قراءات ودراسات

أدب الأطفال المترجم في سوريا: حرب الإيديولوجيات

نور أبو فرّاج

تتضمّن كتبُ الأطفال مقولاتٍ تختلف باختلاف البلدان التي أنتجتْها، وتصوِّر كلٌّ منها حاجاتِ الطفل وبنيتَه المستقبليّة. في هذا المقال، نستعرض أبرزَ قيم الأدب المترجَم في سوريا، التي قد تتناقض، أو تتدرّج من العموميّة إلى التخصيص، ومن البساطة إلى التعقيد.

فهناك مستوًى أوّل يتضمّن الخصالَ الأخلاقيّةَ البسيطة التي يريد الأهلُ من أبنائهم أن يتمثّلوها: كنبذِ الكراهيةِ والغرور، واحترامِ قيم الصداقة والتواضع. وهذه القيم هي التي تتصدّر المؤلَّفاتِ الموجَّهةَ إلى الطفل، ربّما لأنّها تبدو قيمًا مُتفقًا على إيجابيّاتها وضرورتها في بناء شخصيّة الطفل.

لكنْ ثمّة مستوًى ثانٍ أكثرُ تعقيدًا. فمثلًا، تحتفي كتبُ الأطفال أحيانًا بالشخصيّات الذكيّة، لكن المحتالة، التي تستغلّ غيرَها للوصول إلى مآربها. ففي كتاب الأشجار والفأس[1] حكايةٌ عن ثعلبةٍ تُقْنع دبًّا، عامًا بعد آخر، بأن يسمحَ لها بزراعة حديقته، على أن يتقاسمَ الاثنان المحصولَ؛ لكنّها تنجح دائمًا في إعطائه الجزءَ غيرَ الصالح للأكل. وفي قصّةٍ أخرى من هذا الكتاب، تُعاقَبُ الرذيلةُ بقسوةٍ مفرطة؛ فحيواناتُ الغابة تعاقب الزرافةَ المغرورةَ بوضع الدبق على الأغصان المُورقة التي تتناولها، فيلتصق لسانُها بفمها وتصبح خرساء!

وهناك مستوًى ثالث يختصّ بالتصدّي لمخاوفَ مركّبة: مثل الخوف من الموت، أو قلق الانفصال عن الأهل، وتحديدًا في ظروفٍ استثنائيّةٍ كالحرب. وفي هذا الصدد يعايش الأطفالُ السوريون منذ العام 2011 واقعًا شديدَ الصعوبة؛ ذلك أنّ خبراتِهم التي يكتسبونها في المدرسة والحيّ تجاوزتْ في تعقيدها تلك المقولاتِ المبسّطةَ التي قد يقرأونها في الكتب عن ضرورة طاعة الوالدين وأهميّة الصداقة وقيم الخير والتواضع وغيرها.

والحقّ أنّ الكثيرَ من كلاسيكيّات أدب الأطفال قد أُنتجتْ إثر حروبٍ طاحنة، أو جاءت لخدمة أغراضٍ إيديولوجيّةٍ متعدّدة. يُذكر مثلًا أنّ الأخوين جريم (1785 ــــ 1863) جَمعا الحكايات الشعبيّة بهدف إنجاز عملٍ يُسهم في توحيد الأمّة الألمانيّة المجزّأة.[2] كما ظهرتْ أثناء الحرب العالميّة الثانية وما تلاها أعمالٌ أدبيّةٌ استهدفتْ مساعدةَ الأطفال على نسيان كابوس السنوات المنصرمة، وأشهرُها مترجمًا إلى العربيّة: رواية عشرون ألف فرسخ تحت البحر لجول فيرن، والبؤساء لفيكتور هوغو، والأمير الصغير لسان أكزوبيري.[3]

***

لا يمكن الحديثُ عن صراع الإيديولوجيّات في مجال أدب الأطفال من دون التطرّق إلى صراع المعسكريْن الاشتراكيّ والرأسماليّ. ففي سوريا، تحديدًا، أدّى الاتحادُ السوفياتيّ، عبر دارَي التقدّم ورادوغا، دورًا كبيرًا في تشكيل وعي أجيال الثمانينيّات والتسعينيّات التي ترعرعتْ على كتب الأطفال المترجَمة عن الروسيّة وعن باقي قوميّات الاتحاد السوفياتيّ والدولِ التي تدور في فلكه. واليوم، لا تزال هذه الكتبُ متداولةً في السوق السوريّة جزءًا من إرث الطفولة التي يرغب الآباءُ في نقلها إلى أبنائهم، على الرغم من مرورِ ما يقارب الأربعين عامًا على ترجمتها.

استطاعت التجربةُ السوفياتيّة وضعَ منهجٍ متكاملٍ في ما يتعلّق بالنظرة إلى الطفل وحاجاته. وهذا المنهج قائمٌ على الاهتمام بالشقّ الأدبيّ (أشعار وقصص شعبيّة مترجمة مثل: حكايات الجاهل وأنا أنمو وأكبر)، إلى جانب الشقّ العلميّ (المستمَدِّ من أسس الفلسفة الماديّة وشرح مبادئها بصورةٍ مبسّطة متل كتاب الفيزياء للصغار والمنشورات التي تتناول علمَ الفضاء وعلمَ الأحياء). ويرى بعضُ الأكاديميين أنّ غاية البلدان الاشتراكيّة من الاهتمام بأدب الطفل كانت واضحةً، لكون الكِتاب في نظرها أداةً لبناء شخصيّة الطفل، مواطنِ “المستقبل الاشتراكيّ.”

هذا الوضوحُ في الغاية، من ناحية، والإنتاجُ الضخم المترجَمُ من كتب الأطفال إلى العربيّة، من ناحيةٍ أخرى، أراحا القائمين على منشورات الطفل في بلدانٍ مثل سوريا، إذ وضعا تحت تصرّفهم منهجًأ متكاملًا ومتّسقًا في التعامل مع الطفل. وهذا ما يفسّر، في نظرنا، حالةَ العشوائيّة والفوضويّة التي اتّسم بها أدبُ الأطفال المُترجَم في سوريا بعد انهيار الاتحاد السوفيتيّ، ولا سيّما أنّ سوريا لم تستطع خلقَ نموذجٍ خاصٍّ بها في مجال أدب الطفل.

على أنّ تأثيرات المعسكر الاشتراكيّ لم تقتصرْ على الكتب المترجمة الروسيّة، بل امتدّت إلى تعريف العالم ببعض كتّاب أدب الأطفال اليساريين المبدعين، ومن أبرزهم الكاتبُ الإيطاليّ جياني روداري، الذي تستحقّ أعمالُه وقفةً خاصّة.

لم تستطع سوريا خلقَ نموذجٍ خاصٍّ بها في مجال أدب الطفل

***

تَعرّفَ القرّاءُ السوريون الصغار إلى أعمال روداري، التي تُرجمتْ بمعظمها عن الروسيّة، من خلال ترجمات وزارة الثقافة السوريّة وهي: مغامرات تشيبوللينو (1999)، ورحلة السهم الأزرق (1999)، وحكايات عبر الهاتف (2007)، وأساطير رومانيّة (2011). وتتميّز أعمالُ روداري بتقديمها نمطًا مركّبًا من القيم، ينطلق من اليوميّ والبسيط، وصولًا إلى مضامينَ سياسيّةٍ ذاتِ طابعٍ إيديولوجيّ.

* في مغامرات تشيبوللينو تشريحٌ لمجتمعٍ طبقيٍّ كامل، أبطالُه من الفاكهة والحيونات. فالبارون برتقالة، مثلًا، يكره النومَ لأنّه حين يغفو لا يستطيع أن يلتهم القطعانَ والمحاصيل. وهناك أيضًا فئةٌ تعمل على تسيير شؤون الحكّام والإقطاعيين، وتتضمّن السجّانين وقوى الأمن، مثل الفارس بندورة. أمّا المعلم بقدونس فيمثِّل النظامَ التعليميّ الساعي إلى تكريس قيم الإقطاع وغرسها في الجيل الجديد، ومنها احترامُ آداب التصرّف ونبذُ الفقراء. وهناك أيضًا المحامي بازيلّاء، الذي يعمل على شرعنة جميع تصرّفات الطبقة الحاكمة، وسنِّ القوانين التي تُبرِّر سلبَ مقدِّرات الضيعة، مثل فرض ضرائب على الهواء والطقس. وفي مقابل هؤلاء جميعهم، هناك الطبقة الكادحة، ممثّلةً في عائلةٍ من البصل (يقول روداري في هذا الصدد: “حين يوجد البصل توجد الدموع”).[4]

تنطلق شرارةُ القصّة حين يرغب حاكمُ البلاد في زيارة المنطقة الفقيرة، لتنتهي الزيارةُ باعتقال أبٍ مُسنّ، وانطلاقِ الابن الشجاع تشيبوللينو في رحلة لإنقاذ أبيه وإعلان الثورة وتحرير المساجين وقلب صورة المجتمع رأسًا على عقب. وعلى الرغم من أنّ العمل يركّز على قيم الصداقة والحبّ واحترام الأسرة، فإنّه يتجاوز البعدَ التربويّ ليقدّم قيمًا سياسيّةً واضحةً تتعلّق بنصرة المحتاجين والدفاع عن الحقّ والشجاعة ورفض الذلّ. كذلك يسعى العملُ إلى غرس كراهية الطبقة المسيطرة، وتصوير آليّة تفكيرها القائمة على الانتهازيّة والتشفّي بآلام الآخرين وتبرير فعل أيّ شيء لخدمة مصالحها.

*أمّا في رحلة السهم الأزرق فيصوِّر روداري مغامرةَ دُمًى قرّرت الهربَ من متجر ألعاب، ليلةَ رأس السنة، بحثًا عن طفلٍ فقيرٍ ظلّ يتأمّلها عامًا كاملًا من دون أن يستطيع شراءَ القطار الأزرق الذي رغب فيه. الحكاية تذهب أبعدَ من مسألة توزيع الثروة وحقّ الأطفال الفقراء في الحصول على ما يرغبون فيه ويحتاجونه؛ فالألعاب التي ركبت القطارَ الأزرقَ بحثًا عن طفل واحد انتهت إلى التسلّل إلى جانب أطفالٍ كثر يفترشون الأرضَ في الأقبية والبيوت المتهالكة.

ثمّ إنّ الكتاب لا يعتمد على نبل مقولته فقط، بل كذلك على براعة توظيفه لعناصر التشويق، والانتقال الذكيّ بين الكوميديا والدراما (في أحد المقاطع، مثلًا، تُقرّر دميةٌ البقاءَ بجوار طفلة تنام على الأرض في ليلةٍ عاصفةٍ مُثلجة، لتكتشف في الصباح أنّ الفتاة كانت ميتةً وأنّ رغبتها في إسعادها لم تكن كافيةً لإنقاذها!).

يبدو الفقرُ في الرواية، كما هو في الواقع، قاسيًا وفجًّا. لكنّ روداري ينجح في إدخال عنصر الخيال للتخفيف من جرعة الألم، ولبثّ القليل من الأمل. فأقلامُ التلوين ترسم للطفل الجائع هاتفًا سحريًّا يُمكّنه من الاتصال بعشرات الأشخاص الجائعين مثله؛ والطفلُ الذي لم يحصل على القطار الذي أراده، حصل على كلبٍ سيصبح صديقَه، وذهب القطارُ إلى طفلٍ آخر قد يحتاجه أكثر.

***

لكنْ، وعلى الرغم من أنّ التأثيرات الاشتراكيّة لا تزال موجودةً في أدب الأطفال المترجَم في سوريا، فإنّنا نلحظ في المقابل حضورًا لقيم التيّار المضاد، التي تدعو إلى قبول المنظومة القائمة كما هي.

فعلى سبيل المثال، تحكي قصّة أنا والزرافة والبجعة[5] عن أعضاء فرقة تنظيف شبابيك، مؤلَّفةٍ من بجعةٍ وقردٍ وزرافة، يبحثون عن عمل، ويُقْنعون أغنى دوق في بريطانيا بكفاءتهم حين يقطفون حبّاتِ كرزٍ في شجرة عالية بعد فشل البستانيّ في ذلك. كما ينجحون في غسل النوافذ الأكثر ارتفاعًا في القصر، ويكشفون أثناء ذلك عمليّةَ سرقةٍ تجري في غرفة الدوقة، فيعيدون الأموالَ والمجوهراتِ المسروقةَ إليها، ويكسبون مقابل ذلك فرصةَ عملٍ ثابتة، فيعيشون مع الدوق في قصره. وبذلك تستطيع الزرافةُ من داخل القصر تناولَ زهور الأشجار النادرة التي اعتادتها في إفريقيا، فيما تتناول البجعةُ السلمونَ الذي يسبح في نهرٍ يملكه الدوق. وبذلك استطاعت الحكاية تكثيفَ بعض قيم الرأسماليّة، والترويجَ للعولمة متمثّلةً في القصر الذي يختصر تنوّعَ قارّات العالم.

***

في المحصّلة، من البدهيّ أن يعكسَ أدبُ الأطفال المُترجَم قيمَ المجتمعات التي انطلق منها. لكنّ ذلك يحيلنا على قضيّة غياب التصوّر الواضح لِما يُراد قولُه للأطفال السوريين من خلال هذا الأدب. فحين يغيب المشروعُ الوطنيّ في مجال أدب الأطفال، من الطبيعيّ أن يلجأ الكبارُ إلى التقريع والمقولات الأخلاقيّة البسيطة، متجنّبين طرحَ الأسئلة المركّبة على أنفسهم أو على أطفالهم.

إنّ محاولة خلق “عادات قراءة،” أو محاولة إنقاذ هذه العادات، لن تتمّ إلّا إذا وَجد الطفلُ العربيّ بين صفحات الكُتب أصدقاءَ يأخذون بيده من أجل الانتقال بين عوالم الواقع والخيال، بحيث يستطيع أن ينمو ويضحكَ ويُفكّرَ في رفقتهم.

دمشق

[1] مجموعة مؤلّفين، الأشجار والفأس، ترجمة عيسى فتوح (دمشق: وزارة الثقافة، 2015).
[2] سمر روحي الفيصل، أدب الرياض والأطفال والفتيان (دمشق: وزارة الثقافة، 2017)، ص 81.
[3] مجموعة مؤلّفين، أدب الأطفال والفتيان في العالم، ترجمة نادر ذكرى (اللاذقيّة: دار الحوار، د.ت)، ص 42 .
[4] جياني روداري، مغامرات تشيبوللينو، ترجمة عيّاد عيد (دمشق: وزارة الثقافة، 1999)، ص 3

[5] روَلد دال، أنا والزرافة والبجعة، ترجمة ميرنا أوغلانيان (دمشق: وزارة الثقافة)، 2016.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “أدب الأطفال المترجم في سوريا: حرب الإيديولوجيات”

  1. القول بهذا التعميم الجارف بأن (سوريا لم تستطع خلقَ نموذجٍ خاصٍّ بها في مجال أدب الطفل) لا يعكس إلا استضعافا واستهجانا ضمنيَّين بسوريا كبلد عريق وكشعب عظيم (وأقصد الشعب الثائر منه تحديدا)! ومن هي هذه (الكاتبة السورية) أصلا حتى تخوِّل لنفسها هذا التكلُّم َ (الحرَّ) عن سوريا بهذا التعيم الجارف والساحق؟
    ومن منا لا يعرف الآن في هذا الزمان العصيب بأن (عدم الاستطاعة) هذه ليست إلا وليدةَ كل تلك الأعمال الفظيعة، أعمال القمع والقهر والظلم والعسف ،التي كان، وما زال، يقوم بها أزلام نظام آل الكلب (الاسم الحقيقي لآل الأسد)، هذا النظام الطائفي المافْيَوي الإجرامي المتوحش، يقوم بها على مدى أكثر من خمسين عاما منذ استيلائه على مقاليد الحكم بالخديعة والدسيسة والعمالة للأجنبي في أواخر الستينيات من القرن الماضي حتى هذا اليوم بالذات؟!

  2. أؤيد بشدة كلام الأخت المعلقة سلمى سعيد ففيه عين الصواب والحق يُقال
    سوريا بلدا وشعبا بالمعنى المقصود في التعليق تحفل بالطاقات الإبداعية الهائلة
    كانت من الممكن أن تجعل هذا البلد العريق في مصاف البلدان الأكثر تقدما في العالم
    لولا أنها ابتُليت بنظام آل الجحش (اسم آخر لآل الأسد) الذي دمر كل شيء بتوحشه وإجرامه
    فأن تقول “الكاتبة” بأن سوريا لم تستطع خلق نموذج أدب أطفال خاص بها دون ذكر هذه الأسباب
    فأن تقول بهذا التعميم الماحق إنما فيه إجحاف جلي بحق الشعب وتبرير خفي لـ”حقوق” الطغاة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق