قراءات ودراسات

بمناسبة صدور الجزء الأول من أعماله الشعرية…

​سمير عباس

تمهيد:
​يبدو توجه الشاعر العربي المعاصر إلى كتابة قصيدة النثر في حالات كثيرة قابلا للنظر إليه خارج إطار الأطروحات الفكرية الشائعة في النقد العربي، من قبيل التمرد على الوزن و تجاوز التقاليد الشعرية القديمة و مسايرة الحركة الشعرية العالمية، و ربما كان من المناسب ملاحظة هذا التوجه علامة واضحة على تنامي القدرات الفكرية للمبدع و سطوة الوعي المرهف لديه بإمكانات الكلمة و العبارة اللفظية من جانبها الدلالي، حيث يمكن هذا التطور الفكري للمبدع إياه من القدرة على التملص بيسر من قبضة الهيمنة التي يمارسها الوزن الشعري على وعيه، و هذه الملاحظة تعني اقتراح النظر إلى قصيدة النثر على أنها تطور معرفي cognitive أكثر من كونها اختيارا لمسايرة تيار شعري جديد، و لهذا تمثل دراسة التشكيل الدلالي هنا محاولة للتخمين في مدى اتساع و رحابة الآفاق الفكرية للمبدع التي أتاحت له التوجه لقصيدة النثر.
1) عنوان القصيدة:
​نشر علاء حمد الشاعر و الناقد العراقي المقيم حاليا ببلاد الغربة قصيدته ( أثاث حديقتي النائية)(1) في العدد الرابع عشر 14 الموافق لسبتمبر 2020 من مجلة رؤيا الفصلية الإلكترونية التي يصدرها هو و مجموعة من المثقفين العرب بصيغة بي دي أف بشكل حر، و القصيدة تضم اثنين و ستين (62) سطرا شعريا موزعة على اثني عشر مقطعا بشكل متوازن كما يظهر من الفضاء النصي للقصيدة، و من المناسب في مرحلة أولى من هذه المقاربة محاولة قراءة عنوان القصيدة:« إذ تقوم العنونة على مجموعة من العمليات الذهنية، و اللغوية، و الجمالية المفتوحة على إمكانات و اختيارات عديدة، يدخل فيها ما هو موضوعي و ما هو جمالي و ما هو تأويلي.»(02)، فلفظة ( الأثاث) قد ترتبط بما هو قريب من الأشياء في الحياة الواقعية، فالمنازل التي يقطنها البشر تمثل أقرب الأمكنة إليهم عادة، و هي بطبيعة الحال تجمع أثاثا يؤدي وظائف عملية أو تزينية، و إضافة هذه اللفظة نحويا إلى لفظة (حديقتي) المنسوبة للذات الشاعرة يبقي العنوان دالا على معاني القرب والألفة والحميمية، ولكن اللفظة الأخيرة (النائية) كصفة لحديقة هذه الذات يثور على الدلالات السابقة بشكل جذري مفاجئ للدلالة على البعد المكاني الكبير جدا، و هو بعد عن هذه الذات و عن غيرها من الذوات في آن واحد يحمل دلالة العزلة بشكل واضح، و لهذا ينشأ في العنوان توتر دلالي يشكل إيقاعه الداخلي أو موسيقاه كما يقول موريس بلانشو:« إن أندريه بريتون A. Breton ينكر الموسيقى لأنه يريد أن يحافظ في داخله، على حق الاستماع لجوهر اللغة المتنافر و الشاذ، موسيقاها اللاموسيقية.»(03)، و هكذا يبرز الإيقاع الداخلي لهذه القصيدة النثرية ابتداء في عنوانها، و يتجلى من خلاله شعور الذات الشاعرة بمعاناة التشظي بين دلالات القرب و البعد، و ربما تجلى نوع هذا التشظي ضمن سطور القصيدة سواء أكان نفسيا انفعاليا أم كان فكريا ثقافيا.


2) التأزم الثقافي:
​يختفي ضمير المتكلم في المقاطع الأربعة الأولى ليفسح المجال لتشكيلات تعبيرية شعرية متغايرة من مقطع لآخر، و يقول الشاعر في المقطع الأول: (04)
​آلهة كبرت على فضلات
​الأساطير
​في دفاتر صدرها بعض
​التصدعات المزعجة
​فحولتها إلى تمثال ناطق
​يبحث عن لسانه المسروق..
و يبدو هنا أن الشاعر يرصد أزمة تعانيها الثقافة التي يعبر عنها بلفظة( الآلهة)، كما يعبر عن هذه الأزمة ( بفضلات الأساطير)، و الأسطورة بكونها مكونا ثقافيا أصيلا ينوب هنا عن كل مكونات الثقافة الأخرى من لغة و دين و فن و غيرها من المكونات، و الفرد المعاصر يقوم باستعمال هذه المكونات الثقافية لخدمة طموحاته التي تنبني على حساب الآخرين، فيظهر التطرف و التعصب و العنف نتيجة لهذا الاستعمال الأناني، و هو استعمال يقوم على الادعاء بكونه منسجما مع روح الثقافة في الحين الذي يعمل على كسر أركان الثقافة في أرض الواقع، لهذا يعبر عنه الشاعر بكونه ( فضلات الأساطير) التي تتراكم حول الثقافة و لا تعكس روحها النقية، و هو استعمال دنيء يزيف الثقافة و لا يرسخها و يتكئ على خطاب مضلل( لسانها المسروق)، و هكذا يرسم المقطع الأول امتدادا لدلالات التوتر الناشئة في عنوان القصيدة بين حالات القرب و البعد، فالفرد المعاصر يشوه خلفيته الثقافية التي تمثل هويته باستعمالات مضللة بعيدة كل البعد عنها.
​يرصد الشاعر في المقاطع الثلاثة التالية للمقطع الأول النتائج السلبية للتأزم الثقافي على المجتمع و واقعه المعيش، و أيضا على نظرته للوجود بشكل عام، ففي ظل تفشي ظواهر العنف و العصبية و العنصرية في المجتمعات البشرية بسبب ممارسات التضليل و الإيهام التي تعرفها و التي تخدم مصالح أنانية، يحاول الناس الأبرياء طلب الخلاص و السكينة دون جدوى، ما يدفع بهم إلى الوقوع ضحايا ليأس عام و شعور جمعي طاغ بالعبثية.
3) مأساة الشاعر:
​يظهر ضمير المتكلم في المقاطع الباقية من القصيدة عدا مقطع واحد، و في ضوء قراءة المقاطع الأولى يبدو من الممكن التخمين أن ظهور هذا الضمير بعد اختفاء إنما هو إشارة إلى موقع الذات الشاعرة من التأزم الثقافي الذي استوحته القراءة كما استوحت نتائجه السلبية العامة على الثقافة و المجتمع، و من المناسب هنا ملاحظة المقاومة التي لا تزال تقف في وجه قصيدة النثر بشكل خاص في الأوساط النقدية و الثقافية العربية حتى يومنا هذا، و هي ظاهرة اشتكى منها أنصار التجديد في القصيدة العربية المعاصرة:« فلا أعرف أينا الأعمى، رغم أن لا ظلام في الأفق، ما هذا النكوص الذي يطال الشعر، كلما تبدت في الأفق نزوات خطو بعيد، ألهذا الحد ننظر بعين النائم إلى أحلام قديمة، ألم يحن الأوان لنضع الشعر في أول مستقبله، و ننظر إليه بما يأتي لا بما مضى، أليس من قبيل الإنصاف أن نقرأ الشعر اليوم، باعتبار ما يحدث، لا باعتبار ما حدث من قبل.»(05)، و تبدو هذه الظاهرة السلبية نتيجة أخرى للتأزم الثقافي طالت ساحة الإبداع و الفكر، فهي مقاومة تستعمل الثقافة على تنوع فروعها لتخدم توجهها التقليدي في الإبداع الشعري خاصة، على حساب روح الثقافة التي لا يضيق أفقها بالتجديد و الابتداع، و صار المجددون في هذا المضمار ضحايا للإقصاء في كثير من الأحيان، يقول الشاعر: (06)
​طاولة لتجميع بصمات الزائرين
​غفوت على كتفها مرتجفا
​فنقلتني إلى خزانة مبللة..
يشكل هذا المقطع الخامس مثله مثل كل مقطع آخر من القصيدة تشكيلا تعبيريا يحيل عبر عمليات تأويل جزئية إلى تشكيل دلالي متجانس، و هذه الأشكال التعبيرية المكونة من صور شعرية تكاد تكون مشاهد شعرية، و على الرغم من كون هذه التشكيلات التعبيرية متمايزة واحدها عن التشكيلات الأخرى، إلا أنها على المستوى الدلالي تظهر إمكانية للانسجام معا في وحدة موضوعية تسم هذا النص الشعري، و ربما كان من المناسب التعبير عن هذه القابلية للانسجام بمصطلح الوظيفة التي يوكلها القارئ لكل تشكيل دلالي على حدة، و يقوم فهم و تحديد وظيفة التشكيل الدلالي ضمن النص على مستوى أعلى من التأويل.


​لعل لفظة (الزائرين) في المقطع الخامس ترصد القارئ العربي و ابتعاده عن نص التجديد الشعري، فهو عوضا عن الإقامة و احتضان رؤاه الإبداعية يكتفي باحتكاك سطحي به ينتهي بهجرانه، و هذا الهجران و الإعراض يترك( بصمته) السلبية في آفاق تلقيه، و هو نص تظهر المقاطع الثلاثة الموالية للمقطع الخامس أنه كلف الشاعر مكابدة المخاض العسير للكتابة الإبداعية إضافة إلى مكابدته مشقة الالتزام بأصالته الثقافية، و هو التزام ليس من اليسير التمسك به في ظل الإقصاء الذي يعانيه المبدع ضمن أوساط ثقافته من جهة، و من جهة أخرى في ظل إغراءات الثقافة الأجنبية لاحتضانه.
​و في ضوء ما سبق من التحليل لهذا النص الإبداعي ربما كان من اليسير ملاحظة أفق الخيبة و الشعور بالعبثية و اللاجدوى في المقاطع الأربعة الأخيرة، و أيضا ملاحظة أن لفظة ( الحديقة) التي ظهرت في عنوان القصيدة لتعود للظهور مجددا في المقطع الأخير، إنما هي تجربة الشاعر الإبداعية التي جعلها الإقصاء الثقافي حديقته وحده بدل أن تكون حديقة مجتمع الثقافة ككل، و هذه العزلة المفروضة عليها تبرر وصفها( النائية) كما قال علاء حمد.
4) خاتمة:
​وقف الباحث في مقاربة هذه القصيدة على ملاحظة وظيفة كل تشكيلة من التشكيلات الدلالية للقصيدة التي تتجلى من قراءة تشكيلاتها التعبيرية المتمايزة، و وجد أن هذه الوظيفة تكمن في التعالق مع التشكيلات الدلالية الأخرى بشكل يحقق انسجاما معنويا يخدم الوحدة العضوية لهذا النص الشعري، كما وقف على تجربة توضح انفتاح قصيدة النثر العربية على القراءة النقدية المتأنية، و هو ما يوكد أحقيتها و أهليتها لاهتمام أوساط التلقي و أهمية دورها في إثراء الثقافة العربية المعاصرة.

الهوامش:
1) علاء حمد، مجلة رؤيا، مجلة إلكترونية فصلية تصدر بصيغة PDF، العدد 14، ص 363.
2) محمد بازي، العنوان في الثقافة العربية التشكيل و مسالك التأويل، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان/ دار الأمان، الرباط، المغرب/ منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، ط 01، 2012، ص 16.​
3) حسين خمري، سرديات النقد في تحليل آليات الخطاب النقدي المعاصر، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر/ دار الأمان، الرباط، المغرب، ط01، 2011، ص 142.
4) علاء حمد، مجلة رؤيا، ص 364.
5) صلاح بوسريف، الشعر و أفق الكتابة، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان/ دار الأمان، الرباط، المغرب/ منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، ط 01، 2014، ص 55.
6) علاء حمد، مجلة رؤيا، ص 365.

طالب دكتوراه في الأدب العربي الحديث جامعة باجي مختار عنابة الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق