ثقافة المقال

إلى حواء… من جديد

الدكتور: سالم بن رزيق بن عوض

عشت مع الملكة حواء ابناً طفلاً رضيعاً مطيعاً فملأت كل جوانبي وخلاياي وأعضائي بلبنها وغذائها وملأت روحي ونفسي بعواطفها الجياشة وملأت سمعي بأناشيدها الطاهرة البسيطة وملأت عيني بجمالها الطبيعي الساحر الذي لا تكلف فيه ولا تصنع وملأت عقلي بأفكارها البريئة وملأت لساني بعباراتها السهلة والتي تجري عليه عذبة هنيّة.

كانت لي كل الدنيا وكل الحياة وكل السمع والبصر وهي الأم المربية الرحيمة الحازمة القاسية أحياناً والمعلمة رغم أنها لا تقرأ ولا تكتب ولم تدخل مدرسة ولم تمسك قلماً إلا القلم الذي تعلمني به ؛ أمسك القلم هكذا وأكتب هكذا وهي عمرها ما مسكت قلماً ولا كتبت به .

كأن الأم ترى نفسها في أولادها فهي الحانية الرحيمة الحازمة القاسية والمعلمة والمربية والمحبة والحبيبة والصابرة والمستشارة والرفيقة في دروب الحياة

المختلفة ، وترى من خلالهم بقية مستقبلها فهي تهب لهم الحياة ووراف ظلالها وتحاول أن تجنبهم الهموم والغموم والآلام والصعوبات والتحديات وترسم لهم تلك الأهداف والطموحات العالية والتي تساعدهم بالتحفيز والتشجيع للوصول إليها .

وهي في سبيل صناعتنا وإنتاجنا تتحمل الأعباء والصعوبات والتحديات وتقاتل قتال الأبطال في مواطن الحياة المختلفة ولا ترضى أبداً بالمشاهدة أو العزلة أو الهروب من معركة الحياة فهي تدفعك هنا وهناك وتهب من نفسها الوقود النووي لمدّك بالطاعات التي تحتاجها في يومك وشهرك وعامك وحياتك كلها.

تبقى الأم هي الأنثى الحقيقية في حياتك الطويلة فهي تعطي عن حب وتبذل عن حب وتتابع عن حب وتشد وتحزم عن حب وتعاقب في حب وتصفح عن حب وتهب كل ما تهب عن حب وفي حب وتناضل في ميادين الحياة عنك في حب وعن حب وتتحرك أمامك

وأنت صغير عن حب فإذا بلغت وورشدت دفعتك إلى الأمام والصدارة في حب وعن حب وللحب وسارت خلفك تدعو لك وترجو الله تعالى أن يحفظك ويرعاك ويملأ الحياة بك ويملأ بالحياة والعطف والرحمة بالناس والحب لهم والعناية بهم والعيش فيهم ومنهم.

هذه الحواء الملكة ترقب فيك الحياة وترى فيك ما لا تراه أنت في نفسك ومن نفسك وتنظر بنور الله تعالى إلى عوالم الغيب وتهُبُ بالدعاء إلى البارئ أن يهبك كل الخير وكل الهداية وكل الاستقامة وكل الفضل وكل الإحسان وكل الرحمة وكل العطف وكل المال وكل الجاه والمنصب وكل العلم وكل القوة في الحق ولأجل الحق وكل الحب من جميع الخلق .

هكذا كانت حواء الملكة التي عرفتها أو هي التي عرّفتني على معالم وعوالم الحياة ووضعت فيّ كل مقومات العزة والقوة والرحمة والعلم والإنسانية وصبغتني بصبغة لونها وطعمها ورائحتها وعقلها وتفكيرها ووهجها وطبيعتها وخلقها ودينها وكرامتها وصنعت مني ذلك الرجل الذي تريده وتتمناه وتحلم بوجوده بين الرجال يحمل كل صفات وخلال الخير ويكون عونا للجميع على الخير ، لمّا أدركت بحدسها وفطنتها وذكائها أنها صنعت حلمها وحققت أهدافها إستأذنت ثم رحلت من الدنيا في هدوء .
فعليها ولها سحائب رحمات الله تعالى .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق