قراءات ودراسات

الخلفاء والغناء بحث في التَّاريخ الاجتماعي للشُّعوب

قراءة في كتاب الخلفاء والغناء للدكتور علاء الحلي

الدكتور صالح الطائي

تعود علاقة الإنسان بالغناء إلى أقدم الأزمنة البشرية، وقد اهتم الكثير من العلماء والباحثين بهذه الظاهرة المشتركة بين البشر رغم تباعد الجغرافيات، كون الغناء والموسيقى ظواهر تاريخية لها علاقة وثيقة بالظواهر الأخرى وبالفنون الأخرى ولاسيما بعد أن اكتشف الباحثون تطابق الفنون الصوتية أيا كان نوعها مع نظام الفكر وطابعه الإنساني في مديات جغرافية بينها الكثير من الفواصل والمسافات. هذا ما أشار إليه “برنارد شامبينيول” في كتابه الموسوم “عالم الموسيقى” الصادر عن وكالة الصحافة العربية ـ ناشرون بقوله: “يبدو أن نظريتنا الموسيقية تدين بأصولها إلى بعض قواعد فطرية عامة يشترك فيها كافة البشر، فتجد الموسيقى عند الأقدمين كما هي الحال عند البدائيين بسيطة في أصولها وتتميز ببروز قوي في إيقاعها. كما أن طابعها يتسم بالمسحة الدينية ويتصل بطقوس معتقداتهم. ومن جهة أخرى فالإنسان عندما يقوم عادة بمجهود جسماني ويأتي حركات مرادفة بجسمه فإن هذه الجهود والحركات كثيرا ما تكون مصحوبة بإخراج أصوات. وفي هذا ما يعد أساس الأغاني المهنية، التي يقصد منها تنظيم حركات الجسم وتوجيهها ليسهل بذلك تأدية العمل”.
ولأن الموسيقى والغناء يخلقان حالة من التماهي مع أطياف الخيال المشتاق للنزهة في عالم الروح لذا نجد الممارسة الطقسية الدينية قد استحوذت على الأغاني والموسيقى لا لدى الإنسان البدائي فحسب بل وصولا إلى المجتمعات التي تتعبد بالرسالات السماوية حيث احتلت أناشيد “بيروتان” الأسقف الأكبر لكنيسة “نوتردام” بباريس في أواخر القرن الثاني عشر مكانا في النشاط الكنسي يرددها المنشدون في الكنائس كفعل روحي مهمته السمو بالنفس من عالم الماديات إلى عالم الروحيات، ولا زال الغناء المصحوب بالموسيقى يتردد في الكنائس إلى الآن.

أما فيما يخص جغرافيتنا العربية فقد كان للغناء أثرا عظيما في بعض ممارسات الحياة اليومية وقد كان الغناء موجودا ومعروفا في المجتمع الجاهلي، لكنه لم يكن مزدهرا، لأن المجتمع مثلما قال المؤرخ الموسيقي محمود كامل في كتابه الموسوم “تذوق الموسيقى العربية”: “كان منشغلاً بأمور أخرى غير الفن، وكان الشعر هو مادة الغناء”. ومع ذلك كان للعرب تاريخ غنائي حافل يمتد متنوعا بين الحِداء للإبل وأغاني الرعاة ومواويل بدو الصحارى في مضاربهم ومساربهم وصولا إلى الغناء الممنهج.
[[فحداء الإبل على سبيل المثال له جذور تاريخية ضاربة في تراثنا العربي القديم قبل وبعد الإسلام، وهو نوع من الغناء الذي يؤديه الرعاة لإبلهم في مسيرها فتتبعهم، أو في حال أراد أن يجمعها، أو أن يوردها الماء كنوع من التخاطر الذي ينشأ عادة من تعود الإبل على صوت صاحبها، أما أداء الحداء أثناء المسير فيشعر الحادي عادة بالراحة وعدم الإحساس بالتعب، ويمنحه نوعا من المتعة النفسية، فضلا عن التواصل مع جمال قافلته.
أما الغناء فكان عملا ترويجيا أثناء الأعراس والمناسبات والحروب، حيث كان المؤدون يرافقون الجيوش وينشدون لها ما يشد من أزرها ويبعث فيها روح الشجاعة. والغريب أن الغناء لم يُمنع في عصر البعثة مثلما يرى البعض ممن يرون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأمر الصحابة بالغناء في الأعراس، وقد روى الشريف حاتم العوني، عضو مجلس الشورى السابق في المملكة العربية السعودية على موقعه الرسمي حديثا يثبت سماع الصحابة للموسيقى والغناء في أعراسهم، على حد تعبيره، وقال: “ثبت أن الغناء الذي كان يُغنى به في الأعراس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غناءٌ بالمزامير والطبول، وليس بالدفوف فقط، كما يذهب إليه محرمو آلات المعازف.. فقد ثبت أن بعض الصحابة رضي الله عنهم في أعراسهم كانوا يستعملون المزامير والكَبَر، والكبر هو الطبل، وكلاهما (الطبل والمزمار) عند المحرمين المعاصرين من آلات المعازف المحرمة؛ حيث إنهم يحرمون الطبول كلها؛ إلا الدُّفَّ خاصة. وأما المزامير: فلا يكادون يختلفون في حرمتها”.
والأغرب أن هناك روايات وقصص تثبت أن بعض الصحابة كانوا يتركون رسول الله على المنبر وحيدا ويُهرعون لسماع الغناء إذا مر قربهم، جاء في تفسير الطبري ومستخرج أبي عوانة وأحكام القرآن للطحاوي وغيرهم، عن جابر بن عبد الله، قال: “كان الجواري إذا نكحوا، كانوا يمرون بالكَبَر والمزامير ويتركون النبي صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر، وينفضون إليها، فعاتبهم الله وأنزل: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما}.
بل وهناك من ادعى بأن النبي نفسه كان يستمع إلى الغناء، وأن الغناء كان يصدح في بيته، جاء في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة إنها قالت: “دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطانِ في بيت رسول الله؟ فقال رسول الله: “يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا”. ولأن هذا الحديث سبب حرجا، قال المؤولون ومنهم الدكتور إبراهيم الفهد بن إبراهيم الودعان في كتابه الموسوم “عشرون حديثًا من بيت النبوة” تحت عنوان غناء الجواري في بيت النبي: “بيت النبي كبيوت المسلمين؛ لأنه بشر يعيش مثلهم، غير أن الله اصطفاه واختاره لرسالته، وجعله أكمل خلقه”. واحتج آخر: بأن الغناء الذي رخص فيه النبي لأصحابه لم يكن هذا الغناء، ولا آلاته هي هذه الآلات، وأنه إنما رخص فيما كان في عهده مما يتعارفه العرب بآلاتهم”.
فضلا عن ذلك جاء في النقول أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يحبُّ الحِداء، واتخذ لنفسه أربعة حداءين، هم: البراء بن مالك، وعامر بن الأكوع، وعبد الله بن رواحة، وعبدٌ حبشيٌ اسمه أَنْجشة. وكان رسول الله ينصب حاديا لركب الرجال وآخر لركب النساء، وفي إحدى السفرات كان أنجشة هو حادي النساء، فأنشد:
وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ​​​وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا”
وفي رواية:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِعَنْ سَبِيلِهْ ​​​قَدْ نَزَّلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهْ
فأعنفت الإبل في السير، أي سارت مسرعة، فقال رسول الله: “رويدك يا أنجشة رفقا بالقوارير”.
وقيل: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) حدا في طريقه إلى الكوفة، قائلاً:
یا حبذا السیر بأرض الكوفة ​​​أرض سواء سھلة معروفة
تعرفھا جمالنا المعروفة

وفق هذه الإباحة المطلقة إلا من وجود بعض المعترضين ممن لا سلطة لهم لإحداث التغيير، بدأ الغناء في عهد الخلفاء الراشدين ولاسيما بعد دخول الجواري والإماء ينتشر في أرجاء المدينة المنورة، وكان طويس (ت: 92هـ) أول من غنى بالعربية في المدينة في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، جاء في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني قوله: أخبرنا الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن المسيبي ومحمد بن سلام الجمحي، وعن الواقدي ابن أبي الزناد؛ وعن المدائني، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، وعن ابن الكلبي، عن أبيه، وعن أبي مسكين، قالوا: أول من غنى بالعربي بالمدينة طويس، وكان طويلاً أحول يكنى أبا المنعم، مولى بني مخزوم، وكان لا يضرب بالعود. إنما كان ينقر بالدف، وكان ظريفاً عالماً بأمر المدينة وأنساب أهلها، وكان يتقى للسانه.
وكان لمدينة الرسول مدرستها الغنائية ولها رجالها مثل: سائب خائر ومعبد بن وهب وابن عائشة وطويس وطريف وحبيب نؤم الضحى وبرد الفؤاد وبديح المليح ونافع وعطرد وابن صاحب الوضوء والدلال والابحر والبردان وقند ورحمة ووهبة الله. ولها نساؤها أيضا ومنهن: عزة الميلاء وجميلة وحبابة وبصبص وفرعة وبلبلة ولذة العيش. وقد اشتهرت المدينة بانتشار الغناء فيها، ووجود جمهرة تحبه وتتابعه وتدافع عنه مما أثار القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وكان عراقياً يميل إلى التشدد في تحريم الغناء، فلما التقى إبراهيم ابن سعيد الزهري بادره مستنكراً: “ما أعجب أمركم يا أهل المدينة في هذه الأغاني، ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها”. قال الزهري: “فغضبت، وقلت: قاتلكم الله يا أهل العراق، ما أوضح جهلكم، وأبعد من السداد رأيكم.. متى رأيت أحداً سمع الغناء فيظهر منه ما يظهر من سفهائكم هؤلاء الذين يشربون المسكر فيترك أحدهم صلاته، ويطلق امرأته، ويقذف المحصنة، ويكفر بربه، فأين هذا من هذا، من اختار شعراً جيداً ثم اختار جرماً حسناً فردده عليه فأطربه وأبهجه، فعفا عن الجرائم وأعطى الرغائب…؟”. فقال أبو يوسف: “قطعتني، ولم يحر جوابا”.
وفي نص لابن عبد ربه في العقد الفريد: سأل الخليفة هارون الرشيد الزهري يوماً: من بالمدينة ممن يحرم الغناء؟ فقال الزهري: من قنّعه الله بخزيه. قال: بلغني أن مالك بن أنس يحرمه. قلت يا أمير المؤمنين أوَ لمالك أن يحرم ويحلل؟ والله ما كان ذلك لابن عمك محمد إلا بوحي من ربه. ولو سمعت مالكاً يحرمه وتناله يدي لأحسنت أدبه. فتبسم الرشيد.
مكة هي الأخرى لم تكن بأحسن حالا من المدينة حيث كان الغناء فاشيا بين الوجهاء والفقهاء وذوي المناصب فيها، الذين كان بعضهم يجيد الصنعة ويتقن حفظ الألحان بنفسه، وفي العقد الفريد أن الأوقص المخزومي وليَّ قضاء مكة، فما رؤي مثله في العفاف والنبل، فبينما هو نائم ذات ليلة في علِّيّة له، إذ مر به سكران يتغنى ويلحن أي يخطئ في غنائه، فاقترب المخزومي منه، وقال: يا هذا، شربت حراما، وأيقظت نياما، وغنيت خطأ، خذه عني، فأصلحه عليه. وقد قيل إنه كانت للغناء بمكة مدرسة من رجالها ابن مشجع وابن محرز وابن سريج والغريض وابن مشعب والهذلي النقاش وعبادل بن عطية وخليل بن عمرو، ومن مغنياتها المشهورات سلامة القس وأختها ريا وخليدة المكية وعقيلة العفيفية وربيحة وهن من موالي ابن شماس ولذا عرفن بالشماسيات
وقد كان الغناء يرافق احتفالاتهم ومناسباتهم، روى ابن عبد ربه أن قاضي مكة حضر مأدبة لرجل من الأشراف، فلما انقضى الطعام اندفعت جارية تغني، فلم يدر القاضي ما يصنع من الطرب، حتى أخذ نعليه وجثا على ركبتيه: وقال اهدوني فإني بدنة.. فالرجل من بسبب كثير طربه شبه نفسه بالأضحية التي يذبحها الحجاج. وهناك في الحجاز مدرسة غناء أخرى هي مدرسة وادي القرى ومن رجالها حكم الوادي ويعقوب الوادي وعمر الوادي وسليمان وخليد بن عتيك. ومن الحجاز انتشر الغناء وفق قواعد يجب الالتزام بها حسب رأى “فارمر” الذي ذهب إلى أن موسيقى الحجاز وغناءه في صدر الإسلام كانت الرصيد الأساسي للغناء العربي التقليدي. كل هذا مع وجود أحاديث صحيحة تنهى عن الغناء والمعازف وتحرمها، لكن يبدو أن تحريم الغناء لم يصمد أمام شدة رغباتهم وحبهم للصوت الجميل يسمعونه من القيان اللواتي حُزن على منزلة يحسدهن عليها الكبار، ومع انتهاء عصر الخلفاء الراشدين واستيلاء الأمويين على الحكم، مع كثرة وفود القيان والجواري اتسعت رقعة الغناء وكثر عدد المغنين، وشاع بين الناس حتى صارت أصوات المغنين تصدح في العالم الإسلامي ولاسيما الشام والعراق، قال الجاحظ عن الخلفاء الأمويين: “كان الخلفاء الأول يستمعون في أوقات فراغهم لقصائد الشعراء ولم يلبث الغناء أن حل محل الشعر فكان معاوية وعبد الملك والوليد وسليمان وهشام ومروان بن محمد لا يظهرون للندماء والمغنين بل كان بينهم حجاب حتى لا يطلع الندماء على ما يفعله الخليفة إذا طرب فقد تأخذ نشوة الطرب بلبه فيقوم بحركات لا يطلع عليه إلا خاص جواريه” أما باقي الخلفاء فكانوا يظهرون للندماء ولا يحفلون بإتيان حركات تثيرها نشوة الطرب كالرقص مثلا، حيث كان يزيد بن معاوية لا يتحرج من الرقص طربا ولاسيما حينما يكون مخمورا ومثله كان يزيد بن عبد الملك يبالغ في المجون بحضرة الندماء.


وكانت للأمويين مجالس طرب وصفها الجاحظ في كتابه التاج في أخلاق الملوك وكيف كلف الناس بالموسيقي والغناء، وكانوا يسرفون في ذلك كل الإسراف، وينفقون ببذخ على المغنين المشهورين والموسيقيين الذين كان الخليفة يدعوهم إلى دمشق من أقاصي البلاد. فاشتري الوليد بن عبد الملك حبابة وكان اسمها العالية بأربعة آلاف دينار. وقد أثر تدفق طبقات المغنين المحترفين على دمشق في أخلاق الناس، وقد سجل أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهير أهله. ومعنى هذا أن الغناء كظاهرة اجتماعية يحرمها الإسلام كان قد تمكن من عقول الناس وتحول إلى عمل مباح له قواعده وأصوله ولا يجرؤ أحد على المساس به من بعيد أو من قريب. وقد وفد إلى العصر العباسي وهو مكتمل الجوانب رصين السبك والصنعة منتظم القواعد والأحكام.
إن كل ما تقدم كان مقدمة للحديث عن كتاب “الخلفاء والغناء” للدكتور علاء الحلي الذي حدد تواريخ بحثه بين سنتي 132 و232 هجرية أي من تاريخ سقوط الدولة الأموية إلى نحو قرن من حكم بني العباس الذين أفادوا من نظام الدولة ونظم الغناء التي بناها الأمويون ومن مؤسساتها المختلفة ومنها مؤسسة الطرب. ولذا كان العصر العباسي هو العصر الذهبي للطرب والموسيقى العربية، حيث ارتقت الموسيقى وزادت مقاماتها وكثرت وتنوعت الآلات وشاع استعمالها. بين الخاصة والعامة. هذا ما أشار إليه ابن خلدون في المقدمة بقوله: “ما زالت صناعة الغناء تتدرج إلى أن كملت أيام بني العباس عند إبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق وابنه حماد”. ومن هذه المدرسة تخرج الخلفاء العباسيون إذ كان بعض خلفاء بني العباس مغنون مجيدون من الدرجة الأولى وقد ذكر ابن خلدون أن الخليفة العباسي الواثق كان أبرع الخلفاء في العزف والغناء.
مع مرور الزمان وتطور المجتمع العربي وتطور الغناء نفسه وتحوله إلى مهنة مربحة، نجد حتى الحداء قد تطور وتحول إلى شعر وأداء بعد أن كان مجرد كلمات لا يهتم قائلها بأسلوب أدائها، ووصل في العصر العباسي إلى ذروة عليائه حتى قيل إن سلام الحادي، صار مضرب المثل بجمال صوت حدائه. ونسجت حوله الأساطير، ومنها: إنه قال للمنصور العباسي: يا أمير المؤمنين مر الجمالين بأن يظمئوا الإبل ثم يوردوها الماء، وحينما أبدأ بالحداء ستترك الشرب وترفع رؤوسها. فأمر له المنصور بما طلب. وبدأ يحدو لها بأبيات:

ألا يا بانة الوادي بشاطئ نهر بغداد​​شجاني فيك صياح طروب فوق مياد
يذكرني ترنمه ترنم رنة الشادي​​إذا اسودت مثالثها فلا تذكر أخا الهادي
وإن جاءت بنغمتها نسينا نغمة الحادي
ويقال إن الإبل عافت شرب الماء ورفعت رأسها كأنها لم تعطش يوماً مع ما بها من حاجة إلى الماء، فتعجب المنصور ومن معه من أمر حدائه، وأمر له بجزية.
كل ذلك بسبب شيوع الغناء وتنوع مبانيه وطرق أدائه وألحانه، روى ابن عبد ربه في العقد الفريد أنه “كان للرشيد جماعة من المغنين، ومنهم إبراهيم الموصلي، وابن جامع السهمي، ومخارق، وطبقة أخرى دونهم، منهم زلزل، وعمر الغزال، وعُلَّوية، وكان له زامر يقال له برصوما، وكان إبراهيم أشدهم تصرفا في الغناء وابن جامع أحلاهم نغمة”. وكان الخليفة الأمين ابن هارون الرشيد من محبي الطرب، غناه إبراهيم الموصلي يوما أبياتا للحسن بن هانئ، فاستخف الأمين الطرب حتى قام من مجلسه وأكب على إبراهيم يقبل رأسه، وأمر له بثلاثة آلاف درهم، فقال إبراهيم: “يا أمير المؤمنين قد أجزتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم”.. فقال الخليفة: “وهل ذلك إلا خراج بعض الكور؟”. وأنا والله لم أعجب من بذخ الخليفة، بل عجبت للقوانين التي وهبت الخلفاء حق فرض الخراج على البلدان بحجة أن ذلك قانون إسلامي ليصرفوا موارده على لذاتهم ورغباتهم المنحرفة.
من هنا نجد بعضهم يتحدى الدين وقوانينه ليبيع لنفسه التمتع بالدنيا ومن هؤلاء الخليفة العباسي المعتصم؛ الذي كان يدافع عن الغناء ضد من يفتون بمنعه، وكثيرا ما تجادل مع قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد الذي كان يمتنع عن حضور مجالس الطرب، ولا يرى فيها إلا تضييعا للوقت والمال. وفي هذا الصدد هناك رواية نصها: “جلس المعتصم يوما يستمع إلى المطرب إبراهيم بن المهدي، ثم تذكر الخليفة شأنا عاجلا من شؤون الدولة، فأرسل يستدعي قاضي القضاة، فلما وصل واقترب من المجلس واستمع الغناء، تملكته الحيرة والاضطراب، وشغله الغناء عن كل شيء حتى سقطت عصاه من يده.. ثم دخل وجلس مستمعا، فلما انتهى المغني كان الطرب قد استبد بالقاضي، فوثب يلتمس من الخليفة أن يأمر بإعادته، فضحك المعتصم قائلا: إن تبت مما كنت تناظرنا فيه من صناعة الغناء سألت عمي أن يعيد غناءه عليه، فقال القاضي: قد تبت من ذلك، ورجعت عن رأيي في الغناء، وتركت مذهبي إلى مذهب أمير المؤمنين”.
أما إبراهيم بن المهدي، فهو ابن خليفة، وأخو خليفتين، وعم ثلاثة خلفاء.. ولم تمنعه مكانته وحسبه من أن يكون مغنيا كبيرا حاذقا، حتى قالوا عنه: هو أحسن الإنس والجن والطير والوحش صوتا، وكان يحفظ الألحان ويجري عليها بعض التعديلات، وكان تصرفه في الغناء محل جدل دائم ومناظرات لا تنتهي بينه وبين إسحاق بن إبراهيم الموصلي. وكانت أخته عُلية بنت المهدي لا تقل عنه حذاقة إذ كانت من أحسن النساء وأظرفهن وأعقلهن في صناعة الألحان حتى قيل: ما اجتمع في الجاهلية والإسلام أخ وأخت أحسن غناء من إبراهيم بن المهدي وأخته عُلية، فكانت تطارحه الغناء.
إن تحول الخلفاء أنفسهم إلى مطربين ومؤدين وموسيقيين، وتعلقهم بالقيان والغناء، وتفننهم في إكرام المطربين والموسيقيين، وتحول مجالسهم وقصورهم إلى قاعات للرقص والموسيقى والغناء كان له الأثر الكبير على موقف الشريعة من الغناء، فبالرغم من الإشارات الكثيرة للمفسرين ولاسيما القدماء منهم إلى أن القرآن حرَّم سماع الغناء، جاء هذا في تفسيرهم للآية 6 من سورة لقمان وهي قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} ذهب لذلك القرطبي في تفسيره ومثله جمع من المفسرين، وقال ابن كثير في تفسيره: “ما ذكر تعالى حال السعداء ، وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه ، كما قال الله تعالى: ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد)، عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى : (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) قال: هو – والله – الغناء كررها ثلاثا.” وكذا قال ابن عباس، وجابر، وعكرمة، وسعيد بن جبي، ومجاهد، ومكحو، وعمرو بن شعيب، وعلي بن بذيمة، والحسن البصري، وقتادة وغيرهم.
بالرغم من ذلك يرى البعض أن الغناء في الإسلام مباح، بعيداً عن مظاهر الفساد والانحلال، لأنه لم يرد أي حديث صحيح في تحريم الغناء على الإطلاق، وبذلك فإن الغناء ما هو إلا كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح، وأن الأصل حل الغناء بدليل أن الرسول لم ينه زوجته عائشة عن سماعه، ولذلك يرى الفقهاء الذين يرون تحريم الموسيقى ومنهم ابن باز أن الغناء بدون موسيقى جائز، بشرط أن لا يكون مشتملاً على أشياء توجب الفتنة، وبشرط أن لا يصد الإنسان عما يجب عليه من إقامة الصلاة مع الجماعة، ويرون أن المحرم في الغناء هو تلذذ الرجل بغناء وصوت المرأة الأجنبية. وقبل هذا هناك في تاريخنا من حلل الغناء ومن الذين يرون تحليل الموسيقى والغناء مثلما أورد العز بن عبد السلام بكتابه الموسوم “رسالة السماع وقواعد الأحكام” وابن دقيق العبد بكتابه “اقناع السوانح” كان أبو حامد الغزالي وابن حزم الأندلسي وغيرهم يرون حلية الغناء. ويرى المرخصون أنه بثبوت الترخيص في ضرب الدف، وهو أحد آلات المعازف، يثبت لغيره من الآلات قياسا بجامع الإطراب، فالأصل في الأشياء الإباحة.
يعني هذا أن الدكتور علاء الحلي انطلق لخوض غمار بحر يملأه القتاد والحسك بالرغم من كونه حاول تبسيط الأمر من خلال الحديث عن التاريخ الاجتماعي الذي يعنى بدراسة حركة القوى الاجتماعية في مجتمع ما ودراسة العلاقات التي نشأت فيما بينها من حيث الانسجام والتناقض، ودراسة شبكة العلاقات الاجتماعية المتغيرة وتطور النظم الاجتماعية والتغيرات التي تطرأ على التغيرات الاجتماعية والقيم.
إن اعتماد الباحث على معطيات التاريخ الاجتماعي في تناوله لهذا الموضوع، كون التاريخ الاجتماعي يعنى بدراسة الجماعات الاجتماعية من حيث تركيبها وعلاقاتها وعاداتها وثقافاتها وفنونها؛ يبدو عملا موفقا مبنيا على أسس علمية متينة ورصينة. ولذا كانت وقفته الأولى مع الغناء بين َّ التاريخ والسوسيولوجيا من خلال سوسيولوجيا الغناء في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ومنهج الأصفهاني في التوثيق التاريخي والسوسيولوجي، وهي كلها مقدمات للولوج إلى لب الموضوع.
وكانت وقفة الباحث البحثية الأولى مع المغنين والمغنيات من النشأة الاجتماعية إلى مدارس الغناء، ولأن الباحث تناول موضوع الغناء في المجتمع الإسلامي من أواسط القرن الهجري الثاني إلى أواسط القرن الهجري الثالث فقد مهد لذلك من خلال الحديث عن تحول حياة العرب من خلال الإسلام إلى أمة غازية تستطيب الغنائم والسبايا وهو الأمر الذي تسبب في دخول المغنين والمغنيات من الفرس والروم وغيرهم إلى المجتمع، وبهم تأثر القوم بما فيهم خلفاء الامبراطوريتين الأموية والعباسية، وأولادهم ومعيتهم وقادتهم حتى فشا الغناء في المجتمع ولاسيما بعد أن أغدق الخلفاء على المغنين ما لم يغدقوه على العلماء والفقراء والأرامل واليتامى. وقد أبدع الباحث في تقصي كل من اشتهر من الخلفاء والأمراء بالغناء فأحصى أسماءهم بشكل متقن ودقيق، وبين أثرهم على المجتمع، ومن ذلك اقتباسه عن اليعقوبي قوله: “كان الرشيد أول خليفة من بني هاشم اتخذ القيان، فتشبه الناس به، وسلكوا سبيله”.
ولغرض تكامل جزئيات الدراسة وترابطها ووحدة موضوعها تناول الباحث طبيعة الغناء في العصر العباسي بالدرس مع الإشارة إلى سوسيولوجيا الموضوعات المغناة، فتحدث عن تحول المغنين والقيان وجواري الغناء في العصر العباسي إلى قوة مؤثرة تأمر وتنهى على هواها وما على الخلفاء إلا الطاعة والرضوخ بعد أن ملكن قلوبهم وسيطرن على مشاعرهم، ويحكى في هذا الصدد أن الخليفة الرشيد غضب على جاريته ماردة وغضبت عليه، فقال العباس بن الأحنف في ذلك شعرا غناه إبراهيم الموصلي للرشيد ولما سمعه بادر إلى ماردة فترضاها، وسألت عن السبب فعرفته، فأمرت للعباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم لكل واحد وطلبت من الرشيد مكافئتهما فأمر لهما بأربعين ألف درهم. بل يتضح من نقول أخرى أن القيان سيطرن على عقول نساء الخلفاء أيضا حيث كان لكل واحدة منهن عدة مغنيات، وكان لأم جعفر مغنية أسمها “هار” تعلق بها مخارق المغني. ويروى أنه كان لعتابة زوج يحيى بن خالد البرمكي مائة وصيفة يُجدن الشعر والغناء والرقص والعزف.
وبالتالي تسبب تفشي الغناء وتكاثر أعداد الجواري في قصور الخلفاء العباسيين بالكثير من المساوئ التاريخية، منها إشغال الخلفاء وإلهائهم عن أداء واجباتهم وانهاكهم بالعلاقات الجنسية التي شغلتهم عن إدارة البلاد ودفعنهم إلى الانحراف، فانتشر الشذوذ والتخنث بين الرجال. كما أدى التضييق على الحرائر واهمالهن إلى تفشي شذوذ السحاق ولاسيما في بلاطي الهادي والرشيد.
وعطف الباحث على شعر ذلك العصر فأشبعه بحثا مقرونا بالأمثلة. فضلا عن ذلك تحدث عن أسباب التغير الكبير الذي طرأ على شعر المرحلة ناسبا ذلك إلى تغير البيئة الاجتماعية للدولة العباسية بسبب دخول عناصر من الفرس والترك والسريان والرومان والبربر وتمازج عاداتهم وتقاليدهم مع عادات وتقاليد المجتمع الإسلامي، وبسبب ذلك أصبح تعاطي الخمور علنا بعد أن كان سرا، وانتشرت الخمارات التي كانت بدايتها في باب الكرخ ثم انتشرت في المواخير في شط الصراه ومطلع الفرات والزبيدية وبصرى والمزرقة والبردان وأوانا والقفص وقطربل، ثم امتدت لتشمل مجلات بغداد المأهولة وأسواقها، فقامت في باب الطاق وسوق العطش ودرب الزعفران والرصافة والسورين وأصبحت قبلة اللاهين والعابثين من سكان المدن العراقية فاجتمع فيها القيان والراقصات والندمان والغلمان والمخنثين كلهم يقدمون خدماتهم للزبائن حتى نسى المجتمع أصله فضاعت الدولة وضاعت الأمة. حدث كل ذلك بعدما بدأ الخلفاء يعاقرون الخمر علنا ويعقدون لها المجالس التي تحتاج عادة إلى المؤنسين والمطربين والموسيقيين، وهكذا تكاملت الحلقة بعد أن كان من جزئياتها الأخرى اللهو بالشطرنج والصيد والتعلق بالغلمان الحسان الذين بلغ عددهم لدى الخليفة المعتصم وحده بضعة عشر ألفاً، وتسبب كل ذلك في ضعف الخلفاء وتسلط المماليك والخدم عليهم، ولاسيما بعد ان حذا الوزراء والأمراء والقادة وكبار رجال الدولة حذو الخلفاء وقلدوهم في غيهم وطيشهم وتركوا أمور الدولة، فتحولت دور الحكومة ودور المتنفذين في البلد إلى أوكار للرذيلة والشذو والفسق والفجور، وكاد الاحتفال بالمناسبات الدينية أن يختفي بعد أن تأثر الخلفاء العباسيون بالأعياد النصرانية كعيد الفصح وعيد الشعانين وبالأعياد والطقوس الفارسية كالنيروز والمهرجانات التي تقام بصحبة اللهو. ولهذه الأسباب تفشى الفقر بين طبقات الشعب بسبب بذخ وتبذير الحكام وأتباعهم، ففي حفلة ختان ابن الخليفة أو في أي مناسبة أخرى كان يُؤتى بأوان مملوءة بالذهب الخالص ومرصعة بأصناف الجواهر يأتي بها الفراشون بزنابيل مملوءة بدراهم ودنانير يصبونها بين أيدي المدعوين وهم عادة من الطبقة العليا وهم يصيحون: إن أمير المؤمنين يقول لكم ليأخذ من شاء ما شاء.
إن اختيار الباحث الدكتور علاء الحلي لهذا الموضوع بالذات فيه دلالة على سعيه لإثبات حقيقة أن التطرف في التعامل مع مستجدات التحضر يؤدي عادة إلى عواقب وخيمة، وأن تطرف بني العباس في حبهم للغناء والجنس واللهو قاد البلاد الإسلامية لتقع فريسة بيد المماليك والعبيد الذين تسلطوا على مقادير الأمة وساموا المسلمين سوء العذاب وتسببوا في ضياع حضارة عظيمة كان لها لو صانها أهلها أن تكون أعظم حضارة في الكون بلا استثناء.
الكتاب بما تضمنه من أحاديث وقصص ومقطوعات شعرية وأخبار يعد تحفة من تحف الأنس المعرفي، وأجمل ما فيه أنه يشجعك على ألا تتركه إلى أن تنتهي من قراءته، وحينما تكمل القراءة ستجد نفسك بحاجة إلى مراجعة بعض مواضيعه أكثر من مرة.
صدر الكتاب عن دار روافد اللبنانية بمائتي صفحة من القطع الكبير، وهو كتاب جدير بالقراءة نظرا للمعلومات الغزيرة المجموعة فيه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق