قراءات ودراسات

النبي إبراهيم بين التوراة والأركيولوجيا*

علاء اللامي*

تزعم الروايةُ التوراتيّة أنّ النبيّ إبراهيم ظهر مع ابن أخيه لوط في فلسطين، مهاجرًا إليها من أور الكلدانيّة، جنوب العراق. وفي فلسطين، وُلد إسماعيل وإسحاق ويعقوب، الذي لُقّب لاحقًا بـ”إسرائيل.” والحقيقة التي يتّفق عليها جميعُ المتخصّصين في الآثار التاريخيّة القديمة هي انعدامُ أيّ أثرٍ أركيولوجيّ، سواء في فلسطين أو في محيطها المصريّ والعراقيّ والشاميّ القديم، يؤكّد حصولَ هذه الهجرة.

تبدأ الروايةُ التوراتيّة بذكر فلسطين مع ولادة النبيّ إبراهيم في أور الكلدانيّة سنة 1900 ق.م (ترجّح مصادرُ دينيّة أخرى أنّ ذلك حدث بين سنتيْ 2324 و1850 ق.م)، وأنّ هجرتَه إليها تمّت وهو في الخامسة والستين من عمره (كما يقول سفْر التكوين).

إنّ قصّة إبراهيم التوراتيّة بسيطة، إذ ليست سوى رحلاتٍ لأسرةٍ صغيرةٍ متوسّطةِ الحال من رعاة الماشية الذين تعجّ بهم سهولُ الشرق الجزيريّ. فقد رحل مع زوجته سارة إلى أرض كنعان، ومعهما ابنُ أخيه لوط وزوجتُه، وأقام لفترةٍ قصيرةٍ في مدينة شكيم (نابلس)، وبنى مذبحًا للربّ. ثمّ تُضيف التوراةُ أنّه اتجه جنوبًا إلى بلدة بيت إيل (التي تحمل اسمَ كبير الآلهة الكنعانيّة إيل)،[1] ووصل إلى النقب في طريقه إلى مصر بعد حدوث مجاعة. وبعد ذلك عاد من مصر إلى جنوب فلسطين. وفي بيت إيل ذاتها، انفصل عن لوط بسبب امتلاكهما قطعانًا كبيرةً من الماشية ضاقت بها المراعي القليلةُ هناك. وتزعم التوراةُ أنّ الربّ وعد إبراهيمَ بأن تكون الأرضُ الواقعة بين الفرات والنيل له ولنسله. وقد استقرّ إبراهيم في حبرون (الخليل)، حيث اشترى مغارةً، وتنقَّل في مناطق كنعان القريبة، مثل جرار (جنوب شرقيّ غزة) ومريا (القريبة من القدس في الشمال). وبعد ذلك عاد إلى جنوب فلسطين، ليستقرَّ في الخليل، حيث توفّي عن عمر طويل (يصل في أقصر الروايات إلى 175 عامًا)، ودُفن في المغارة التي اشتراها (تُدعى اليوم “مغارة المكفيلة” وتقع داخل المسجد الإبراهيميّ).

إنّ كلَّ هذه المعطيات والمعلومات لم تردْ إلّا في المصدر التوراتيّ، ولم يُعثرْ على أثرٍ أركيولوجيٍّ واحدٍ يُعتدّ به يؤكّد وجودَ النبيّ إبراهيم وجودًا تاريخيًّا. أمّا ألواحُ إيبلا، التي قرأها العالمُ الإيطاليّ جوفاني بيتيناتو، وقيل إنّ فيها أثرًا يحمل اسمَ “إبراهيم” (وأنبياءَ توراتيين آخرين)، فلم تحظَ بتأكيدٍ علميٍّ رصين، وانطفأت الضجّةُ التي أثارتها في السنوات الأولى لاكتشافها أواسطَ السبعينيّات من القرن الماضي بين أوساط المؤيّدين لتاريخيّة التوراة (وخصوصًا سفْر التكوين)، ولم يعد يهتمّ بها حتّى التوراتيون الباحثون بلهفةٍ عن أيّ أثر حاسم من هذا النوع.

وكان الباحث بيتر كريغ قد ناقش في كتابه، أوغاريت والعهد القديم، ادّعاءاتِ بيتيناتو، ونقدها بعمقٍ ودراية، وأظهر تناقضَها وعدمَ جديّتها، فكتب: “في سياق عمله على هذه المجموعة الهائلة من النصوص الإيبلائيّة، تبيّن لبيتيناتو أنّ 80% من هذه النصوص مكتوبٌ باللغة السومريّة، و20% مكتوبٌ باللغة الجديدة التي دعاها الكنعانيّة المبكّرة… ومع قيام بيتيناتو بدراسة محتويات الرُقُم الإيبلائيّة، أخذ يطرح العديدَ من الادّعاءات في تصريحاته ومقالاته.”[2]

وركّز كريغ على ادّعاءات بيتيناتو وجودَ أسماء علَم ساميّة وردتْ في التوراة، كداوود وإيبروم (أحد ملوك إيبلا) المتّصل صوتيًّا ولغويًّا بسلف العبرانيين المدعوّ “عابر”؛ إضافةً إلى وجود المدن الخمس الواردة في سفْر التكوين (سدوم، وعمورة، وأدمة، وصبوئيم، وبالع)؛ وأسماء بعض المدن الفلسطينيّة (كمجدو وأورشليم وأشدود). ويلاحظ كريغ أنّ إبرام قد ارتبط بمدينة حرّان، وأنّه عاش بعد عدّة قرون من عصر ازدهار إيبلا. وهذه الحقيقة تعني انقطاعَ الصلة التاريخيّة والمضمونيّة بين المسمّى إيبروم الإيبلائيّ وإبراهيم التوراتيّ! ثمّ، هل كانت التوراة ستسكتُ لو كانت هناك أيُّ علاقة بينهما؟

قصّة إبراهيم التوراتيّة بسيطة، إذ ليست سوى رحلاتٍ لأسرةٍ صغيرةٍ من رعاة الماشية

إنّ قضيّة وجود أسماء جزيريّة “ساميّة،” من قبيل إبراهيم ويوسف ويعقوب، على آثارٍ من الحضارات القديمة، تتّكئ على تفسير وحيد هو التفسير اللفظيّ، القائم على التقارب الصوتيّ بين الأسماء، وليس على أيّ شيء ذي علاقة بالسياقات التاريخيّة المعنيّة بأصحاب تلك الأسماء أو بتلك الآثار. وممّن سبق أنْ وقعوا في هذا المطبّ اللفظيّ اللاتاريخيّ، المؤرّخ فيليب حتّي، حين ذكر في كتابه تاريخ سورية ولبنان (ص 160)، في معرض كلامه على رجلٍ من الهكسوس يُدعى يعقوب هار: “ويعقوب هذا هو حتمًا يعقوب المعروف في التوراة.” ويعلّق يوسف سامي اليوسف ساخرًا: “ولماذا ’حتمًا‘ هذه؟ هل من المحال أن يكون في الدنيا رجلان اسمُ كلٍّ منهما يعقوب؟”[3]

كما خرج أسد أشقر في استنتاجٍ مشابهٍ حين كتب في كتابه، تاريخ سوريا: “يبدو أنّ اليهود، بقيادة يعقوب، قد دخلوا مصر في تلك الحقبة.” (ص155) وكان الأجدى بأشقر، كما يعلّق اليوسف، “أن يطرح هذا السؤال: هل كان ثمّة يهودٌ على الأرض في أيام الهكسوس؟” واليوسف محقّ هنا تمامًا: فالهكسوس ظهروا في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وسيطروا على مصر بعد تسلّلٍ دام خمسين عامًا في القرن السابع عشر، وفي تلك الحقبة لم يكن لليهود أو مَن يزعمون أنهم أسلافُهم (كالعابيرو والخابيرو) أيُّ وجودٍ أو ذِكْر، حتّى ورد ذكرُهم للمرة الأولى بعد أربعة قرون تقريبًا في إحدى رسائل تلّ العمارنة، حين أشير إلى احتلالهم مدينة شكيم الكنعانيّة سنة 1360 ق.م (سيطروا عليها نصف قرن فقط).

ومن هذا القبيل، أخيرًا، ما ذكره الباحثُ العراقيّ أحمد سوسة في كتابه العرب واليهود في التاريخ، حين كتب أنّ المنقّبين عن الآثار اكتشفوا مكانًا يسمّى يوسف بعل، وأنّ يوسف بعل “اسم كنعانيّ ولا يعني سوى أنّ الساميين قد اجتاحوا مصر وحكموها خلال العصر الذي سمي عصر الهكسوس.”[4] وما يقوله سوسة هنا مجرّدُ ترجيح ضعيف؛ فأصلُ الهكسوس ما يزال غامضًا، وموضوعَ نقاشٍ بين الباحثين حتّى اليوم!

نعود إلى ما كتبه كريغ. فهو يقول إنّ عددًا من الباحثين:

“رأى في مكتشفات إيبلا، وقراءةِ بيتيناتو المتعجّلة لها، مجموعةً جديدةً من المعلومات التي يمكن أنْ تسوّي الجدلَ الدائر حول تاريخيّة أو لاتاريخيّة النبيّ التوراتيّ إبراهيم. وللوهلة الأولى بدا أنّ هذا الاكتشاف يرجِّح كفّةَ القائلين بتاريخيّة سفر التكوين، من الإصحاح 12 إلى الإصحاح 50. ولكنّ المسألة لم تكن على هذه الدرجة من الوضوح… وبين عاميْ 1975 و1980، قامت دعاوى عديدةٌ صدرتْ عن أناسٍ لم يروْا رُقُم إيبلا، ولا يعرفون قراءةَ نصوصها أو ترجمةَ لغتها، ولم يضعوا قَدَمًا في سوريّة. وإذا كنّا نغفر لبيتيناتو الادّعاءاتِ المتسرّعةَ التي تقدّم بها بداعي حماسته للاكتشاف الجديد، فإنّنا لا يمكن أنْ نغفر لمن سار على خطاه، مثل أحد الباحثين الأستراليين، الذي سارع عقب قراءة بيتيناتو إلى طباعة كتيّبٍ يدّعي فيه أنّ مدينة إيبلا قدّمتْ أخيرًا الدليلَ القاطعَ على أنّ الكتاب المقدّس على حقٍّ دومًا.”

ثمّ ينصح كريغ في كتابه فيقول: “إنّ علينا أن نكون حذرين قبل إصدار أيّة دعاوى بهذا الخصوص، وقبل أنْ يمرّ زمنٌ طويل تصبح فيه هذه المكتشفاتُ معروفةً ومقروءةً جيّدًا من قبل الباحثين.” ويختم بطريقة ساخرة:

“إنّه لمن الخطأ أنْ نرْكب أيّة عربة تذيع الموسيقى وترفع يافطة كُتب عليها ’إيبلا تؤيِّد الكتابَ المقدّس‘. وذلك لسببين: الأوّل هو أنّ الادّعاءَ بصحّة وثيقةٍ ما، اعتمادًا على بيّنةٍ لم تُعايَنْ شخصيًّا، ولم تُدرسْ بما فيه الكفاية، هو أمر على جانبٍ كبيرٍ من الخطورة، وهو كارثيّ من ناحية أكاديميّة، وغيرُ مسؤول من المنظار اللاهوتيّ والدينيّ. أمّا السبب الثاني فهو أنّ هذه الدعاوى تتّخذ طابعَ التضليل، وهي تنتمي في جزءٍ منها إلى اتجاهٍ يسود العالمَ المسيحيّ المعاصر، ويسعى لوضع اليد على أيّ شاهدٍ ظاهريّ شكليّ من شأنه دعمُ الإيمان المسيحيّ، سواء كان أخشابَ سفينة نوح، أو رُقمَ مدينة إيبلا، أو كفنَ تورينو.”[5]

وبعد مرور عقديْن من السنوات على كلام كريغ هذا، لم يخرج باحث رصين أو مؤسّسة علميّة مهمّة وذاتُ صدقيّة بأيّ تأييد لادعاءات بيتيناتو تلك، وجرى إهمالُها حتّى من الباحثين التوراتيين أو المتديّنين المسيحيين المتلهّفين لأيّ أدلّةٍ كهذه.

ويشير تقرير صحافيّ مُقتضب، نُشر قبل سنوات قليلة، إلى أنّ بعض تلك المكتشفات الإيبلائيّة “قد تُرجمتْ من قِبل اختصاصيين دوليين قاموا بنشر نتائج قراءاتهم وأبحاثهم في مجلّة دراسات إيبلائيّة، وفي مجلة حوليّات إيبلا، وقدّموا دراساتٍ مهمّةً، رَدّت علميًّا على تلك الادّعاءات، عن علاقة إيبلا بالتوراة، ومدنِ السهل الخمس. وكانت حصيلةُ الدراسات أنْ لا علاقة لإيبلا، من قريبٍ ولا من بعيد، لا من حيث الشكل أو المضمون، بالعبرانيين أو التوراة.”[6]

***

وتستمرّ الروايةُ التوراتيّة الدينيّة في روايتها حتّى تبلغ عصرَ النبيّ موسى الذي – بحسب رواية التوراة نفسها – قاد بني إسرائيل باتجاه الأرض المقدّسة في النصف الأخير من القرن 13 ق.م؛ أيْ قرب نهايات العصر البرونزيّ المتأخّر، الذي شهد هو، وبدايةُ العصر الحديديّ، قيامَ مملكة داود وسليمان (1004 – 923 ق.م).

بحسب التوراة قاد النبيّ موسى بني إسرائيل في النصف الأخير من القرن 13 ق.م

وبهدف الاختصار، سأدرج فقراتٍ قليلةً من مخطّطٍ تزمينيّ (كرونولوجيّ) طويلٍ جدًّا وذي طابع رسميّ حول تاريخ مزعوم للعبرانيين، اليهود، بني إسرائيل، في فلسطين. وقد تعمّدتُ أن أقتبسَ هذا المخطَّط كما هو – مع بعض التصحيحات اللغويّة والاختصار- من موقع وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة ليكون أكثرَ “رسميّةً” في التعبير عن وجهة نظر الحركة الصهيونيّة الحديثة ودولتها القائمة اليوم. ثمّ سنبيّن تفصيلًا كيف دحضت المكتشفاتُ الآثاريّةُ العلميّة الصلبة والمقْنعة هذا المخطّطَ الصهيونيّ الخرافيّ:

– حوالي 1700 ق.م: بداية “فترة الأجداد” (المرحلة البطريركيّة) التي عاش فيها إبراهيم وسارة وهاجر في الجيل الأوّل، وإسماعيل وإسحاق ورفقة في الجيل الثاني، ويعقوب وراحيل وليئة وعيسـو في الجيل الثالث، يستقدم يوسف أباه وإخوتَه أواخر هذه الفترة للعيش في مصر بمباركة فرعون (سفْر التكوين).

– حوالي 1250 ق.م: الفترة التقريبيّة للخروج التوراتيّ، أو النزوح من مصر إلى صحراء سيناء، حيث عاش بنو إسرائيل أربعين سنة (سفْر الخروج والعدد).

– حوالي 1210: التأريخ التقريبيّ لـ”غزو” بني إسرائيل أرضَ كنعان (سفْر يشوع).

– 715: يقوم الملك حزقيا بتقوية النظام الدينيّ وتوحيدِ مملكة يهودا الناجية.

– 721 – 586: تنجح يهودا في البقاء مملكةً مستقلّة، ومن حين إلى آخر تدفع الجزيةَ للإمبراطوريتين البابليّة والمصريّة.

– 587 – 586: تفتتح بابل أورشليمَ وتدمّر الهيكل، وتصبح يهودا محافظةً بابليّة.

إنّ الأخطاء الفظيعة في هذا المخطّط الكرونولوجيّ لوزارة الخارجيّة الإسرائيليّة كثيرة، ولا تستحقّ الوقوفَ عندها لأنّها لا تمتّ بصلةٍ إلى أيّ علمٍ من العلوم القديمة أو الحديثة، بل تمتّ بكلّ الصلات إلى البروباغندا السياسيّة والدينيّة. ولعلّ من أبرز تلك الأخطاء أنّ كاتب التزمين أطلق اسمَ “أرض إسرائيل” وحذف اسمَ البلاد الصحيح والمتّفق عليه بين الباحثين، وهو “بلاد كنعان،” في فترةٍ تُسمّيها التوراةُ “حكمَ القضاة،” بين القرن الثاني عشر والحادي عشر ق.م!

كما أنّ الكاتب جمع أطلالَ السامرة، الموجودة في قرية سبسطيّة على بعد 12 كم شمال غرب نابلس، مع أطلال شكيم، الموجودةِ في قرية بلاطة البلد على بعد كيلو متر واحد في الطرف الشرقيّ لمدينة نابلس الحاليّة؛ جمعها في مدينة واحدة هي السامرة، وجعلها عاصمةً لمملكة منشقّةٍ تدعى إسرائيل!

يمكننا أنْ نستخلص من المخطّط التزمينيّ التوراتيّ الذي استنسختْه الخارجيّةُ الإسرائيليّة عن التوراة مباشرةً، الخلاصات التالية:

1) قبل القرن السابع عشر قبل الميلاد، لم يكن للعبرانيين، أو اليهود، أيُّ وجود في فلسطين التاريخيّة، التي كانت عامرةً بالمدن والتجمّعات السكانيّة الكنعانيّة آنذاك.

– وفق رواية التوراة، يبدأ الغزو العبرانيّ لبلاد كنعان في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، بعد “الخروج من مصر” بأربعين عامًا (فترة التيه في سيناء)، وينتهي عهدُ “الاتحاد الكونفدراليّ غير المتين لاثنتيْ عشـرة قبيلة” تعيش في مناطق قبليّة منفصلة داخل “أرض إسرائيل.” نلحظ هنا جذورَ الكذبة التاريخيّة؛ إذ فجأةً أصبحتْ “أرضُ كنعان،” أو فلسطينُ التاريخيّة، “أرضَ إسرائيل” لمجرّد أنّ عدّة قبائل استولتْ على جزء من تلك الأرض. وقطْعًا، لا وجود لأيّ دليل أثريّ واحد من فلسطين أو مصر أو العراق أو الشام يؤكّد أيّ تفصيلٍ من هذه التفاصيل. أمّا التوراة نفسها فتعترف – ضمن تناقضاتها التي لا حصْر لها – بأنّ سيطرةَ “بني بنيامين العبرانيين” على القدس قد تمّت عن طريق التسلّل التدريجيّ، لا عن طريق الحرب والغزوْ، إذْ يقول سفر القضاة 1: 21: “وبَنُو بَنْيامِينَ لَم يَطْرُدوا اليَبُوسِيّينَ سُكّانَ أُورشلِيمَ، فَسَكَنَ اليَبُوسِيُّونَ مع بَنِي بَنْيامِينَ في أُورُشَلِيمَ إِلى هذا الْيَوْم،” بعد أنْ قالت في صفحة أخرى من السفْر نفسه إنّها أُخذت من الكنعانيين بحدّ السيف (سفر القضاة 1: 8).[7]

– بين تتويج شاؤول سنة 1020 ق.م، وسقوطِ دويْلة يهوذا سنة 586 ق.م، لا يزيد عمرُ الدولتين العبرانيّتين المزعومتين، إسرائيل ويهوذا، على ثلاثة قرون وسبعين عامًا تقريبًا، تتخلّلها حروبٌ ضاريةٌ ضدّ الفلسطينيين، وتنتهي بهزيمتهما العسكريّة وتدميرِهما من قِبل الرافدينيين الجزيريين: الآشوريين، فالكلدانيين. وهناك الكثير من الأدلّة على أنّ هاتين الدولتين لم تكونا يهوديتين أو عبرانيّتين في القرون الأولى، بل كانتا دولتين كنعانيّتين، تهوّدتْ إحداهما في القرون الأخيرة من تاريخها، وهي يهوذا “الجنوبيّة،” وبقيت الدولة الشماليّة “إسرائيل” كنعانيّةً وثنيّة – كما يدلّ اسمُها الحاوي على اسم أكبر آلهة كنعان (إيل) منذ بدايتها وحتّى سقوطها.

هذا بخصوص النبيّ إبراهيم التوراتيّ، فماذا بخصوص مقولة “شعب إسرائيل القديم”؟ وكيف فكّكها العلماء والباحثون المتخصّصون، وفي طليعتهم توماس.ل. تومسن؟ هذا ما سيكون موضوعًا لمقالتنا القادمة.

جنيف

*هذه المقالة جزء من دراسة مطوّلة حول الموضوع ستصدر لاحقًا في كتاب بعنوان: نقد الجغرافيا التوراتيّة ودراسات أخرى.

[1] – صادر الصهاينةُ في دولة “إسرائيل” هذا الاسم (بيت إيل)، واعتبروه عبريًّا ويهوديًّا، وأطلقوه على مستوطنة أقاموها على أراض فلسطينيّة مصادرة، هي الأخرى، شمال شرقي مدينة البيرة.

[2] – بيتر كريغ، أوغاريت والعهد القديم، ترجمة فراس السوّاح (دمشق: دار ممدوح عدوان للنشر، ط 1، 2016)، ص 142 ، 144.

[3] – يوسف سامي اليوسف، تاريخ فلسطين عبر العصور (دمشق: دار الأهالي، ط 1، 2000)، ص 38.

[4] – اقتبسه اليوسف، المصدر السابق، ص 38.

[5] – المصدر السابق، ص 147.

[6] – تقرير إخباريّ بعنوان “ألواح إيبلا،” نشر بتاريخ 27 نيسان 2015، في موقع شبكة الأخبار السوريّة المتّحدة.

[7] – (سفر القضاة 1: 8) وَحَارَبَ بَنُو يَهُوذَا أُورُشَلِيمَ وَأَخَذُوهَا وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ، وَأَشْعَلُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ.

*الآداب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق