك المجتمعات الجنوبية، وستائر شفافة ترى هي تلك الحاجز الذي لا يخفي أفعالنا عن الآخرين ويهتك ستر الأفعال، أم هي تلك الستائر التي تحفظ للفتاة بكارتها وعذريتها وبدونها تستحق الموت؟ أم هي هتك ستر الليل؟ أم هتك ستر العقل الذي يدعي التعلم والتحضر والمدنية، وهو يحمل أوزار الماضي من تخلف وفقر وعادات وتقاليد بالية تستحق أن نبترها من مجتمعاتنا؟
قضايا أثارتها الرواية
كالجهل والتعليم ويتجلى ذلك في شخصية طاهرة ود.طاهر ود.شهدان- الخطأ والخطيئة في شخصيتي عابدة وطاهرة إحداهما- تربية الأبناء في الصعيد وكيف تعاملت الأسرة مع طاهرة ونسوا أنها أنثى في مشاعرها ولبسها – تجاهل مشاعر الأنثى- العادة السرية- عدم تأهيل المعلمين والمعلمات لمواجهة الطلبة والطالبات بأسئلتهم، وتجلى ذلك في حصة شرح الجهاز التناسلين وتهرب كل من المعلمات والمعلمين حتى لا يقوموا بشرح الدرس، والخجل الذي ينتابهم ويخرج طالب درس في الخارج يشرح الدرس (ماجد ساويرس) بكفاءة، وهنا دلالة وتفرقة بين التعليم في بلادنا والتعليم في الخارج- الطلبة والطالبات في المدن الجامعية- الواسطة والمحسوبية- القهر- تزوير الحقائق كما حدث في قضية طالبات المدينة الجامعية- الخضوع والخنوع.
أثقلت الرواية بالعديد من القضايا التي تسع لعمل عشرات الروايات خاصة أنها جاءت من خلال حوار طويل بين د.طاهر وحبيبته د. شهدان وفي أول لقاء لهما بعد سنوات طويلة، وكان من الأجدر بالكاتبة أن يتوزع الحوار على مواضع مختلفة من الرواية ولا يأتي مباشرا، وعلى هذا طغى الحوار على آلية السرد خاصة أن الكاتبة تتميز بروعة السرد والتفصيل ولكن هنا أغفلت الوصف من أجل أن تفرد للقضايا صحيح أن القضايا أهم ولكن ماذا يضيرنا لو أفردنا للسرد ووزعنا الحوار على مدار فصول الرواية؟ فمن غير المعقول أن يمتد الحوار من ص50 حتى 95.
نماذج لقهر المرأة
قدمت صباح عبد النبي في رواية ستائر شفافة عدة نماذج لقهر المرأة، والعنف الذي يتكب ضدها:
– عابدة: نموذج للقهر والعنف ضد المرأة وقد وفقت الكاتبة في اختيار اسم عابدة التي عاشت طوال حياتها تستغفر ربها، حتى في لحظات اغتصابها كانت تستجير بربها وتستغفره وتستحلف مغتصبها أن يتركها، فهي المرأة التي اغتصبها “غالب” هذا الثري الذي لم يرحم دموعها ولم يستر عارها وتركها تواجهمصيرها هي وطفلها وحدها، وانتقمت منه بأن أخفت عنه بأن الحمل اكتمل لأن كان يشتاق لولد يحمل اسمه، وعاش غالب يدعي أنه رجل البر والتقوى، ولكن يخرج الإبن”سعيد جابر”الذي يحمل اسما لأب غير والده، رجل تبرع بستر فضيحتها على أن يطلقها بعد أن تضع حملها. وخرج الولد إلى الحياة يحمل عقدا نفسية حقا وكراهية وانتقاما لأب تنصل من خطيئته،ومن إبوته وعندما عرف الحقيقة ذهب إليها يستعطفها لكن القدر كان قد سبقه فنزل معا القبر يقبل رأسها ويعتذر لها ويطلب من الصفح.
– طاهرة: وفقت الكاتبة في اختياره اسمها وتوظيفه أيضا بالفعل هي تحمل نصيبا من اسمها بل كل النصيب، هي لم ترتكب إثما ولم تقع في خطيئة ولكنها أخطأت نتيجة جهلها لأنها فتاة ولا فائدة من تعليمها على حسب العادات والتقاليد في بلدها، فلقد ارتدت ملابس عروس أخيها ليلة زفافهما، فحملت من أخيها، وصدر الحكم بقتلها تحت عجلات القطار على أيدي أخيها د.طاهر الذي تعلم في الخارج.
– د.طاهر: الأخ الأكبر لطاهرة اختاره والده حتى يخلصهم من العار، وكلفه بمهمة قتل طاهرة وكاد يفعلها أثناء عملية الإجهاض، لكن د. شهدان تلمح هذا في عينيه وتقرر إبعاده عن العملية، وهي التي تكشف له كل شيء، أن طاهرة مخطئة ولم ترتكب خطيئة وأن المجتمع والأسرة هي المخطئة في حقها حيث لم تتلق التعليم الذي يحصنها من الخطأ، حتى بعد أن عرف حقيقة وطبيعة غشائها الغربالي واستعدادها في ذلك الوقت للحمل لم يقتنع كيف سيخبر أباه والمجتمع ؟
– ولكن شهدان أخذت على عاتقها مسؤولية طاهرة الحفاظ عليها وتعليمها وتشغيلها معها في العيادة كممرضة.
استخدام اللهجة الصعيدية والأمثال الشعبية
وظفت الكاتبة اللغة في العمل طبقا للبيئة موضوع العمل، فالعمل يدور في الصعيد، واستخدام لغة الحوار جاء موظفا توظيفا سليما، وإن طغى الحوار على السرد بشكل كبير، كما استخدمت الكاتبة الأمثال الشعبية المأخوذة من البيئة الصعيدية، كما في ص11 الإبرة والخيط مع الرجالة في الغيط
اطفحي يا بير المرار- الجمل لو شال فوق حمله ينخ- الكلام لو يحلي المرار كنا بدرناه في حلوقنا
ص26 كلام على طاهرة التي حملت سفاحا ليه كسرت ضهري يا دراعي.
تشبيهات بليغة
ص26:عملتها صخرة يا شاكر واستكثرت على الريح ينحت منها يا راجل؟
ص27 طاهرة سلة خير
وتتجلى بعض جماليات السرد عند الكاتبة في عدة مواضع منها ص28″ يسدل الليل ستائره الشفافة الثقيلة، لا يهتك ستره سوى أنات وجع وآهات حزن من كل جنبات البيت، ودموع منهمرة تشربها الوسائد لم تتعود طعمها من كل العيون في آن واحد من قبل”.
وهنا مقابلة بين معنى الرواية والوصف بين الستائر الشفافة وستائر الليل السوداء الثقيلة، كيف إنها رغم سواد الليل تشف وتصف وتهتك ستر الظلام والشرف والمشاعر والحقوق، إسقاطات أسقطتها الكاتبة على كل قضاياها متخذة من العنوان ركيزة تنطلق منها وتعود إليها بتقنية الدائرية هنا في الفكرة.
ص68: في الفقرة الأخيرة الحب المشتعل والرغبة الكامنة والشوق بين د.طاهر ود. شهدان والمشاعر الحية والجياشة الجمال والسرعة وتعاقبها، وإن كنت أرى أن تكون علاقتهما ليس بها خطيئة، لأنهما رمز للعلم يدافعان عن الشرف، وإن كان ما يستحله طاهر لنفسه لا يبيحه لأخته، لكننا نتحدث عن خطيئة وخروج على الشرع صحيح أنهما صححا خطأهما، لكن ما الفرق بين الجاهل والمتعلم، الخطأ والخطيئة، عندما يوضع كل منهما في نفس الموقف أو الخطأ، صحيح أن الكاتبة أتت بثلاثة مواقف مختلفة عابدة اغتصاب قهرا- طاهرة حمل خطأ غير مسؤولة عنه إلا بالجهل، وخطيئة د.طاهر ود.شهدان، كما أنه أشارت الكاتبة ص100 –101أن الدين ليس بحفظ أصم وإنما لا بد من الفهم عندما أراد أن يسمع لطاهرة قد أفلح المؤمنون، فكان
لا بد من نموذج يجمع بين العلم والحب والإحجام عن الخطيئة والتحكم في المشاعر وأعتقد أن د. شهدان هي النموذج الذي كان يجب أن يتحلى بذلك وا يتخلى عنه تحت أي ضغط حتى لو كان الحب والشوق والبعد والرفض.
ولكن في النهاية أستطيع أن أقول أن الكاتبة نجحت في روايتها بتناول خفايا ومشكلات وقضايا المرأة في الصعيد وفي بلادنا، بشكل عام وخاص والعديد من المشكلات التي أدت إلى تراجعنا، وإن طغى الحوار على السرد وتم تكديس كل القضايا في حوار سيطر على العمل على مدى خمس وأربعين صفحة، فلقد كان من الممكن توزيعه على العمل، فلقد حرمنا من جمال وبلاغة السرد عند الكاتبة لطول الحوار.
***

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق