قراءات ودراسات

المعجزة الدينية وقوانين الطبيعة

علي محمد اليوسف

(المعجزة هي انتهاك لقوانين الطبيعة) ديفيد هيوم

عليه تكون المعجزات ليست خواص الهية يحتاجها الرب لاثبات الايمان به بل هي خواص انبياء مؤقتة لكسب تأييد الناس الايمان بهم وبما يحملونه من رسالات مكنّهم الخالق امتلاكها وحدهم دون غيرهم من البشر وانهم مرسلون من الرب بمعجزات خصّهم بها لتأكيد صدقية الايمان الديني بهم في نقلهم رسالة الخالق الى عامة الناس.
التساؤل الذي يفترض أن يكون تابعا ما بعد تعريف المعجزة التي عبر عنها ديفيد هيوم والعديدين من الفلاسفة على انها خرق لقوانين الطبيعة, لكنهم لم يحسموا مصدرهذه القوانين الثابتة في الطبيعة ومن يمتلكها حقيقة ؟ ومن اين جاءت القوانين الطبيعية الثابتة التي تحكم الطبيعة نفسها بها بغير ادراك منها لها وتحكم الانسان وكل المخلوقات والكائنات التابعة للطبيعة في ادامة بقائها؟ وما علاقة المعجزة الدينية أن يكون تعريفها الدقيق هو خرق القوانين العامة التي تحكم الطبيعة والانسان.؟
أجابة هذا التساؤل هو التفريق بين الايمان الديني وبين عدم الايمان الديني الذي مرتكز قوامه المعجزات. ولكل من الفريقين حججه التي تناقض حجج الاخر لكنهما يبقيان الاثنين المتضادين المتناحرين في سجال ساحته المركزية تخطئة البعض للآخر وليس الاجابة الشافية عن موضوع الاختلاف حول المعجزة الدينية وترابطها الوثيق يقوانين الطبيعة الثابتة وكيفية البرهان العقلي على ذلك.
هذا الاشكال طرحه بيرتراندرسل قوله أن قوانين الطبيعة هي أصطلاحات انسانية متواضع عليها عبر العصور الطويلة وأصبحت بمرور الزمان قوانين ثابتة طبيعية. لكن الاعتراض الوجيه على هذا الطرح هو لو كانت قوانين الطبيعة هي من صنع انساني لتوجب بالضرورة السببية أن تكون قوانين غير ثابتة متطورة يترتب عليه أن تكون الطبيعة في قوانينها بحالة من السيرورة الدائمية التي لا تحدها حدود قوانين لا يمكن للانسان تجاوزها بالتبديل ولا بالتغيير, وعدم ثبات قوانين الطبيعة التي هي أبتداع عمل انساني يلحق به بالضرورة المتعالقة معه أن المعجزات ليست خوارق لقوانين طبيعية هي من صنع الخالق وليس من أبتداع الانسان. فخرق الانسان لقوانين كان هو مصدر ابتداعها هي بالحتمية التاريخية تكون مطواعة مستجيبة لرغبة الانسان التي وضعها أن يقوم بعملية تغييرها. لكن عجز الانسان أن يخرق قوانين الطبيعة جعل خرقها مقتصرا على الصفوة المختارة من الانبياء الذين قاموا بها استثنائيا في خرقهم تلك القوانين بما اطلق عليه المعجزات متمثلة في عجز غيرهم مجاراتهم بصنيعهم. وبذلك خرجت المعجزات أن تكون من اختراع الانسان في محاولته السيطرة عليها, وكذلك لم تكن المعجزات تراكما من الفعاليات الفريدة التي ينتج عنها بالضرورة تطورا متغيرا لا يتسم بالثبات كقوانين تحكم الطبيعة والانسان وليس بمقدور الانسان قابلية اكثر من التكيّف مع تلك القوانين لادامة حياته من الانقراض.
وبذا انحسر موضوع القوانين الطبيعية بين قطبين مختلفين عائديتها الذاتية المستقلة عن صانع اودعها بها من جهة , ومن جهة مضادة لها أن قوانين الطبيعة هي جزء لا يمكن انفكاكه عن الطبيعة بما هي معطى موجود هكذا منذ الاف العصور والى يومنا هذا وليس بمستطاع الانسان التلاعب بقوانين الطبيعة الثابتة خارج سلطة اكثر من البناء عليها والاستفادة منها وبقيت تلك القوانين ثابتة في ملازمة الطبيعة كماهية جوهرية وصفات لها أخذت سمة الثبات الذي لا يتغير ومحاولة التفكير بخرق واحدة من تلك القوانين مرهون بعمل نبي مختار مزودا بقدرة الهية هي فوق قدرات البشر القيام بها أو فهمها تفسيرا عقليا.
المعجزة بين قدرة الخالق والمخلوق
المعجزات الدينية أمر مشكوك أن يقوم به انسان نبي بخرق قوانين طبيعية هي من صنع انسان سابق عليه في زمانه التاريخي, والمعجزات لا تمت الى الالهي الخالق بصفة خلقها لأنها أصطلاحات انسانية متواضع عليها دينيا ومختلفة في تفسيرها عقليا. ومما يزيد الاشكالية تعقيدا هو هل كان العقل الانساني الذي وضع قوانين الطبيعة بهذا الاتقان الاعجازي المذهل الذي نعيشه في اكثر من مجال بالحياة وعلاقة الانسان بالطبيعة كان اكثر تقدما وتطورا من عقل الانسان (الانبياء) الذين تعاقبوا على خرق تلك القوانين عبر العصور وما يزال العديد من تلك القوانين يستعصي على الادراك العقلي الديني والعلمي تفسيره كما يستعصي خرق المعجزات لتلك القوانين بسبب محدودية العقل الادراكي التصديق بها طبيعيا في اكتشافه عمل بعض قوانين الطبيعة التي تحكمنا انها عصّية على المقبولية العقلية المحدودة للانسان وعصّية على التفكير التجربي العلمي الذي يقوم على البرهان علميا.
ولو كانت قوانين الطبيعة مثل قانون الجاذبية ومثل قانون الادراك في تعالق المكان ادراكيا بالزمان وقوانين حركات الكواكب وغير ذلك عديد هي من صنع الانسان لكانت معظم تلك القوانين استهلكت نفسها وفقدت تاثيرها على التحكم بالطبيعة ذاتها والانسان معا تبعا لتطور التفكير العلمي عند الانسان في تغيير الكثير مما تمتلكه الطبيعة باستقلالية منفردة عن الانسان.
نرى من المفيد تثبيت رأي هيجل بهذا المجال المطروح قوله : أن حركة النظام الشمسي تجري طبقا لقوانين ثابتة, هذه القوانين هي عقله,- يقصد عقل النظام الشمسي- ولكن لا الشمس ولا الكواكب الاخرى التي تدور حولها لديها اي وعي بتلك القوانين . ” نقلا عن حاتم حميد محسن, عن هيجل العقل في التاريخ” وهو ما كنا سبق لنا ذكره أن الطبيعة محكومة بقوانين ثابتة لا تعيها الطبيعة ولا هي تعي نفسها. فالطبيعة بهذا تكون مخلوقة غير خالقة لنفسها ولا لقوانينها, فالذي لا يعي ذاته لا يكون خالقا لذاته, بل يكون موضوعا لادراك غيره من ذوات مدركة له ومدركة لذاتها هي معا.
أما أحتمال نظرية أن تكون الطبيعة وجدت هكذا بقوانين تحكمها ولا تدركها الطبيعة نفسها فذلك يثير علامة استفهام تقود لفرضية أن الطبيعة بمجملها من قوانين وموجودات محكومة بقدرة خالق أعجازية لا يدركها العقل الانساني وهذا باب يدخلنا الى مناقشة الموضوع باكثر من الاكتفاء بطرحه على شكل تساؤلات بلا حلول ناجعة يقبل التسليم بها العقل الانساني في عصرنا اليوم. ولا يتساوى فيه عقل تقبل المعجزات في الازمنة التاريخية الماضية كما هي اليوم التعامل معها أصبح ملك عقل يشكك بكل شيء يقوم على التصديق اليقيني بمعزل عن امتلاكه براهين اثبات معقوليته علميا.
هيوم وقوانين الطبيعة
يشرح هيوم عدم ايمانه بالمعجزات الالهية, بقوله ليس هناك عناية خاصة الهية تعطل قوانين الطبيعة من أجل أرضاء اشخاص معينين, ويحاول التفريق بين الارادة الالهية الخارقة لقوانين الطبيعة على انها ترجمة انعكاسية ثانية لما ترغبه الارادة البشرية تحقيقه بواسطة قوانين سايكولوجية يمكننا ملاحظتها ووصفها, كما يربط هيوم بين حتمية ارادة الانسان المقترنة بالمسؤولية الاخلاقية.1 .
هنا هيوم يقوم يسحب بساط الانفراد الاعجازي من الانبياء في نسبته المعجزات لطائفة مختارة مقربة من الرب هم الانبياء المختارين يستودعهم الخالق قدرات خرقة لا يتقبلها العقل الطبيعي, تعجز البشر من فهمها وفق التناسق الطبيعي العام لقوانين طبيعية تحكم الحياة, وفي نفس وقت أجبار الانسان العادي التسليم بالايمان الديني أن وراء هذه المعجزات الله لا غيره والقائمون به انبياء مختارين منه.
قوانين الطبيعة الثابتة لم توجد ولا تكون موجودة تلبية لرغائب الانسان وكذلك خرقها وانتهاكها ليست من صلاحية ومقدرة الانسان اللعب بها, كما لا تكون تلك القوانين هي مخلوقة لتنظيم حياة الانسان قبل مهمة تنظيمها قوانين الطبيعة الثابتة فيها كما هي موجودة كمعطى في الطبيعة ذاتها, الطبيعة لم توجد بهذه الكيفية تلبية لتامين حياة الانسان والكائنات الحية الاخرى.
واذا نحن أجزنا منح قدرتنا الايمانية بالمعجزات خاصية الانبياء الوقتية الزائلة التي لا يحتاجها الخالق في تثبيت الايمان الديني عند البشر الايمان بألوهيته, تكون المعجزة هي خرق لقوانين الطبيعة التي وضعها الخالق في الطبيعة من قبل انبيائه برغبة ذاتية تتملكهم تحقيق الايمان الديني الجمعي الذي لا تجدي معه الوصايا الاخلاقية ولا العظات التي يقوم بها الانبياء نفعا وهذا محال, فمعنى ذلك الاقرار بوحدة قوانين خرق المعجزات لقوانين الطبيعة الثابتة تكون في محصلتها أن كلاهما قوانين الطبيعة والمعجزات مقولتان ناتجتان عن مصدر الهي واحد في قدرة الهية واحدة وهي وسيلة الخالق تكليفه الانبياء القيام بها برغبة منه وليس برغبة انبياء يرغبون زرع الايمان الديني القائم على قيم الخير والاخلاق في الحياة لتثبيت الايمان الديني بهم وليس الايمان بالخالق الغني عن استحصال الايمان الديني بالمعجزات. والمقولة الثانية المناقضة التي يتبناها الملاحدة أن قوانين الطبيعة المخترقة بالمعجزات كلتاهما تلتقيان في مصدر واحد هو الانسان ألذي أبتدعها ويروم خرقها لاسباب تتعلق بتثبيت القناعة الدينية على الارض في تبرير محصلة ذلك سيكون خلود الانسان في الانبعاث الميتافيزيقي السماوي ثوابا لايمانه الديني الارضي..
ثم أن ارادة الانسان العادي المقترنة بالمسؤولية الاخلاقية تجاه ايمانه الديني بالمعجزات ليست هي ذاتها المسؤولية الاخلاقية لدى الانبياء في أتيانهم المعجزات على اساس من تداخل أعجازي الهي تتقاطع مع نقيضها هو عدم قدرة الانسان العادي بأي شكل من الاشكال خارج ما تقوم به المعجزات أن يصنع هو معجزاته بارادته ومسؤوليته الاخلاقية لنخرج بمحصلة لا قيمة لمعجزة يستطيع تكرارها العديد من الناس وليس الصفوة المختارة من الانبياء.
بوجيز التعبير هل المعجزة خاصية الهية يحتاجها الخالق لتدعيم ايمان الناس به, أم هي خاصية الهية وضعها في اناس اختارهم صفوة التبشير بما يرغبه الخالق من ايمان بوجوده المطلق الذي يرى في البشر خلقوا من أجل تلبية ايمانهم به معبرا عنها بوصايا أخلاقية وأشكال من صلوات وطقوس عبادية يتقدمهم الانبياء في الايمان بها وممارستها ايمانا وممارسة في تلبية طقوس عبادية ترضي الرب وترضي عابديه على صعيد الممارسة الايمانية في تفعيل الضمير الاخلاقي على أنه ايمان بكل ما هو خير من صفات وترك كل ما هو شر يقود لمعصية الخالق بما أمر النهي عنه على لسان انبيائه وكتبهم المقدسة.
الشيء الواجب مناقشته اذا كانت رغبة الخالق كسره قوانين الطبيعة الثابتة التي على وفقها منح الخالق الطبيعة أعجازها المنّظم كمصدر بقاء حياة الانسان والخلل المصنوع من قبل الانسان لنظام تلك القوانين الطبيعي يترتب عليه أن الانسان يعدم ضرورات بقائه على الارض التي تؤمنها له قوانين الطبيعة الثابتة الاعجازية بما تحتويه من علاقات تجمع الانسان مع الحيوان مع النبات مع الجماد ضمن قوانين صادرة عن مصدرالهي واحد استودعه في نظام الطبيعة.. فلا نجد هنا مبررا كافيا أن يكسرالانبياء باعجاز يمتلكونه بسلطة الرب أو غيرها وليس بامكانية الانسان القاصرة المحدودة تلك القوانين الطبيعية التي تناسب مدارك الانسان فهي موضوعة من خالق يريد جعل الطبيعة بقوانينها في خدمة حياة الانسان وليس تدميرها, فكيف يجوز للانبياء الصفوة الايمانية المختارة من الخالق امتلاكهم قدرة كسر قوانين طبيعية تعتبر مقدسة بخالقها الذي استودعها الطبيعة , وكسر الخالق تلك القوانين الثابتة من أجل تاييده لانبيائه بما يقدرون عليه من قدرة لا يستطيعها باقي البشر لا يستقيم مع ما عبّر عنه هيوم أنه لا توجد ضرورة ملزمة لارضاء نخبة من الصفوة المختارة من البشر يقربهم الرب له بتزويدهم بمعجزات هي خوارق لقوانين طبيعية وضعها الخالق بها وليست من ابتكار واختراع الانسان.هنا يجب التفريق لا اولوية ضمان صالح الانبياء في توسيلهم القيام بمعجزات نشر الايمان الديني تنسب لهم لكن تبقى المعجزات ليست خاصية بهم فالانبياء خارج ملكة احتكارهم المعجزات بعد الرب هم بشر متساوون بكل شيء مع البشر الاخرين. وهم يعبرون عن هذه الحقيقة بانفسهم على الملأ الذي يدعونه الى الايمان الديني بوسيلة المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة وليس بالوصايا الاخلاقية المجردة.
الخروج الوحيد من مأزق أن معجزات تكسير الانبياء لنظام قوانين الطبيعة هو أن المعجزات خروقات وقتية زائلة لقوانين الطبيعة وهي وليدة عصرها التاريخي وهذا لا يلزم عنه تبديلا لثوابت الطبيعة التي لا تتغير قوانينها بمرور العصور والازمان وتبدلات تاريخ وجود الانسان على الارض.. بمعنى ثبات قوانين الطبيعة يلغي ويزيل بقاء المعجزات عبر كل الازمان والعصو كوسيلة تدعيم الايمان الديني المتأرجح عند البشر اليوم. لذا كان اقصر الطرق لهروب اللاهوت الديني من مواجهة اضمحلال المعجزات على انها وسيلة اقناعية في ترسيخ الايمان الديني انتهت صلاحية الايمان بها, لذا نجدهم لجأوا الى القول أن عصر المعجزات وظهور الانبياء توقف من حياة الناس الى اشعار آخر.
المعجزة الدينية بين ارادة الخالق ورغبة الانبياء
وهنا يبرز تساؤل مشروع هل المعجزة عمل انبياء بشر تنسب لهم أم المعجزة هي تحقيق رغبة الخالق بتوسيل الانبياء القيام بها وتنسب لقدرتهم العابرة للمعجزات التي يقوم بها الانبياء حصرا من الصفوة المختارة المقربين؟ وهنا نرجّح كفة أن المعجزات هي من وحي الهي يقوم بها انبياء لتثبيت نبوتهم في كسب قناعة الناس بالايمان الديني لكنهم لا يمتلكون خاصية المعجزات كصفة دائمية التي هي خاصية الخالق وحده. المعجزات في كل الاحوال لا يحتاجها الخالق بمقدار حاجة الانبياء لها لتثبيت دعاواهم الايمانية ببراهين معجزة وقتية يصدقها الناس من خلالها نبوّتهم المقترنة بالايمان الديني للخالق., وبذلك لا يكون الانبياء يمتلكون خاصية أعجازية تنسب لهم لا يمكن أن يمتلكها غيرهم بدليل ان تقديرات عدد الانبياء المرسلين لهداية الناس على الارض تجاوز الالفين. فقط الذين وردت اسماؤهم في لاهوت الاديان وربما توجد الاف غيرهم. وبهذا الدليل يصبح مقولة هيوم الانسان خلع على الطبيعة قوانينها الثابتة المكتشفة منه باطلا, والسبب الآخر الاهم أن وجود الطبيعة بقوانينها سابق على وجود الانسان في ادراكه قوانين الطبيعة وعلاقته بها هو الآخر يدحض مقولة هيوم وراسل أن المعجزات أبتداع عقلي أنساني لا دخل لخالق به..
وفي كلا الاحتمالين خاصية المعجزة ومصدرها الالهي أو هي خاصية يمتلكها الانبياء في وقت تاريخي معين زائل,فالمعجزة عند الانبياء لا تتكرر دائما بما يفقدها مع مرور الزمان أعجازيتها الاستثنائية المندثرة حتما في عالم يتحدى فيه اليوم أي انسان يدعي النبوة القيام بمعجزة يصدقها الناس.. عليه نجد لا يكون هناك موجبا أن تتساوى أعجازات الانبياء الخارقة لقوانين ثابتة وضعها الله بالطبيعة أعجازيا, مع تلبية ارادة انسانية في كسر تلك القوانين الطبيعية الثابتة التي وضعها الخالق في تحقيق صحة نبوة الانبياء أنهم صفوته المرسلون لهداية الناس. ثم هل المعجزات هي لتلبية سد نقص موجود في قوانين الطبيعة تحتاج التأييد الالهي في الخروج عليها بالمعجزة الوقتية والتراجع عنها بعد كسب يقين الناس بنبوة من يقوم بها دونما توفر امكانية التدخل الاعجازي من تغيير ثبات قوانين الطبيعة.
أم هل المعجزات اضافة لقوانين الطبيعة الثابتة توازيها بالتداخل معها أو بالاستقلالية عنها؟ لا شيء تحققه المعجزة من تلك الاسئلة في علاقة التوازي الاعجازي مع قوانين الطبيعة التي لا تدرك نفسها بل يدركها العقل الانساني بمعزل تام عنها وتداخله بها هو لتحقيق بقائه الارضي بمساعدة الطبيعة تزويده بمقومات الحياة والبقاء الذي لا يقتصر على ثوابت القوانين الطبيعية فقط.. ولم يتخذ الانسان يوما قوانين الطبيعة كمعجزات تعزز رغبة الايمان الديني لديه كما لم يؤمن في حال نقضها بالمعجزات يترتب عليه التسليم بالايمان الديني..
المعجزة وقوانين الطبيعة
هل المعجزة في كسرها قوانين الطبيعة هي لصالح حياة الانسان على الارض في تعديلها أو في سد النقص والانحراف بها؟ أم هي وسيلة يمتلكها الانبياء مؤقتا لاثبات البرهنة أنهم انبياء مرسلون يستطيعون القيام بمعجزات مؤيدة من الرب لا يستطيعها غيرهم من البشر؟ وهنا تكون المعجزة لخدمة الانبياء من البشر وليست لخدمة الرب المستغني عن المعجزات سواء تحققت أم لم تتحقق على ايدي الانبياء.
المعجزة ليست خاصية الهية بمعنى الخالق لا يحتاج معجزات تصدر عنه في الحصول على قناعة التسليم الايماني بالله. المعجزة في حال توفر صدورها اليقيني عن الخالق يودعها في قلوب الانبياء لكسب برهان الايمان بهم كانبياء مرسلين من الرب… لكن فهم المعجزة المقترنة بالنبي تكون خاصية بشرية يدركها العقل العادي على أنها قدرة متعالية يمارسها الانبياء على القوانين الطبيعية التي تحكم الانسان وحياته على الارض. وميزة الشك بالمعجزة سواء أن تكون من صنع انساني أو الهي ايماني هو أن المعجزات (زمانية) يحكمها تاريخ الانسان توالت عليها عصور طويلة من تقدم مسيرة الانسان الارضية. والاقوام التي قامت بتصديقها في عصور غابرة هي غيرها الاقوام التي تتعامل بالعقل العلمي بما يجعل من المعجزات حاجة لا يحتاجها الانسان اليوم حتى لو كانت من أجل استعادة الايمان الديني المتارجح في صالات ومختبرات العلوم بلا استثناء وفي اغلب المجتمعات رقيّا حضاريا.. الايمان الديني اليوم لا يحتاج معجزات انبياء كي يتأكدوا من تحقق ايمانهم الديني الذي يقوم على تنظيم حياة الارض بقيم الاخلاق والسلوك الذي يعطي الانسان كامل حقوقه الارضية, ولا يضع الايمان الديني اليوم امامه غاية خلوده الموعود بها في السماء.
المعجزات والزمن
اذا نحن ناقشنا أن المعجزات النبوية هي كسر مؤقت وليس دائميا لقوانين الطبيعة الثابتة أو لبعض ظواهرها الارضية, فتكون حقيقة المعجزات لا تاثير لها على ثبات وكمال قوانين الطبيعة, بعبارة أخرى خرق المعجزات لقوانين الطبيعة الثابتة لا يغيرها ولا يبدلها ولا يستطيع أضافة شيء عليها أو حذف شيء منها, وهنا يكون معنا أن المعجزات الخارقة في حال تصديقنا لها توازي قوانين الطبيعة ولا تستطيع التاثير بها. وهذا التوازي يجعل من المعجزات أحداثا تاريخية ماضية زمانيا عابرة بالمقايسة لها مع ثبات قوانين الطبيعة التي لا تتغير بثباتها الزماني بمعزل عن قوانين المعجزات التي تكسر القوانين الطبيعية بقدرة وقتية زائلة ليس لها تاثير دائمي في خرقها لبعض ظواهر الطبيعة وليس قوانينها.
مثال ذلك معجزة المشي على سطح الماء أو الكلام المباشر مع الله أو شفاء الاعمى واحياء الميت والولادة بلا زواج من رجل, والرضيع يتكلم في المهد وغيرها اليوم أنما كانت في عصورها هي كسر مؤقت لقانون طبيعي ينتهي بنهاية المعجزة المؤقتة. بمعنى كل من يحاول تقليد المشي على سطح الماء اليوم سيغرق حتى لو أدعى النبوة أذا كان شخصا لا يجيد السباحة وينجو بنفسه. وكل من يحاول تقليد الكلام مع الله سيكون بالنهاية مجنونا لا يصلح عاهته الطب النفسي ولا مستشفيات الامراض العقلية.
عليه تكون قوانين الطبيعة في ثباتها الدائم مع معجزات الانبياء في توقيتها المؤقت الزائل, انما تكون تكريسا لحقيقة قوانين الطبيعة الثابتة هي لخدمة الانسان في حياته , وتبقى المعجزات براهين أعجازية مؤقتة لا تعمل شيئا لصالح الانسان بمقدار تثبيتها نبوة الانبياء وايمان الناس بهم انهم مرسلون من الرب لهداية الناس بالايمان بوسيلة المعجزات على وجود الخالق والايمان بذلك بما يتبعه من وصايا وارشادات ونواهي وغيرها تنسب للخالق والنبي…
بيرتراند رسل وقوانين الطبيعة
قبل البدء بعرض محتوى عنوان الموضوع الفرعي نذكر أن بيرتراندراسل يفهم وجود الله فهما مغايرا عن غيره من فلاسفة ملحدين, في قوله أن ليس من واجبي البرهنة على وجود الله قبل برهنة الرب على وجوده هو بما يقنعني به عقليا. فهو يضع اللوم على المشككين بالحاده أن يبرهنوا هم له الايمان الديني بما يقبله عقله الانساني خارج اساطير وخرافات المعجزات.
راسل في معالجته خرافة المعجزات كما وسبق أن ذهب له هيوم يذهب الى العودة لما جاء به نيوتن وتم دحضه من انشتاين أن الكواكب تدور حول الشمس بارادة الهية بفعل قانون الجاذبية الذي وضعه الرب خاصية تعالقية بين تلك الكواكب, والذي اكتشف الانسان الجاذبية قانونا موجودا في الطبيعة وليس أختراعا من الانسان مضافا على قوانينها. ولم يتم الى اليوم التعامل مع قانون الجاذبية على أنه اكتشاف من قوانين الطبيعة فقط لم يترتب عليه اختراعات وفتوحات علمية لا حصر لها. ولم يكن قانون الجاذبية المكتشف دليل أنه قانون اوجده الله في الطبيعة الارضية والكون اللانهائي من أجل تدعيم الايمان الديني لدى الانسان , قانون الجاذبية خاصية الطبيعة في عدم معرفة الانسان من اين جاءت قوانينها العامة التي تحكمها بلا وعي ولا ارادة منها, ورغبة الله أن يخترع قانونا للجاذبية تسير بموجبه الكواكب من ضمنها الارض والقمر حول نفسها وحول الشمس لا علاقة تربط بينهما. بين قانون الجاذبية الطبيعي كمعطى متعالق بوجود الطبيعة, مع قانون الجاذبية الالهي الوضعي الذي زرعه الله في قلب الطبيعة من أجل أن يتمكن الانسان فك شفرات ورموز تلك الجاذبية.
قوانين الطبيعة حسب راسل هي اصطلاحات انسانية اخذت بحكم تكرار العادة -مستعيرا تعبير هيوم – من خلق تصورات العقل الانساني ولا تمتلك الطبيعة قوانينها المستقلة في وجودها الطبيعي. ولنا التعقيب التالي:
– أن تعبير لايبنتيز أننا نعيش أفضل العوالم الانسانية كان بفضل توازي منجزات العلم مع القوانين التي تحكم الطبيعة وليس في وارد هذا التوازي من جانب واحد هو التزام العلم العمل به ولا تعقل الطبيعة ولا تدرك معنى هذا التوازي وأهميته بالنسبة لها بما لا يقل عن أهميته في خلق حياة اكثر جدوى للانسان. العقل الانساني ممثلا بالعلم لا يتقبل معجزات خرق وابطال فاعلية قوانين الطبيعة وأهمية ذلك في تنظيم حياة الانسان وهذه مسألة جديرة بالاحترام تكون مقبولة على صعيد مناطحة الفلسفة مع العلم, فالعلم لا يمتلك معجزات دينية بل يمتلك معجزات عقلية تقوم بتطوير الوجود الانساني بعيدا عن ميتافيزيقا الايمان الديني القائم على معجزات لا تقبل برهان العقل العلمي عليها..
ومقولة لايبنتيز اننا نعيش افضل العوالم الممكنة غير صحيحة عندما نحاكمها بما يعيشه العالم اليوم من تهديد امن غذائي وامن صحي , وتفاوت بين الغنى والفقر, وتفاوت بين الصحة والمرض على صعيد الشعوب الارضية وليس على صعيد مجتمع بعينه, تلوث البيئة وانتشار الاوبئة واختلال التوازن الطبيعي الموروث في ارتفاع درجة حرارة الارض المستمر وهكذا بما لا يتوقف عنه التعداد والحصر.
بمعنى أن هذا التوازي بين العلم وقوانين الطبيعة وتعالقهما المشترك في محاولة تنظيم حياة الانسان بافضل ما يكون هو ممكن متاح دليل يدعم النظرية التي تذهب الى أن الطبيعة خلقت قوانينها المنتظمة ذاتيا, بمعنى الطبيعة لا تكون موجودة ادراكيا بالنسبة للانسان من غير طبيعة تحكمها قوانين ثابتة اكتشف الانسان بعضها بما يديم حياته لا بما يخرب قوانين الطبيعة. وينتفي وجود الطبيعة الحي في تجريدها من قوانينها العامة التي تحكمها من غير درايتها لا بفهمها ولا بأهمية امتلاكها لها.
كما ينفي هذا جدلية نقاشية أن القوانين التي تحكم الطبيعة قوانين ازلية في ثباتها ملازمة الطبيعة وجدت كمعطى الهي لا يمكن تغييره لا بمعجزات الدين ولا بمعجزات العلم. بما يجعل من ألحاد العلم حول موضوع المعجزات في توكيده عدم الايمان بها مهمة البرهنة على أهمية من اين امتلكت الطبيعة قوانينها الثابتة,؟ وكذا نفس الحال مع المؤمن الذي يؤمن بقدسية ما خلقه الرب من طبيعة ووضع لها قوانين ثابتة مما يرتب البرهنة على صحة هذا الادعاء بعيدا عن التسليم ببراهين المعجزات الخارقة..
– اذا تماشينا مع كل من ديفيد هيوم وبيرتراندرسل أن قوانين الطبيعة هي تصورات انسانية لمدركات (قوانين ) غير ثابتة لا تمتلكها الطبيعة من غير تخيّلات الانسان التصورية لها – وهذا مرفوض قطعا – فقوانين الطبيعة التي يصنعها الانسان أو يخترعها لا علاقة ترابطية في الغاء احدهما الاخر بمعنى ما يخترعه العلم لا يلغي قوانين طبيعية لا يعرف يقينا مصدرها مثل قنون الجاذبية ومفهوم الزمان على سبيل المثال. التي لا قدرة للطبيعة في امتلاكها لها بوعي منها لا تمتلكه كما لا يستطيع الانسان خلعها على الطبيعة من أجل ادراكها وأهميتها في بقاء الحياة على الارض.
– التصور الثالث اذا نحن صادرنا مقولة راسل أن المعجزة ليست من خلق الله فهنا نصطدم بحقيقة أن المعجزة الدينية لا تمتلك قيمة لها كما وردتنا عن الانبياء هي ما فوق انسانية ليس على المستوى الديني فقط بل على المستوى العقلي ايضا. اي أن خرق قوانين الطبيعة بالمعجزات لا أهمية لها, كون المعجزة تلتقي القانون الطبيعي في مصدر واحد هو الانسان ولا علاقة ولا دخل للخالق بها ولم يكلف الرب أحدا من البشر القيام بها.
– ويبقى السؤال المحيّر كيف نشأت المعجزات في تداخلها بصلب الايمان الديني وهل هي واقع محكوم به الانسان ويدركه العقل, أم هو وهم اسطوري رافق نشأته وملازمته الايمان الديني عصورا طويلة من الشد والجذب دونما الخروج بنتيجة. وهل الطبيعة اخترعت قوانينها الطبيعية من غير ادراك منها؟ وهل المعجزة تكليف من رب العالمين القيام بها في تدعيم الايمان به أم لتدعيم الايمان بمعجزات الانبياء؟ وهل المعجزات اساطير خرافية تطورت عبر العصور ام هي وقائع دينية حقيقية حدثت مصدرها الخالق وليس اجتهاد ذاتي يختص به الانبياء في تمكينهم القيام بالمعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة الانسانية التي باتت اشكالية بحد ذاتها بمعزل عن تعالقها الشديد بالمعجزات بمن اوجد تلك القوانين الثابتة بالطبيعة التي تمكن العلم من اكتشاف بعضها واهميتها الكبيرة في حياة الانسان في عدم القدرة الانسانية خرقها الدائم, واشكالية من اوجد قوانين الطبيعة فيها وزرعها لتنظيم وضبط الطبيعة من جهة واهمية هذا الربط في تاثيره على حياة الانسان ليس على صعيد تدعيم الايمان الديني وانما على صعيد كافة مناحي حياة الانسان المتعالقة بالطبيعة بما لا قدرة على انفكاكهما حيث يترتب على مثل هذه الفرضية بالانفكاك ان لا يبقى شيء موجود اسمه طبيعة وكذلك لا يوجد بعدها شيء مخلوق يسكن الارض يسمى انسانا.
علي محمد اليوسف /الموصل
هامش :1. وليم رايت ,تاريخ الفلسفة الحديثة , ترجمة محمود سيد احمد مراجعة وتقديم امام عبد الفتاح امام ص 218
3

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق