ثقافة المقال

ذبيح الزرقاء

أمان السيد

أعْجبُ لمدن لا تحمل من أسمائها شيئا. وأعجبُ لمدن تعمى نفوس أصحابها حقدا!
الزرقاء، مدينة، أو منطقة، سيّان، اسمها يُهدي إلى من يسمعه الحبّ في سلة زرقاء، زهورها وارفة التسامح، وأفقها أوسع من مظلة الحكماء، أما على أرض الواقع، فإن الصدمة تلو الأخرى تغتالك أمواجا من الآهات والألم، والرعب حين تسمع، أو تقرأ عن فواجعها، وما يجري فيها من المذابح، والإجرام، حتى لتحسّ بأن ألف باب أغلق، وألف حارس شهر سيفه يأمرك أن تتوقف لو أنك فكرت يوما بزيارتها!
لكني زرتها فعلا، وبكل الهدوء سرحت في شوارعها الضيقة وجالست فسحاتها، وشرفة من شرفاتها، ولم أشعر بما تدفعني إليه الأبواب المغلقة، ولا سيوف الحراس المشهرة من حذر، واحتراس، قد يكون لأني وصلتني رائحة الأريج من سلتها الزرقاء، وقد تكون نفسي التي تحمل مركبي الذي يسري بي إلى حيث الحبّ، ويحجب عني الدم، ولكن ماذا وفي كل يوم يَندب نادب في مآذنها، وتَكنس الدماء شوارعها، وقلوب أهلها؟!
ذبيح الزرقاء، ذاك الشاب، آخر شهداء تلك المدينة الأردنية الصغيرة التي لا يمكن تصديق أن وداعتها تحمل تلك الشراسة، وذاك العنف الوحشي، وذاك الاشرئباب للثأر في كل حين، فالمشهد بتفاصيله المقيتة محفّز على البغض، والقتل، وحين تثير تلك المشاهد في نفس إنسان مسالم المشاعر غير المألوفة لها، يغدو الأمر برمته خطيرا!
كيف يمكن أن يصبح الثأر اعتيادا يوميا، وكيف يمكن للذبح، والتفنن به أن يغدو متقنا إلى درجة أن يستثير تصفيق المجرمين في العالم، وحين لا جفن يغمض للقاتل، وهو يرتكب جريمته في مستضعف، بل يتلذذ، ويجد من يتلذذ بذلك معه، وتستبد به شهوة القتل، ففي الأمر خلل فظيع، وفي النفوس هشاشة تنبئ بسقوط مدن كبيرة، ودول، وأقاليم، وممالك!
الكواكبي قال” لو كان الاستبداد رجلا، وأراد أن يحتسب بنسبه، لقال: أنا الشّر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب. المستبدّ فرد عاجز، لا حول له ولا قوة إلا بأعوانه، أعداء العدل، وأنصار الجور”. و إنهالا شيء ينبيك حقا عن استبداد الشّر بالنفوس سوى ما يصدر عنها من أفعال!
ذبيح الزرقاء، ليس مهما أن يكون له اسم، إذ يكفي أن يكون عنوانا للإنسانية المُستهتر بها، ويكفي أن يكون سقوطا للرجولة، وقيمها، وأخلاقها، ويكفي أن يكون علما للجهل قبل كل شيء، الجهل الذي، للأسف، تُرضعه الأمهات في حليبهن أبا عن جدّ، في ردّة إلى العصبية القبلية، والجاهلية المقيتة، ذاك الجهل الذي يسري غيوما سودا مكفهرّة لا ينبثق فيها فجر، جَهل يُتوارث، أفق يضيق عن علاقة الإنسان بالإنسان في مجتمع موتور في كل شيء، غياب السلطة التي باستمراء مهزلتها، وخوارها يُتبادل القتل، والفتك تداولا، فلا يُنصر الضعيف بسهولة، ولا تُبتر يد القاتل، بل يصبح البتر حصّة المظلوم حين يُكتفى بالثأر شفيعا ضمن شريعة الغاب المرعبة، حيث لا رادع من العقل، والعقاب يصبح سلاحا للمغيّب الجاهل يفهمه، ويطبّقه كيفما يريد، بعد أن يصمّ، ويَتعامى عن الغاية الكبرى في قوله تعالى ” ولكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب لعلكم تتقون”، وفي قوله تعالى ” وكتبنا عليهم فيها أنّ النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسّنّ بالسّنّ والجروح قصاص فمن تصدّق به فهو كفّارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون”، ويغدو التّصدّق بالتّسامح كفّارة لا تدرك قيمتها، وأثرها هنا في ميزان اختلّ به الاستواء، إلا حين تُهبَط أثقاله على رؤوس المستضعفين، لترتوي جيوب المتخمين بالبغض، والتّسلّط، ولتموت نفوس المضطهدين وذويهم قهرا، حين يهيؤون نعاجا تُسنّ لرقابها، وقلوبها النّصال، والخناجر!
أيّ العصور ذاك الذي نعيشه، ضمن دوائر في إجرام لا تنتهي به الحلقات، والكبار فيه إما مساهمون، أو متفرّجون، أو مُسهّلون له، أو خُرس. ليست عقول الشباب في بالهم، ولا هزائمهم النفسية تحرك ساكنا!
إني لأتخيّل ذبيح الزرقاء هيكلا لجسد مفقوء العينين، مبتور اليدين، ثم أستغرق في استلابه، وضعفه، وعجزه أمام ثلّة من مجرمين قتلة استعلوا على الله، والحق، وسلطة القانون، ووثقوا أن لهم الحق بانتقام يعبث بمستقبل شاب، وحياته كلها، شابّ جرمه أنه جُعل أداة للثأر، والنيل منه شفاء للغلّ في نفوس مرضت بالحقد والضغينة.
أسمع أنين الأم المنكسرة، الأمهات المثكولات، والزوجات الأرامل، ويهزني زلزال يكاد يدمر ما حولي. صدقا، لا يمكنني أن أتابع تفاصيل مثل تلك الجرائم التي تتلوّن ما بين انتقام، وادّعاء بالشرف، واعتداء على ممتلكات البشر، فأراني أغلِق على الخبر، لأكمّم ما يجيش في صدري من الثورة، والصّراخ!
ستتوالى الجرائم، كما اعتادت، وسيُغلق التحقيق، على ثأر جديد، ولن ينتهي الثأر، ما دام الجهل معشّشا، وما دامت النّمور تَعيثُ به تباهيا، وكم من قَبر في رحلة الانتقام سيفتحُ خلفه قبورا، إن لم تُشد للعقول مدارسُ، ودورٌ تعيد صياغة عقول أبنائها!

كاتبة سورية أسترالية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق