ثقافة السرد

جـدتي والطائـر

بقلم: مجدي جعفر

​في البراح الواسع أمام الدار، تجلس الجدة، فاردة ساقيها لشمس الصباح وبجوارها راديو العائلة العتيق، لا يتحول مؤشره عن إذاعة القرآن الكريم، ومسبحة في يدها لا تمل من فر حباتها ومصحف متآكل غلافه، مفتوح أمامها لا تقلب صفحاته أبداً، وكتاكيت صغار تتقافز حولها، ودجاجات تنقر في الأرض، ونساء عجائز يأتين، واحدة تلو أخرى ، يتحلقن حول الجدة ويثرثرن ؛ تنشغل عنهن بالنظر إلى النخلة العالية ، ولحفيدها طالع النخلة. “تزر” عينيها، وتسلط بقايا الشوف فيهما عليه، وهو يتسلق بخفة قرد، ورشاقة أرنب”.
تُسمِّ الله وهى ترى العجائز “يبربشن” بأعينهن، التي تساقطت أهدابها وتستعيذ برب الناس، من عيونهن الضيقة – التي خبا ضوؤها، ومن الوسواس الخناس، الذى يوسوس في صدورهن.
​.. ينتقى الولد – بلحات – وينزل بخفة ويجرى في اتجاه الجدة، يدس في يديها البلح، تمسك البلح ، تقلبه في يديها وتقرب بلحة من عينيها ، تتشممها بأنفها تمتعض وهى تذوقها بطرف لسانها ، وتجرب أخرى ، وثالثة .. البلح كله يابس وعطن، تتنهد، وتتمتم بكلمات غير مفهومة ، وتتحسر على أيام الجد.
مساحة الظل بجوار الحائط تنكمش، تسند الجدة جذعها للجدار، وتسحب ساقيها، تنظر لشمس الضحى العالية، والعجائز حولها، يثرثرن، ويشكين عقوق الأبناء، وإهمال زوجاتهم لهن .. تنشغل عنهن بالنظر إلى النخلة العالية ، الولد الصغير “يخمش” بأسنانه البلح “الصيص” ويبكى – جدتي:
​- أنا جوعان !!
يمصمص العجائز شفاههن، ويلوين بوزهن ، وتتلاقى عيونهن في استنكار، تسترق السمع، تُمنى نفسها بأن تسمع وقع أقدام أولادها وزوجاتهم في الدار.
– صرير باب حجرته في الفجر – كان يجعلهم ينتفضون في مضاجعهم، وكركرة ماء وضوءه ، ودقات عصاته على الأرض. فور أن ينزل عن سريره ، ويضع قدميه فى ” الشبشب “تدب الحياة في الدار، الفطور كان في البكور ، والشمس كانت تطلع في دارنا مع الفجر ، كان الخير في كل بقعة في الدار ، اللبن ” يتسرسب ” من ضرع البقرة في الزريبة يملأ الدلو الكبير ، والبيض من تحت الدجاج يملاً “السبت الخوص”، أسراب الأوز والبط والدجاج.
يطرق الولد بيده على صدره :
​- أنا جوعان يا جدتي !!
تهدهده الجدة ، وتقول في نفسها :
كانت الواحدة منهن تفز من فراشها مع أول طرقة على الباب !
ولكن .. يوم أن غاب ، غابت الشمس ، ما عادت تطلع مع الفجر من دارنا ، وما عاد الفطور في البكور .. كل شيء ينحسر ، وينسحب ببطء، الأرض تنكمش وتضيع قيراطاً وراء قيراط ، قسموا عرق الرجل وتعبه – وباعوه بأبخس الأثمان ، تحول عرق السنين إلى قمصان نوم للنسوان ، وعطر ، وأساور ” تشخلل ” في أياديهن ، كل امرأة في حجرتها ثلاجة ، وتلفزيون ، وغسالة ، ومكنسة.
خلت الزريبة ، وخلت الصوامع ، وركب الغرباء الأرض.
يصرخ الولد :
​- أنا جوعان .. جوعان يا جدتي
تتسلل العجائز واحدة تلو أخرى ، وتقرأ الجدة في عيونهن – التي تشبه مؤخرات الحمائم ، الشماتة ، الشمس توسطت السماء ، وانحسر الظل عن الجدار ، تنهض الجدة ، متكئة على كتف الولد ، وتسير به إلى الدار والصمت يحط إلا من صوت بومة لعينة تنعق في الزريبة وغراب أسود ، احتل عش الحمام ، يسيل من منقاره ، مح البيض وزلاله ، ينقبض قلب الجدة.
طائر غريب يحوم ، تتوقف ، تنظر للطائر ، يحلق في صحن الدار حول المصباح المطفأ المتدلي من السقف ، ووضع الذباب عليه البيض فامتلأ عن آخره ، بل واستراح الذباب على الحبل الذى يحمل المصباح – وعلى المروحة المثبتة على الجدار ، ينتظر الفقس ، الطائر صغير في حجم عقلة الإصبع ، استغفرت الجدة ، واستعاذت ، ومضت إلى غرفتها دست يدها ببطء فى ” السيالة ” أخرجت بصعوبة مفتاحاً كبيراً ، والصبي يرقص قلبه فرحاً وعيناه تبصان ليد الجدة وهى تدخل المفتاح في كالون الدولاب بالحائط ، ومُمنياً نفسه ، بقطعة حلوى ، أو بيضة مسلوقة ، وقطعة خبز ، قبل أن تدير المفتاح أحست بضلفة الدولاب ” تزيق ” ، شدت الضلفة برفق ، أحست بانعدام المقاومة ، وكانت حركة الضلفة النصف دائرية وسرعتها أقوى من قوة شد الجدة .. تفزع الجدة ، ويقع قلبها في رجليها ، فالدولاب خال – لا علب الحلوى ، ولا المربى ولا أقماع سكر النبات ، ولا أرغفة الخبز الطرية ، وبضع مئات من الجنيهات – هي كل ما تملك – بعض حقها في الميراث – الذى أخذته بصعوبة وباقي ميراثها توزع على الأولاد في حياتها غصباً 0حتى الكفن الذى اشترته منذ زمن بعيد ، واحتفظت به في الدولاب ، مطوي نظيف معطر ، اختفى !!
تضيق ما بين حاجبيها فتنتفخ كرمشات الجلد كبالونات صغيرة ، ويتلاحم خطا الحاجبين بشعرهما الأبيض المتناثر.
يجرى الصبي إلى حجرة أبيه ، يطرق الباب بعنف ، يصرخ :
​- جدتي ، جدتي سُرقت ، الحقوا جدتي ؟!
تتثاءب أمه ، ويأتيه صوتها وهى تتقلب على السرير ، تعنفه وتنهره ، يجرى إلى غرفة عمه ، تزجره زوجة عمه ، بوجه أصفر ، يرمح إلى جدته ، يحوطها بذراعية الصغيرين وقلبه يدق بعنف ، تفترش الجدة الأرض ، والعرق يرشح من مسام جسمها التي اتسعت على الجلد ، فالمسام صارت كثقوب إبر الخياطة ، يمسح الولد بكم جلبابه حبات العرق التي تجمعت في ثنيات الجلد على الجبهة ، وأسفل العينين ، وعلى الخدين ، سيول من ماء العين ومن عرق الجسم المالح ، تتجمع في قنوات حفرها الزمن على الوجه وأسفل الرقبة ، يعلو صدرها ويهبط وتفتح فمها الخالي من الأسنان مع طاقتيّ أنفها لإدخال الهواء ، يبكى الولد ، جدتي ، جدتي ، بصعوبة – تمتد يدها المعروقة – تتخلل شعره ، يشعر بارتعاشة يدها ، وبعروقها النافرة ، وفيما يعدو فأر على سقف الغرفة ، ترى من فتحة الباب الموارب ، الطائر الغريب ، يحوم حول المصباح ، ومع كل دائرة يكبر ويكبر ، وقد صار بحجم الفأر ، الذى يعدو ، ويقرض في ” غاب ” السقف.
يبحلق الولد في عيني الجدة المفتوحين ، يمرر يده أمام عينيها ، لا يرمشان ، يبكى ، جدتي – هل ترينني ؟! .. تحاول الجدة أن تزدرد ريقها ، لكن الريق قد جف ، فتبتلع الهواء ” فتزأط “.
ويشعر الولد بأن عينيها قد انفلتتا من محجريهما ، فيجرى إلى “القلة” ويكب الماء على وجهها وعلى شفتيها ، تخرج لسانها برأس رفيع أبيض جاف يلتقط قطرات ماء ، ترطب الحلق الجاف .. وبينما تُدخل قطة سوداء رأسها النافذة ، تروح عيناها للطائر الغريب الذى يكبر .. ويكبر ويصير بحجم القطة.
يصب الولد الماء على يديه ، وينثره على رأسها ، ويدلك بيده المبللة بالماء فروة رأسها ، يشعر بسخونة رأسها ، فيبكي.
عيناها تدوران في الغرفة ، يقعان على عصا الجد المثبتة على الجدار وجلبابه الصوفي ، وطاقيته والشال ، ويبدو في الصورة المتربة بشاربه المفتول وعينيه الباسمتين ، تبتسم ، فيطرب الولد لابتسامتها – صارت له فترة يأتيني في المنام ، شهراً ، أو يزيد ، لم يخلف موعداً ولم يتخل أبداً عن ابتسامته ، وضحكته الحلوة ، يأتيني أجمل مما كان عليه يوم العرس ، شاباً عفياً ، عليه ثوب أخضر ، يفتح لي ذراعية ، باتساع المدى.
يهز الصبي الجدة ، التي تعلقت عيناها بصورة الجد ، وتلاقت ابتسامتهما ، جدتي ، جدتي ، يفزعه صمتها ، ويعكر صفوه نباح الكلب المتواصل خارج الدار ، يشب على قدميه ، ويمد ذراعه ، وبأطراف أنامله :
يزحزح عصا الجد ، ويقبض عليها ، ويهم خارجاً للكلب ، تستوقفه الجدة بنظرة عين وإشارة إصبع ، يضع العصا بجوارها ، ويخرج باحثاً عن حجر ، وفيما كان الكلب رافعاً ساقيه الخلفيتين ويبول على الجدار ، كان الحجر مُسدداً إلى رأسه ، ليقفز إلى النافذة ، رافعاً عقيرته بالنباح والعويل ، وكلما صوب إليه الصبي حجراً ، علا النباح والعويل .. الطائر يحوم ، ويحوم ، ويكبر ، ويكبر ، ويصير بحجم الكلب الذى يعوي خارج الدار.
تتحسس الجدة عصا الجد ، وتبتسم ، تشير إلى الجلباب ، والطاقية ، والشال ، يهرع الصبي ، يأتيها بها ، تتحسسها ، تتشممها ، تغمض عينيها ، تنسال الدموع ، تبتسم ، تحاول أن تنزع جلبابها ، يعاونها الصبي ، تحشر جسمها في جلبابه الصوفي ” الكشمير ” وتلم شعرها الأبيض وتحبك الطاقية ، تثني الشال ، وتبسطه ، وتطويه ، وتلفه حول رأسها ، وبينما الحمار ” يتمرغ ” في الفضاء خارج الدار وينهق كان الطائر يكبر ويكبر ، ويصير بحجم الحمار الذي يفزع نهيقه الصبي ، تتحسس العصا ، تقبض عليها ، يد على الجدار ، ويد على العصا ، تنهض ، وتخطو خطوات ، يفرح الصبي بجدته ، ويضحك ، يلف حولها ويصفق بيديه ، يصفر ، يدور حول نفسه ، ويرقص ، سارت إلى حجرة ابنها الكبير المغلقة ، وطرقت الباب بالعصا بعنف ، وجلاً فتح الباب بلباس النوم ، ليندهش .. أمي !! .. أزاحته ، ودفعت الباب ، لتباغت بالكفن ، نصفه ستارة على الشباك ونصفه الآخر ملاءة السرير تتمدد عليه زوجة الابن ، انكمشت في الركن القصي على السرير بجوار الحائط ورفعت ركبتيها إلى ذقنها وشدت القميص على قدر ما تستطيع لتستر ما يمكن ستره ، وبينما تسير إلى السرير انكمشت الزوجة ، تحسست الجدة الملاءة / الكفن ، رائحة العرق وأثار الحب والليل ، نظرت إلى المرأة المنكمشة والمنكوشة الشعر والنصف عارية ، أغمضت الجدة عينيها ، استجمعت لعابها ، وفى لحظة بصقت عليها ، مرة ، ومرتين ، واستدارت إلى ابنها الواقف بلباس النوم مأخوذاً ومذهولاً ، وفجأة – ترفع العصا ، وتهوي بها على أم رأسه ، ليصرخ ، صرخة مدوية ، فيفزع أخوه وزوجته في الحجرة المجاورة ، ويجريان إلى مصدر الصوت ، فتعقد الدهشة لسانهما وتسير الجدة بثقة ، وتخطو بثبات ، وبينما زوجة الكبير تمسح بصاق الجدة وتقول لزوجة الصغير :
​- كبرت وعلقها خرب ..
كانت الجدة ، ترى الطائر الغريب ، يحوم حول المصباح ، وأصبح بحجم الفيل ، وجلست الجدة ، تنظر للطائر الذي يكبر ويكبر وينبت له جناحان ، وفيما كانت الجدة مشدودة إلى الطائر كان الصبي يضع في حجرها علب المربى والحلاوة وأكياس السكر النبات !!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “جـدتي والطائـر”

  1. كتابة متينةً رصينة يعرف صاحبها كيف يبنى وكيف يوزع يرسم الصورة ويوزع المفردات ويؤكد التفاصيل ويثبت الوقفات ؛ مثلما يعرف كيف يعلق ومتى وأين يتوارى ثم يتدخل . ومع كل هذه الصنعة / المهارة / الدربة يعرف كيف يملأ العروق دما حيا نابضا يجعل المشاعر تتأجج والانفعالات تشتعل ! كل هذا الثراء جمعته فى سطورك يا مجدى . اما عن المعانى وعن الزمن والقيم وانقلابات البشر فلها حديث آخر يفيها حقها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق