ثقافة المقال

عتيق رحيمي في “ملعون دستويفسكي” بين “راسكوالنيكوف” دستويفسكي و” ميرسو” كامو..

د. برهان شاوي

” ملعون دستويفسكي” وليس كما على غلاف الرواية بترجمتها العربية ” ملعون دستوفسكي”..؛تحفة روائية وأنموذجا باهرا للتناص الروائي الأصيل..فقد قدم عتيق رحيمي “الجريمة والعقاب” بنسختها الأفغانية الأصيلة..لكنه لم يتطابق مع دستويفسكي في بناء شخصية البطل “راسكولنيكوف”..؛ فالبطل “رسول” ليس هو النسخة المطابقة لبطل دستويفسكي..فهو لم يكن مأخوذاً بفكرة البطل الخارق الذي يحق له ما لا يحق لغيره مهما اقترف لتطبيق فكرته من جرائم..وإنما قتل المرأة العجوز انتقاما، لأنها قوادة استغلت فقر خطيبته لتجعل منها مومساً..وهنا خلط رحيمي الأوراق بشكل خطير.. مع ملاحظة أن “رسول” لا يكسب تعاطف القارئ، فنحن لا نستطيع أن نستشف طيبته وشفقته على الفقراء ورحمته، حتى وهو يعطي نقوده للآخرين، مثلما نحسها ونتلمسها عند راسكولنيكوف في علاقته مع عائلة مارميلادوف ومنحه كل ما أرسلته له أمه من مال من أجل تسديد مصاريف دفن رب الأسرة الذي سحقته عربة مسرعة، أو شعوره الأخلاقي المدمر وتأنيب الضمير الذي يطهره كإنسان بعد اقترافه جريمة قتل العجوز.

موهبة رحيمي الباهرة تجلت بشكل كبير في إيجاد المعادل الموضوعي الأفغاني لأحداث رواية دستويفسكي “الجريمة والعقاب”..مع اختلافات جوهرية في فكرة الرواية الأساسية وليس في شكلها.

في ” ملعون دستويفسكي” لا يقترح رحيمي حلاً دينيا، صوفياً، مسيحياً لبطله “رسول” الذي اقترف جريمة قتل عبثية..فهو لم يسرق شيئاً..ولم يأت لينتقم من “حشرة تمتص دماء الناس”..وإنما جاء لينتقم أخلاقيا من القوادة”نانا عليا” لينقذ خطيبته : صوفيا” من براثنها القذرة.

وحتى في صراعاته النفسية ومحنته الأخلاقية فالبطل “رسول” أجده أقرب من “ميرسو” بطل رواية “الغريب” للبير كامو..بعبثيته الوجودية ولامبالاته بالموت، وسخريته من الحكم الصادر بحقه وانتظاره العبثي للقصاص المرعب..شخصية تعبت من الحياة..وتواجه وجودها بلامبالاة حتى بالخلاص ..فهو كم يردد في أكثر من موقع من الرواية يعيش في اللامكان.. شخصية فقدت صلاتها مع الواقع المحيط بها فهي تعيش في تهويماتها، غير مبالية بالحرب والإتفجارات والصواريخ المتساقطة والأخوة الأعداء الذين يقتل بعضهم بعضا..يسير باحثاً عن امرأة تلبس التشادور الأزرق السماوي التي معها اختف جثة القتبلة بطريقة غامضة.

بل حتى شخصية “سونيا مارميلاودفا” المومس، وحبيبة راسكولنيكوف عند دوستويفسكي، لا تشبه شخصية “صوفيا”، خطيبة “رسول” ، الشخصية الموازية لها لدى رحيمي..فلا الكتاب المقدس ولا طهرانية أخلاقية مبالغ فيها..ف”صوفيا” لدى رحيمي ليست “المومس الفاضلة”..وليست تلك الشخصية المتدينة، بل هي فتاة أفغانية فقيرة تجد نفسها معيلاً لأمها ولأخيها الصغير ، وتذهب عند القوادة “نانا عليا” لتعمل لديها.

ناهيك أن تحويل “المرابية العجوز” إلى “القوادة نانا عليا” قد خلخل الزاوية الأخلاقية التي يمكن أن تبنى عليها الأحداث..ومفهوم العقاب..لاسيما في ظل حكومة متهسترة في تطبيق الشريعة الإسلامية..! بل والضربة الخاصة التي قد تُحسب لرحيمي أو تعتبر ضده سرديا هو إختفاء جثة القوادة القتيلة دون أن نعرف مصيرها أو يكشف لنا الكاتب عن لغز هذا الإختفاء.

في سير المحاكمة والمحكمة والقضاة تجلت موهبة عتيق رحيمي..فهو لم يجسد لنا بصورة قاسية وحشية الحكم بحق بطله وإنما وضع الشريعة الإسلامية وفوضى أحكامها على البشر في قفص الإتهام.. من خلال تصوير تلك الهستيريا الدينية وتلك الوحشية التي رافقت بناء دولة طالبان في أفغانستان.

بالتأكيد لم يأخذ رحيمي أحذاث رواية الكاتب الروسي بحذافيرها ويستنسخها وإنما أخذ خطوطها العريضة ومساراتها الكبرى.. فرواية عتيق رحيمي هي قصة الجريمة..والجريمة وحدها..

إن عتيق رحيمي لم ينس “العقاب”، لكنه رفض العقاب الذي جاء باسم الشريعة الدينية الإسلامية بقطع يد البطل اليمنى ورجله اليسرى ثم إعدامه..مثلما رفض فكرة دستويفسكي الدينية من خلال الخلاص المسيحي..بل إنه جسد لنا حيثيات الحكم بحيث أن العقاب هو بحد ذاته جريمة..!! والقضاة والحكام هم مجموعة من المجرمين والمتهسترين دينيا..كما أن البطل “رسول” كما ذكرت يبدو لنا بطلا لامنتيما حسب تعبير كولن ولسن أو بطلا غير مباليا وعبثيا مثل بطل كامو في رواية “الغريب”.. أن يعيش البطل في مجتمع منحط وقاس مثل ذاك هو العقاب بعينه.

“ملعون دستويفسكي” لعتيق رحيمي تحفة روائية وفص سردي سيبقى متوهجا طويلاً…

لكن ربما من الضروري هنا أن أبدي ملاحظة على غلاف الكتاب بنسخته العربية الصادرة عن دار “دال” ..فقد أخطأت الدار في العنوان فالصحيح “دستويفسكي” وليس “دستوفسكي”، كما لم أجد أية علاقة للحذاء الأحمر بالرواية كلها..على العكس..كان التشادور الأزرق السماوي هو المهمين على روح النص..بل وجدت غلاف طبعة “دار الساقي” هي الأدق.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق