قراءات ودراسات

الرواية العربية في منعطف الجوائز

محمد العباس

بعد إصداره رواية «زينب» لم يجاهر محمد حسين هيكل باسمه «ترفعاً عن أن يعده أدباء عصره راوية حواديت وفكاهات»، كما جاء في كتاب محمود تيمور «دراسات في القصة والمسرح»، حتى نجيب محفوظ كان يخفي اسمه «بسبب النظرة الدونية للأدب الروائي»، حسب رجاء النقاش في كتابه «نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته وآراء جديدة حول أدبه وحياته»، وهو أمر يعكس السلطة المتمادية للثقافة السائدة، وقدرتها على إرعاب المبدع والحدّ من تطلعاته، وكان يعقوب صروف قد حذر في «المقتطف» من «ضرر الروايات والأشعار الحبية»، كما نهى الشيخ محمد عبده عن السرديات التي يعتبرها منتهكة للأدب بمعناه الأخلاقي والإبداعي. أن تكون روائياً أو قاصاً في تلك اللحظة من الزمن العربي يعني في الوعي الاجتماعي السائد أن تكون مهرجاً، أو على الأقل تكون أمام تهمة مفادها أنك تكتب ما لا ينفع الناس ويهدّد اللغة ومنظومة القيم العربية، حيث كان العقاد، الذي يباهي بعدم قراءته للروايات الأدبية، يصنّف الراوية في مرتبة أقل من الشعر، ولا مجال لمقارنتها بالنقد أو البيان المنثور، حسب تعبيره، وعلى الرغم من كونه قد كتب الرواية إلا أنه تعامل معها كفن مبتذل، تماماً، كما كان زكي مبارك يعتبر كُتّاب الرواية من المنتمين إلى الطبقة الدنيا من الأدباء، وهو تصور قاصر لم ينج منه لا توفيق الحكيم ولا الرافعي، إلى آخر القائمة.
وبعد رحلة طويلة من السجالات والمخاضات أعلن جابر عصفور أنها – أي الرواية العربية – نجحت في الحد من سطوة الشعر لتصبح ديوان العرب الجديد، حيث راكمت الخبرات الفنية والموضوعية لتعبر عن أشواق وقضايا الإنسان العربي، من خلال التماس مع العالم الآخر، والتفاعل مع مختلف الأجناس الأدبية، والانفتاح الجمالي والمضموني على كل ما يمكن أن يرقى بها كأداة تعبير عصرية تستحق بموجبها المكانة المأمولة. 
كما تتمثل كمصب للحداثة الإجتماعية، وذلك في وقت قياسي، إذ لم يعد لمساجلات منتصف القرن التاسع عشر حول شرعيتها وفنيتها وأخلاقيتها أي مبرر، مقابل حضورها الفاعل منتصف القرن العشرين على كل المستويات الكتابية والقرائية.
لم تحقق الرواية العربية تلك القفزة بمعزل عن نجاحات الرواية العالمية التي كانت تتقدم المشهد العالمي وتتسيّده كأداة تعبير إنساني في ظل تراجع مختلف الأجناس الأدبية، ولم يكن للإنسان العربي أن يعيش فعلياً ما سُمي بعصر الرواية لولا تلك الاندفاعة العالمية نحو الرواية، حيث تمكن الروائي العربي حينها من مخاطبة نواحي قصيّة في الإنسان العربي، كما عكست حقبة الستينيات قدرة الروائيين العرب على التعبير عن التحولات الاجتماعية وتداعيات الهزيمة السياسية من الوجهة الموضوعية، إلى أن أطلت حقبة السبعينيات لتمارس الرواية العربية التجريب بمستوياته المنفتحة والمتنوعة وتتجاوز التجربة المحفوظية الراسخة،
هكذا كانت الرواية تشرعن وجودها وتعلن أحقيتها وجدارتها الفنية، وفي الآن ذاته كان الروائيون يتدربون على ارتياد المناطق المحرّمة واستدعاء كل الموضوعات المسكوت عنها، سواء بتقليد الآخر، أو اكتساب خبراته التعبيرية، أو ابتكار جماليات سردية ذات طابع خاص، حيث كانت الرواية آنذاك بأشكالها الواقعية والرومانسية تشكل صورة من صور الحداثة الاجتماعية، وإن لم تختلف كثيراً عما سبقها من خطابات روائية طهورية، تبالغ في استظهار البطولات الفردية واختلاق الأوهام والاستغراق في التوصيفات، وكأن الروائي العربي قد اكتشف أرضاً جديدة يتعلم الخطو فيها أو يعيشها باستيهامات من عندياته، تجاوباً مع تململ 
الإنسان العربي مما اعتاده ومطالباته بالتغيير في ظل تحولات الذوق العام.
على هذا الأساس يميل معظم الذين أرخوا للرواية العربية إلى تحقيبها إلى ثلاث مراحل على درجة من الارتباط بالتحولات السياسية، حيث تنتهي مرحلة التأسيس الأولى عند هزيمة حزيران/يونيو بآثارها العسكرية والاجتماعية والنفسية المدمرة، لتبدأ الحقبة الثانية التي تنتهي حتى نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات بسقوط جدار برلين وتفكُّك الاتحاد السوفييتي والغزو الأمريكي للعراق، ثم اتفاقية أوسلو بكل ما اعترى تلك اللحظة من ارتباكات أيديولوجية، لتبدأ المرحلة الثالثة التي لم تخل من وقائع مزلزلة كحدث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول واحتلال العراق في ما بعد، بما تحمله تلك الأحداث من آثار عميقة في وجدان الإنسان العربي، حيث تراكمت الإحباطات وباتت الهزيمة الحضارية بكل معانيها وتمثلاتها المادية واللامادية أمراً واقعاً.
هكذا دخلت الرواية العربية مرحلتها الثالثة وهي في حالة من التيه والارتباك والبحث عن التنوع واستبدال مرجعياتها السوسيولوجية، إذ تخلت الرواية الفلسطينية عن مرجعية المخيم واستعادة مآسي ومشاهد النكبة، كما تخففت الرواية اللبنانية من مرجعية الحرب الأهلية، وكانت الرواية المصرية قد غادرت فضاء الحارة وابتعدت عن ضغوطات هزيمة يونيو وانتصار أكتوبر/تشرين الأول، فيما كانت الرواية المغاربية باختلاف أطيافها تتخلص من عبء اللحظة الاستعمارية وتستأنف الحديث عن الحزبية السياسية، حتى الرواية العراقية لم تتوقف كثيراً عند محطة الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق، إذ سرعان ما غادرتها إلى آفاق موضوعاتية وتعبيرية مختلفة، كما أعلنت الرواية الخليجية انفصالها عن نسقي البحر والنفط والبحث عن موضوعات أكثر إلحاحاً.
كل ذلك حدث في مهب العولمة التي أنتجت الكائن المعولم، وكأن الرواية العربية حينها بقدر ما كنت تغادر مرجعياتها السوسيولوجية كانت تنفصل عن مبررات وجودها التعبيري، على الرغم من كل تلك الارتدادات التجريبية للاغتراف من التراث، واستعادة الهوية عبر ممرات اغترابية كما يتوفر ذلك المنحى في تجربة جمال الغيطاني مثلاً، بمعنى أنها كانت تعبر طوراً من التهجين بعد انهدام مركز التوجيه، أو ربما ارتيادها لآفاق أوسع من طاقتها، حيث دخل إلى نادي الروائيين طابور طويل ممن يفتقرون إلى تقاليد السرد وإلى الخزين المعرفي والوجداني الكفيل بتأصيل المرحلة الثالثة، مع غياب واضح للنقد الروائي الذي بدأ يشكل ملامح خطابه بالمعنى المنهجي مع بداية هذه المرحلة بالتحديد، وبروز آلة إعلامية ضخمة تعمل كرافعة دعائية تجارية لا ثقافية لفصيل من الروائيين، كما يحدث ذلك في ظاهرة أحلام مستغانمي – مثلاً – التي يمكن التأريخ بها لرواية الخواطر الخالية من البنائية.
ويبدو أن أخطر منعطف تعبره الرواية العربية حالياً يتمثل في التلويح بالجوائز المالية الهائلة، التي صارت تهدد بالفعل الخطاب الروائي العربي وتبعد الروائيين عن قضاياهم المركزية، وعن مرجعية الإنسان. وإن كان هذا البعد لا يلغي منظومة من الأخطار التي أدت إلى تردي الرواية العربية سواء على مستوى المضامين أو الأداء الفني، إذ بات من الواضح وجود تراجع في أداء الروائيين، فالأحداث السياسية بعنوانها الكارثي لم تعد سوى مادة لتزييت الرواية وتحريكها في فضاءات معروضة إعلامياً، ومن يتأمل رواية من روايات الثمانينيات – مثلاً – بكل ما تختزنه من شوائب الأيديولوجيا، سيلاحظ الفرق في الثيمات والأداء السردي ومنسوب خبرة الكاتب الفنية والحياتية وتقنية البناء الروائي مقارنة باللغو الذي يتراكم في معظم روايات الحقبة الحالية، حيث تم انتهاك ميثاق القراءة ما بين الروائي والقارئ لصالح تسوية معلنة مع المؤسسة الثقافية.
هذا هو ما يستدعي طرح السؤال عن أهمية الحدث السياسي بمعناه الحضاري في مصب الرواية العربية، لأن الجدل المعرفي المطمور في البنى العميقة لروايات الطيب صالح وغسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا والطاهر وطار وعبدالرحمن منيف وغيرهم من الروائيين هو ما جعل تلك الروايات وغيرها تُراكم خبرات الخطاب الروائي، لأنها تخاطب قارئاً يعادل الذات العربية بكل طموحاتها وإخفاقاتها وارتباكاتها وهزائمها وشاعريتها، أما رواية اليوم فهي منذورة لمنصة إعلامية خالية من روح الثقافة النضالية بمعناها الواسع المتجاوز للحزبية والأيديولوجية، ولجائزة لها مواصفات استعراضية معروفة ومعرّفة، وهذا لا يعني وجود استثناءات لها مكانتها وإسهامها، كرواية «عزازيل» ليوسف زيدان مثلاً، أو رواية «ساق 
البامبو» لسعود السنعوسي، حيث استطاعت هذه الروايات وغيرها الإفلات من مفاعيل السلطة التي أرادت للرواية العربية أن تعيد إنتاج نفسها بمواصفات وإيقاع يتناسب مع إيقاع إعادة إنتاج القبيلة لذاتها.

كاتب سعودي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق