ثقافة السرد

حبقة صيفيّة

نغم داؤد

يَفتل أخي الأكبرُ شاربَه وهو يقترح بصوتٍ عالٍ: “فليكُن ثوبًا لخطيبتي ترتديه يومَ عرسِنا.”

أنظرُ إليه وهو يملأ بذلتَه العسكريّةَ بمنكبيْه العريضيْن وجثّتِه الضخمة التي أغبطُه عليها. أحاولُ تقليدَ نبرتِه الواثقة فأقول: “لا يا جدّتي. فليكن قميصًا لي أرتديه يومَ تخرّجي”.

يقاطعُني أخي ساخرًا: “لا مشكلة. تستطيع جدّتي أن تصنعَ لكَ القميص من… بقايا القماش!”

تضجّ الغرفةُ بالضَّحك. ينكمشُ جسدي الناحل ويغوصُ في الكنبة.

تتوالى الاقتراحاتُ: شالٌ لابنة عمّي، بنطالٌ لأبي، فستانٌ لأختي الكبرى، شرشفٌ للطاولة،…

***

كان محلُّ “الخيّاطة جميلة” من أوائل المحلّات التي أُنشِئتْ في حيّنا. الجميعُ يعرفُ جدّتي ويحبُّها، ولكنّها لم تحبَّ أحدًا مثلي، ربّما لكوني أصغرَ فردٍ في العائلة. وها إنّي قد أصبحتُ على أبوابِ التّخرُّج وهي لا تكفُّ عن مناداتي بـ”عصفوري.”

أنظرُ إليها ويداعبُ قلبي حزنٌ عميق؛ فقد قرّرتْ إغلاقَ محلِّ الخياطة بعد أن تجاوز عمرُه نصفَ قرن!

نتجمَّعُ حولَها بعد أن عرفنا أنّها ستخيطُ، بقطعةِ قماشٍ كبيرةٍ، شيئًا واحدًا، “للمرّة الأخيرة،” قبل أن تتركَ مهنتهَا وتتفرّغَ لأداءِ واجباتِ شيخوختِها.

تنهالُ عليها الاقتراحاتُ، والكلُّ يحاولُ أن يفوزَ بهذا الشَّرف. يُحْزنني صوتُ جدّتي وهو يلفظُ: “المرّة الأخيرة!” يذكِّرُني هذا بـ”المرّات الأولى” الكثيرةِ التي ازدحمتْ بها حياتُها وروتها جميعَها على مسامعي. كأنْ تقولَ لي: “كانت هذه هي المرّةَ الأولى التي أرى فيها جدَّكَ” أو “لن أنسى المرّةَ الأولى التي قصصتُ فيها شعري.”

هذه العبارات تعني دومًا افتتاحيّةَ حكايةٍ جميلةٍ تأسرُني.

إحدى هذه الحكايات بقيتْ محفورةً في قلبي. كانت عن المرّةِ الأولى التي جلس فيها جدّي وجدّتي على شرفتِهما صباحًا كما كانا يفعلان عادةً، ولكنْ بعدَ أن فقد جدّي سمعَه في حرب 1973. يومَها، ابتاع جدّي حبقةً صيفيّةً ووضعها على حرفِ الشُّرفة، وطلب منها أن تمرِّرَ يدَها عليها وهي تحاولُ التّواصلَ معه كي تنبعثَ رائحتُها في الأرجاء. قال لها إنّ رنّةَ صوتها تُحرِّكُ فيه إحساسًا يشبهُ الإحساسَ الذي ستزرعهُ فيه رائحةُ الحبقة الصّيْفيّة!

كلّما روت جدّتي هذه القصّةَ انفجرتْ بالبكاء. وكنتُ أشاركُها بكاءَها في كثيرٍ من الأحيان، وما زلت.

بعد وفاة جدّي، انقطعتْ سلسلةُ “المرّات الأولى” التي تصنعُها جدّتي. كَبُرَ الأولادُ والأحفاد، وبدأت “المرّاتُ الأخيرة” تُطلُّ برأسِها عليها من منعطَفِ الزّمن.

***

أقرعُ بابَ غرفتِها وقلبي يخفقُ فرحًا. أعتقدُ أنّها اختارت أن تخيطَ لي قميصَ التخرّج. وإلّا، فما الذي يدفعُها إلى استدعائي دون غيري؟

يأتيني صوتُها من الداخل، فأفتحُ البابَ، وتجحظُ عيناي.

كانت تقف أمامي في أجملِ فستانٍ طويلٍ أبيضَ رأيتُه، فتبدو كتلك الحبقة الصيفيّة على شرفة جدّي حين بات أصمَّ.

تسألُني بنبرةٍ تشي بالتردُّدِ والتّحدّي في آن: “ما رأيُكَ بجدَّتِك يا عصفوري؟”

أسارعُ إلى معانقتِها: “تبدينَ أجملَ حبقةٍ صيفيّةٍ يمكنُ أن تراها عينٌ.”

نتجمَّعُ ونناقشُ مصيرَ محلِّ الخياطة. أخي يريدُ أن يجعلَه بقّاليّة. أقترحُ تحويلَه إلى مكتبة. يتدخَّل عمّي: “لِمَ لا نجعلُه محلّ حلاقةٍ رجاليّة؟ فجميعُ رجال هذا الحيّ يبدون كالعائدين من غزوة!” يضحكُ الجميعُ.

أمّا أنا فأنظرُ إلى باب غرفة جدّتي المُغلَقِ عليها، وعلى رائحةِ الحبق، وعلى المرّاتِ الأولى.

اللاذقيّة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق