ثقافة السرد

لا أعياد في هذه المدينة

رياض عمايرة

كنّا استثناءً في وطنٍ يَحترف التناحُر.

مهرجانَ زهورٍ أينعتْ وسط وديانِ الدّمِ المسفوكِ من المحيط إلى الخليج.

كنّا سيفَ عليّ، وبشارةَ مريم، وقد التقيا في ساحةٍ صدحتْ فيها فيروزُ ذاتَ ليلةِ خريفٍ في منتصف العقد الأخير من القرن العشرين.

القاعة تغصُّ بالمتفرّجين من حولنا. لكنّ القدرَ شاء أن يكون معراجُكِ على طريقي. كعادتي، جلستُ في المقعد الأخير كي أرى العالمَ من زاويتي الخاصّة. الجميع يمرّون بي لأخذِ أماكنهم، من دون أن يثيرَ أحدٌ انتباهي. أمّا أنتِ، فكان خيالُكِ شامخًا ككنيسةٍ تستظلُّ بها حمائمُ المساء.

طلبتِ الجلوسَ في المقعد المحاذي، فوافقتُ بكثيرٍ من السُّرور الخفيّ.

رحتِ تتماوجين على وقع الأغنية، فيهبُّ شعرُكِ نسيمًا عليلًا. وكنتُ مخيَّرًا بين الإنصات إلى قدّيسةٍ على الرّكح، وبين النّظرِ إلى قدّيسةٍ تحاذيني.

انتهى الحفل. انصرف الجميع، وكدتِ تنصرفين مثلهم. تجرّأتُ فألقيتُ أسئلةً قليلةً، عرفتُ من خلالها أنّكِ تقطنين في حيٍّ مجاور، هو حيُّ السّريان. ماريا النحّاس بيروتيّة، ساحرةٌ سحرَ المدينة، بزخرفاتها الكثيرة ومقاهيها العطرة وأسرارِها الأنيقة. أستاذةُ الأدب الفرنسيّ في الجامعة التي لا تبعد عن الجريدة التي أعمل فيها منذ بداية الحرب الأهليّة.

سيصير اللّقاءُ بكِ أسهلَ، إذًا؛ فكثيرًا ما دعتني الجامعةُ إلى تقديم محاضرات فيها عن الإعلام.

تركتِني مغادرةً صوب حيّكم الجميل. وتركتِ شعورًا ساحرًا يعتريني: رائحةَ عطرك، نعومةَ شعركِ، خصوبةَ الحروفِ المنفلتةِ من بين شفتيْكِ، وأشياء كثيرة أخرى. كانت فيروز تؤدّي سيمفونيّة، وكنتِ سيمفونيّةً خاصّةً أخذتْ شكلَ امرأةٍ في نهاية عقدِها الثّالث.

لكنّ أشياءَ صعبةً أخرى مازالت تنتظرُني، أنا خالد القومني، الصحافيَّ التونسيَّ، القاطنَ في حيّ الرَّوْشة. جاءت بي الحربُ والأقدارُ إلى بيروت، فأُصبتُ بها، وعجزتُ عن العودة النهائيّة. صارت قرطاجُ المكانَ الذي أرتادُه في المناسبات العائليّة لا أكثر. ما أهتمُّ به الآن هو أن أرسمَ طريقًا للِّقاء المقبل.

***

أسبوعٌ مرّ على اللقاء الأول. الأقدار تحبُّني أحيانًا؛ ولذلك حرّكت الأديبَ الفرنسيّ الأوّلَ حينها، كلود سيمون، ليقصد بيروتَ ويعقدَ ندوتيْن فيها، فضلًا عن بعضِ الحوارات الصّحفية التي تكفّلتُ بإجراءِ أحدِها.

في المكتبة الكبرى في الشارع العتيق، كان سيمون يحدّثُنا عن تأثير بحر السّين على كتابات الفرنسيّين. جلستُ في الصفّ الأخير، كعادتي في كلّ ندوةٍ أحْضرُها. أنتِ هناك أيضًا؛ المقعد الأخير جزئيّةٌ أُخرى توحِّدنا. بحرارةٍ وفرحٍ تبادلنا التحيّة. صار الشّتاءُ حارًّا، والقاعةُ الفسيحةُ ما عادت باردةً بعد لُقياك.

كنتِ تَحْفظين باريسَ أكثرَ ممّا يحفظُها سكّانُها، وكلود سيمون نفسُه؛ شأنكِ في ذلك شأني مع بيروت التي أحفظُ شوارعَها وأهلها، وأزهارَها وبحرَها، ومَن اشتراها ومَن باعها، باسم الرّبّ وأشياءَ كثيرةٍ أخرى.

كانت تلك النّدوة بمثابة البشارة الأولى للأوقات الحلوة الكثيرةِ التي سنقضيها معًا. علّمتِني حبَّ الحياة، وعلّمتُكِ حبَّ الحِبْر. حفّزتُكِ على الكتابة، وأنت العالمة بكلّ خفاياها، فكتبتِ روايتَكِ الوحيدة بالفرنسيّة، L’amour et la Guerre، وأهديتني إيّاها. الحبّ والحرب روايةٌ اخترتِ، يا ماريّا، أن تكتبيني بها.

***

تزوّجنا زواجًا حضره قلّةٌ من أصحابنا الكثر.

كانت أفضلُ أوقاتي هي التي أقضيها معكِ. تلك الأمسيات التي نلتقي فيها بعد عودتي من الجريدة وعودتِكِ من الدرسِ الجامعيّ. أغزلُ لكِ كلامًا يليق بجمالك، وتقتلينني كلَّ مرّة بمستجدّاتك الحلوة.

كنتِ فسحةً، لا مجرّدَ امرأةٍ يا ماريّا.

المساءُ في حضرة عينيْكِ أحبُّ إليّ مِن كلّ مقالةٍ حبّرتُها وسأحبِّرُها.

***

الثلاثاء، ذاتَ حزيرانٍ تسعينيّ. التّاريخ يوافق عيدَ ميلادي. اتفقّنا على اللقاء مساءً كالعادة. كنتُ أنتظر المفاجأةَ التي ستُطلّين بها.

قبل مغادرة الجريدة، حدث شيءٌ عطّلني قليلًا: سيّارةٌ مفخّخةٌ تقتل تسعةَ أشخاصٍ وتصيب آخرين، في تفجيرٍ هزّ حيًّا تجاريًّا في بيروت.

قلتُ لنفسي إنّكِ ستجدين عذرًا لتأخّري لأنّك تعرفين طبيعةَ هذا العمل.

أرسلْنا أحدَ الزّملاء ليوافيَنا بالتفاصيل قبل أن ننشرَ الأخبارَ الدقيقة. كنتُ أنتظر الانتهاءَ من تحرير الأخبار لأغادرَ متوجّهًا إليك. بدأتْ أسماءُ الضّحايا تأتينا مفصَّلةً:

“محمّد… علي… مريم… عيسى…صالح… جورج… عبّاس… ماريا النحّاس!”

أعدتُ القراءةَ بشهقةٍ لن أنساها أبدًا. نعم، “الأستاذة الرِّوائيّة ماريا النحّاس استُشهدتْ إثر هذا التفجير الأليم الذي…”

لا أذكر ما حدث بعد ذلك بأيّام، بأسبوع، بشهر، بسنة، بعقد. قالوا إنّه قد أُغْمي عليّ، وإنّني قد أصبحتُ زائرًا وفيًّا لعيادة الدكتور الأخصّائيّ في علم النفْس، صديقي مازن.

***

ما زلتُ أنتظرُ هديّتَكِ يا ماريّا. لا يُعقل أن ترحلي بهذه الطريقة! لماذا احترفنا حرقَ كلِّ الأزهار؟ سيأتي ألفُ عيد ميلادٍ من دون أن أنتبه.

المطرُ يهطل في الخارج. الدمعُ يهطل في قلبي. وحيدًا في المقهى الذي قرّرنا أن نلتقيَ فيه يومها. وحيدًا أرعى وليدَنا الوحيدَ، L’amour et la Guerre.

ستأتي كلُّ أعياد الميلاد. الأمرُ لا يهمُّني.

تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق