ثقافة المقال

أهمية الكتابة أم القضيّة؟

عارف حمزة

لعلّ إحدى الصدمات الثقافية التي ننالها في المنفى هي عدم وجود نقد حقيقيّ عندما يتعلّق الأمر بالكتّاب القادمين كلاجئين أو مضطهدين. ولطالما تمّ تقديم الكثير من الكتاب اللاجئين على أنهم من تلك البلاد التي دمّرتها الديكتاتوريّة، أو بأنه الكاتب الذي اعتقل لمدة عشر سنوات، أو الكاتبة التي استبعدها النظام الفلاني من منابر القراءة والكتابة، في بلدهما الأم… مع المرور البسيط على أهميّة النصوص التي قد دفعت نظامًا ما لاعتقال هذا الكاتب أو لمنعه من الكتابة والنشر. أي أنّهم يقومون بتضخيم حياته الشخصيّة على حساب ضخامة نصوصه من عدمها.
هذا الاهتمام بصفات أخرى لا علاقة لها بنص الكاتب دفع بعض الكتاب الجيّدين للتذمّر من هذا التقديم، بل صاروا يشترطون عدم الحديث، والاهتمام الشديد، عن مسائل حياتيّة وقانونيّة، والحوار معهم ككتاب فقط وليس كلاجئين.

منح خاصة باللاجئين
هناك منح كثيرة قدّمت لكاتبات وكتاب في أوروبا، وعندما تم تقديمهم في الحفل الخاص للقرّاء ودور النشر، تم تقديمهم على أنّهم لاجئون من سوريّة. أو بأنها امرأة تحدّت حكم طالبان أو إيران أو السعودية، وأعلنت سفورها هناك، وبسبب تهديدها المتواصل بالقتل صارت هنا. وكأنهم يقولون بأنها صارت كاتبة بسبب تلك التهديدات وسفورها، ولم يتم تهديدها بالقتل بسبب كتاباتها. أو بأنّه كاتب استطاع الهروب من داعش ليكتب عن مأساة السبي. أو بأنه كاتب يكتب عن الحرب السوريّة وهو ما يزال يعيش هناك في الداخل السوري. أو بأنه تلقى التعذيب على يد المخابرات العراقية أو السورية طيلة عقد كامل، وصدفة النجاة جعلته بينكم الآن..
هذا كلّه مفهوم، ولكن ما علاقة ذلك بجودة النص؟
هذه المنح تكون فرصة أيضًا للأقسام الثقافية في وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب لكي تقوم بتغطية هذا الحدث الثقافي. وعندما يطلع أحدنا على التقرير الثقافي، الخاص بحصول كاتبة أو كاتب لاجئ أو مضطهد على منحة تفرغ للكتابة، لا نجد فيه شيئًا كثيرًا عن المنجز الأدبي أو الثقافي لتلك الكاتبة أو ذلك الكاتب؛ بل عبارة عن عبارات، تبدو متشابهة عند الجميع، لكي تنال استعطاف القارئ وليس شهوة القراءة لديه في انتظار ما سينشره ذلك المضطهد أو تلك المضطهدة.
لهذا تسبق أوصاف أخرى وصف الكاتبة أو الكاتب. يصفونه باللاجئ والمضطهد والمعتقل والذي لا يُغادر البلد رغم القتل والخطف والدمار، ويصفونها بالجريئة التي انقلبت على طائفتها التي تحكم البلد بالحديد والنار، أو المتحررة من النظام الذكوري، أو التي قادت أول سيارة في بلد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإذا ذكر منجز أدبي سبق له نشره فلا شيء عن ذلك المنجز، ولا عن اختلافه وأهميّته، إذ مَن سيُحاكم لاجئًا على مستوى كتابته؟ وكأن كل قراءة نقدية صحيحة وعميقة لمنجز لاجئة أو لاجئ هي نوع من التمييز العنصري!

منح بلا كتابة
هذه المنح التي يُفترض أنها منح تفرّغ لكتابة رواية أو مجموعة شعرية أو قصصية لا تنتهي عادة بطباعة تلك الأعمال؛ وليس السبب في المؤسسة التي تعطي المنح، بل في الكاتب الذي تعني المنحة بالنسبة له كلّ شيء ما عدا كتابة الكتاب المتفق عليه ونشره، مع أنّ منحة الكتابة تعتبر فرصة عظيمة للكاتب لكي لا يشغل باله سوى بكتابة كتابه الذي ينتظر على رفوف مخّه.
حتى عند ترجمة رواية، أو مجموعة شعرية أو قصصية أو غيرها، يتحدث “صحافيو” الصفحات الثقافية في الغرب عن قضية الكاتب، وتلك الصفات التي تسبق صفة الكاتب دائمًا، ويغضون النظر عن أعماق العمل الأدبي الذي بين أيديهم. ففي كثير من الصحف الغربية نجد أن المقالة تتحدث عن حياة الكاتب وخلفياته وآرائه السياسيّة واضطهاده من دون التطرق كثيرًا لأهمية النص الذي يقومون بتقديمه، لدرجة أن نصوصًا مسروقة قد تمرّ على أولئك الصحافيين المتبحّرين في الصفات الإنسانيّة، والضحلين في الأدب والثقافة.
هؤلاء الصحافيّون يبدون متكاسلين عن تقديم النص الأدبيّ ونقده، لأنّ كثيرين منهم صحافيون وليسوا نقادًا ذوي ذائقة أدبية عالية، وهذا قد يظلم كثيرًا رواية، أو مجموعة شعرية أو غيرها، لكاتب حصل على اللجوء، إذا كانت تلك الرواية متميّزة ومختلفة وجديرة بالقراءة.

كاتب يضطهد زميله
هناك منح أيضًا من مؤسسة “آيكورن” الثقافية الشهيرة، والمؤسسات المتعاونة معها، والتي تمنح لكتاب مضطهدين حول العالم. يبدو عملها الإنساني جبارًا في إنقاذ كاتب من الاضطهاد، ومن ثم تأمين سكن وراتب له في أميركا أو أوروبا، ليعيش ويكتب. ولكن هناك من لم يكن مضطهدًا، بل لم يكن يعيش في بلده الذي تحكمه الديكتاتورية، إنما كان يعيش في بلد آمن، وتسلّق على فرص إنقاذ كتاب آخرين كانوا يستحقونها بدلًا عنه، وكأنه بأخذه تلك المنحة قد اضطهد أصلًا من كان يستحقها.
هناك أيضًا من يكتشفون بعد وصول الشخص الذي تقدم للمنحة، وزكّاه كاتبان أو أكثر لمكان المنحة، أن لا منجز أدبيًا له، وبأنه غير معروف أدبيًا في بلده الذي اضطهده، وبأنه لم يكن ممنوعًا من الكتابة والتعبير، لأنّ لا أحد يعرفه ككاتب أصلًا، بل ربما منهم من كان يعمل في مؤسسات تلك البلاد الديكتاتورية، أو تلقى تمويلًا منها من أجل طباعة كتاب أو تنظيم مهرجان ثقافي.
الغرب، مثلنا، ليس مجيدًا أيضًا في النقد الثقافي، بل هناك صحافيون يكتبون عن كتب لدار نشر معينة، ولديهم قاموس جيد للكتابة عن قضايا الكتاب اللاجئين أو المضطهدين، لدرجة أن الكثير من أولئك النقاد يبدون “أصحاب واجب” وليسوا ناصحين للقرّاء والمكتبات لاقتناء وقراءة عمل ما من عدمه.

كتّاب أذكياء
من جهة أخرى يبدو البعض من أولئك الكتاب مثيرين للشفقة بالفعل؛ فأحدهم يكتب بأنه سيشارك في مهرجان شعري يُعد “من أهم المهرجانات في العالم” لأنه يُمثل ما يُكتب في الشرق! أو بأن الحوار الذي أجري معه نُشر في الصحيفة الأكثر انتشارًا، أو بأن المنحة التي حصل عليها تعتبر من أشهر المنح في العالم، أو حتى بأنه يتذمر من كثرة المنح التي تنهال عليه، رغم أنه لا يُمكن حصول كاتب على منحة كتابة ما من دون أن يتقدم الكاتب بطلب ووثائق ليتم قبوله ضمن المتسابقين للحصول على المنحة! أو هناك من يقول بأنّ نقادًا في دولة أجنبية ما اعتبروا روايته من بين أفضل مائة رواية كتبت في التاريخ الإنساني!!
هناك كتاب أذكياء، ويفهمون لغة التعاطف والتسويق هذه، وصاروا يكتبون في سيرهم الذاتية، التي قد تخلو من المنجز الأدبيّ الهام والمختلف واللافت للأنظار، بأنّهم عاشوا مضطهدين من الأنظمة الديكتاتوريّة، وكأنّ هذه الفقرة هي عمل من أعمالهم المنشورة!!
هذه النماذج، ككتاب وصحافيين ونقّاد، تصلح كشخصيات في رواية ما، رغم أن الحياة نفسها رواية شديدة الانتشار، أو على الأقل كنزلاء مرفّهين في مصحّ نفسيّ ميدانيّ.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق