قراءات ودراسات

جناية السياسي على الثقافي

د.مخلوف عامر

إنه من السذاجة الفصل بين السياسي والثقافي، وإلا وقعنا فريسة سياسة رديئة. لكنَّ هناك حدوداً للتمييز بين الحقليْن ضرورية. ولا بد أن نأخذ في الحسبان الأوْضاع القائمة لقراءة أية ظاهرة. فعندما نلتفت إلى تاريخنا القريب، وإلى النصف الأول من القرن العشرين تحديداً، يوم كانت حركات التحرر في أوجها، لا نملك إلا أنْ نقدِّر جهود أولئك الذين واجهوا الغزو الثقافي بإمكانات محدودة بدْءاً من الكتاتيب والزوايا إلى أولئك الذين جعلوا من الفرنسية “غنيمة حرب”. فبالرغم من الفقر وقساوة الظروف، كان الطفل ينهض باكراً يذرع اللوْحة صعوداً ونزولاً، وجسده المُتعب في حركة متواصلة إلى أمام وإلى وراء، يُلجلج ما تيسَّر من القرآن. وإذا ما حفظ قسماً منه، زيَّن لوحته بالسَّمَق وصفار البيض، وترى والديْه مَزْهوَّيْن بهذا الإنجاز لما فيه من تعبير عن حضور الذات أو البحث عن هوية مفقودة أو يشعر أنها مُهدَّدة، ولم يبقَ منها في تقديره- يومذاك- إلا بعض رموزها: قلم قصبي ووذَحٌ ودواة وشيخ لا يملك من البيداغوجيا إلا عصاه والفلقة.

فليس من حقنا اليوم أن ندين مواقفهم أو نتنكَّر لهم، لأنهم تمسَّكوا بالدين أو لغة الدين حتى ولو كان شعارهم ((ليس في الإمكان أفضل ممَّا كان)). فكل ما له علاقة بالثقافة والأدب كان يجب توظيفه لخدمة القضية الوطنية.

انتشرت الكتابات التاريخية والمسرحية منذ ثلاثينيات القرن الماضي وما بعدها لتؤكد الفكرة ذاتها وهي أن الجزائر كيان تاريخي مستقل وعريق وكان من هذه المؤلفات التاريخية مثلا:(تاريخ الجزائر في القديم والحديث) لـ:”مبارك الميلي”و(تاريخ الجزائر العام) لـ:”عبد الرحمن الجيلالي) ومن المسرحيات(حنبعل) لأحمد توفيق المدني و(يوغرطة ) لـ: عبد الرحمن ماضوي و(بئر الكاهنة ) لمحمد واضح و(بلال بن رباح) لمحمد العيد و(الخنساء) لمحمد الصالح رمضان..الخ، ما يعني أنه وطن لا يمكن ترويضه ليخضع للإدماج ناهيك عن طمس هويته.

لكن المشهد تغيَّر منذ الاستقلال، وكان الصراع على السلطة هو المحرِّك الأساسي للفعل الثقافي والتربوي. فحدث هذا الفرز اللغوي المفتعل بين “مُعرَّب” و”مفرنَس”. وأخذ التيار العروبي يتقوَّى تدريجياً. وبقدر ما عمد الاستعمار الفرنسي إلى تغييب التاريخ الوطني، فإن التيار العروبي الذي يتغذَّى من الإيديولوجية البعثية لم ينجُ -بدوْره- من الورطة نفسها. حيث ربط تاريخ الجزائر بالقومية العربية وراح ينبش في التاريخ عمَّا يسنده ليثبت عروبة البربر. علْماً بأن البعث المؤسِّس قد انقسم على نفسه بين بلديْن شقيقيْن وجاريْن هما سوريا والعراق. ولم يخْلُ فكر البعث من لوْثة عنصرية تجلَّت بعض مظاهرها في تحجيم الأنا العربي وسلب الأكراد حقوقهم في التمتُّع ببطاقة الهوية الوطنية التي لم يعد النظام السوري يتحدث عنها إلا بعد عام 2011. وأذْكُر أن جريدة الثورة العراقية نشرت في بداية الثمانينيات من القرن الماضي إحصاءات السكان الجزائريين مصنَّفين إلى عرب وبربر، مما لم يكن يخطر ببالنا. كما طالب النظام العراقي بأن تكون له مراكز ثقافية في الجزائر. في الوقت الذي دأب فيه الفرنكوفيليون على كراهية كل ما يتَّصل بالعرب والعربية، بكثير من التحجُّر وضحالة الفكر.

هكذا وقع التاريخ الوطني ضحية رؤية قومية عربية تتوهَّم وحدة مثالية لا تتحقَّق إلا في أذهان القائلين بها، بعدما كان الفرنسيون يطمعون في إلحاق التاريخ بفرنسا”العريقة”. ثم عمَّق التيار الإسلامي رؤيته الماضوية محصورة في شبه الجزيرة العربية بعد الإسلام. واستمر يُروِّج لنموذج خلافة وهْمية لم تتحقَّق بالمعنى المؤسساتي الحديث في أية حقبة من التاريخ الإسلامي. لذلك نجد المواطن الجزائري اليوم- ولو كان من المتعلِّمين- إلا أنه يجهل القدْر الأكبر من هذا التاريخ الطويل، وكما يقول الشاعر “عاشور فني” في مقال له بعنوان: “التاريخ الثقافي والذاكرة المبتورة”: (( لقد تضافرت عوامل كثيرة وتحالفت أطراف عدة من أجل طمس التاريخ الثقافي الجميل والمتنوع لهذه الشعوب المترامية في التاريخ وفي الجغرافيا الشمالية لإفريقيا. ومن الملاحظ أنه منذ العصور القديمة كان الآخرون هم المعنيون(هكذا) بكتابة تاريخنا والأوصياء على تقييم ثقافتنا : المؤرخون اليونان والرومان في التاريخ القديم والرحالة العرب والمسلمون في التاريخ الوسيط وإيديولوجيو الاستعمار الفرنسيون والمستشرقون في التاريخ الحديث.وأخيراً إيديولوجيو العصر الجديد.كل أحدث في تاريخينا الثقافي حدثاً بحجم أوهامه وبما يستجيب لأهدافه. والنتيجة جهل مطبق بتاريخنا الثقافي مع تشويه في تركيبة الذات وشعور عميق بالدونية الثقافية إزاء الشرق والغرب وملامح مترسخة من كره الذات وعشق الأخر)).[فني-زد 3أفريل 2015 ]

لو كان التاريخ يعود إلى الوراء ونستطيع صياغته من جديد، لكانت الأمازيغية هي اللغة الوطنية الوحيدة والرسمية.ولكنها عجزت عن مقاومة العربية كما عجزت من قبل عن مواجهة اليونانية واللاتينية، ولم ترْقَ إلى الفارسية التي احتضنت الإسلام وطوَّعته لتشيُّعها. فانزوت إلى المناطق النائية والجبال ولم يكن كافياً أنْ يخطب بها “ابن تومرت”-وهو الملقَّب بشعلة المعرفة- في الجمعة والعيديْن. فأما اليوم، فيبقى على عاتق العارفين بها والخبراء بطبيعتها أنْ يُحدِّدوا مصيرها. مادامت مُكوِّناً أسياسياً من هويتنا.

فأما عن علاقة اللغة بالدين فهذا ما حصل لأي لغة كما يثبته التاريخ البشري. وقد تفرض التحولات الاجتماعية والسياسية أن تستقلَّ اللغة عن الدين تدريجياً، لكن طبيعة التطور البطيء لقواعد اللغة يجعلها تجرجر آثار الحقب السابقة فلا تتخلَّص من بقايا الماضي نهائيا.

ويُعلِّمنا التاريخ أنه في عز الحضارة العربية الإسلامية يوم كانت العربية هي اللغة السائدة قد وجد الإلحاد إلى جانب الإيمان. فالمعرِّي هو القائل:

وما آدم في مذهب العقل واحد .. ولكنُه عند القياس أوادِمُ

جائز أن يكون آدم هذا قبله آدم على إثر آدم

والبعثيون في العصر الحديث هم أحرص الناس على العربية والتغني بالمجد العربي ولكنهم تغذوا من الاشتراكية والماركسية وكانوا علمانيين. وكانت لغة “مالك بن نبي” الأولى هي الفرنسية، لكنه قسَّم العالم إلى خَطَّيْ :طنجة-جاكرتا وواشنطن-موسكو، ليَخْلص إلى أن الإسلام هو الحل.

وبالمقابل، نشهد اليوم أولئك الأوربيين والأمريكيين وغيرهم من الأجانب لا ينطقون حرفاً واحدا بالعربية ويجهلون القرآن تماماً، ولكنَّهم يلتحقون بالقاعدة وداعش.

فإذا كُنَّا لا نعرف العوامل التي ساقتهم إلى هذا الخيار أو نتعمَّد إغفالها، فبالتأكيد أنْ ليست العربية في ذاتها هي التي تفرِّخ هذا التوحُّش والإجرام.

إن الفرنسيين أنفسهم يشتكون من صعوبة قواعدها الإملائية والنحوية والصرفية، إذ تذهب بعض الآراء إلى أن رجال الكنيسة قديماً تعمَّدوا أنْ يُصعِّبوها كيْ تبقى حكراً على نخبة محدودة وألا تصبح في متناول عامة الناس. ويستمرُّ احتاج النساء على القاعدة الذكورية:

“Le masculin l’emporte sur le féminin” ا

.ويتردَّدون بين أن يقولوا :

(Madame le ministre أو(Madame la ministre )

ثم مادامت الكنيسة حاضرة بتفرُّعاتها المختلفة- وبما لها من قوَّة التأثير- فإنه من غير المعقول أن نتصور اللغة الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية مجرَّدة من ظلالها المسيحية.

كما يشكو الفرنسيون من الدخيل الآتي من لغات مستعمَراتها السابقة ومن اللغات الأوربية ومن اللهجات، فلا يُخْفون خشيتهم من مَوْتها. إذ يقول مؤلِّف كتاب “أسرار اللغة الفرنسية((إن أكبر السذاجات وأسوأ ألوان التعصُّب حين نتوهَّم أن الفرنسية لا تموت. فاليونانية واللاتينية كان لهما منذ البداية كل الإمكانات للبقاء. وفي النهاية ساعدتا لغات أخرى (بما فيها لغتنا) على الظهور)).

((La plus grande des naïvetés et le pire des chauvinismes, ce serait de croire le français immortel. Le grec et le latin avaient, au départ, bien plus d’atouts pour survivre : ils ont finalement aidé d’autres langues (dont la notre) à voir le jour)). (Les secrets de la langue française ’’André Dulière’ ; Edition « André Delcourt, Lausanne , p :136) ‘Guérin littérature ‘, 1988

لكن ما ينبغي أن نعترف به للفرنسيين، هو خوْفُهم على لغتهم واعتبارهم أن اللغة ليست مجموع كلمات فقط يمكن أنْ نفهمها، ولا هي مجرد قواعد كما نظن أحياناً، بل إنها أيْضاً من تراب بلد وتنتمي إلى جنس وهي أكثر من نمط في التفكير، إنها نمط وجود.كما ينقل “دوليارأندريه” عن ” C.-F.RAMUZ” قوله:

((La langue n’est pas seulement un ensemble de mots qu’on peut apprendre, un ensemble de règles de grammaire, comme on a l’air de croire parfois ; elle aussi est d’un sol d’un pays, d’une race ; elle est plus qu’une façon de penser ; elle est une façon d’être)). (Les secrets de la langue française

لذلك تراهم يُنفقون أموالاً طائلة للمحافظة عليها ونشرها، وينظمون تربُّصات دورية لأساتذة الفرنسية لواكبوا المُستجدََات وهي الفرص والامتيازات التي لا يحظى به مدرِّسو العربية.

لذلك، إذا كان التيار الإسلاموي حريصاً على الربط التام بين اللغة والدين في صلة لا تنفك، فإن مَنْ يحصر المشكلة اللغوية كلها في الدين متناسياً قوانينها اللسانية والتعليمية والدلالية المتميزة، فإنه –بدوره- يؤكد الوصل من حيث هو يتوهَّم الفصل. لا فرق- منطقياً-بين من يرى أن اللغة من الدين ومن يرى تخلف اللغة بسبب الدين، إنهما يختلفان ظاهرياً، ويلتقيان في تأكيد الصلة بينهما.الفريقان كلاهما ينطلقان من علاقة تطابق بينهما، سوى أن أحدهما يراها علاقة مقدََسة ويراها الآخر علاقة مدنَّسة.

فإذا كان قَدَرُنا قد ارتبط باللغة العربية ويرتبط بها مصيرنا أيْضا- مع ضرورة الانفتاح على سائر اللغات والثقافات- وإذا كانت العربية في أصلها لهجة قرشية استوعبت بقية اللهجات وأدرجت خلال مسيرتها لغات قديمة، فما كان لها لتستقيم لولا جهود التدوين والتقعيد والمرونة في القدرة على التعريب، فضلا عن العوامل السياسية والاقتصادية. ما جعل الأجانب/الأعاجم- يومئذ- يتبنَّوْنها وينبرون لتصنيف المؤلفات في مختلف علومها، فتمكَّنت من الاستمرار عبر القرون.إذْ معظم العلماء المسلمين همْ من غير العرب بمن فيهم أصحاب الكتب الستة المعتمدة في الحديث النبوي، وأمثال سيبويه والزجاج كثيرون، يقول ابن خلدون في هذا المعنى : ((من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم وليس في العرب حملة علم لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية إلا في القليل النادر. وإن كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته ومَرْباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي)).[مقدمة ابن خلدون، دار القلم بيروت-لبنان،1989 ص:543 ]

إن هؤلاء الأعاجم هم أبعد ما يكونون عن لهجة قريش وبقية اللهجات في الجزيرة العربية فلم تكن لهم سنداً أبداً، كما يستحيل أن يكونوا قد اعتمدوا على لهجاتهم المحلية وهي عديمة الصلة بالعربية، فلم يبقَ أمامهم-حينئذ- إلا طريق واحد، وهو أن يُباشروا تعلُّم العربية بلا دعامة لا من الدارجة ولا من لغاتهم الأصلية.

وهذا- بالضبط- ما يطبَّق عند تعليم اللغات للأجانب فيما يُعرف اليوم بـ :تدريس الفرنسية لأهداف جامعية وتدريسها لأهداف خاصة ((l’ enseignement du FOU et du FOS))

(le français sur objectif universitaire et le Français sur objectif spécifique)

خلال حرب التحرير ابتكر الجزائريون قاموساً من صميم العربية، فاستعملوا (الثورة، والمسبّل ونقلوا لفظة الحرَكي من دلالتها الحزبية إلى الدلالة على العَمالة والخيانة بمجرد تسْكين حرف الراء”حرْكي”، كما أعطوْا كلمة المجاهد دلالة تحرُّرية قبل أن يعيدها المتطرِّفون اليوم إلى معناها الديني). وكانوا يعدّوُن السياسة من النقاوة والحكمة فقالوا “فلان سياسي” بمعنى أنه رزين، بينما، لأن الانتهازية سلوكٌ منحرف ولأن الانتهازي يحترف الكذب والخداع، فقد ألصقوا بها الكلمة الفرنسية مُحرَّفةً فقيل فلان”مولى بوليتيك”.

وشاع قاموس آخر في سبعينيات القرن الماضي حيث لم يجد الفلاحون الأميون صعوبة في التعامل بكلمات من قبيل:( المستفيد والقرية والثورة الزراعية وسوق الفلاح والمرحلة والتأميم..)

إن أيَّ فعل ثقافي أو تعليمي ليس مُفْرعاً من مضمون سياسي. لكن المطلوب أنْ تتحقَّق إرادة سياسية وطنية، تنأى بالمنظومة التربوية عن التجاذبات السياسوية الزائفة، وتُخلِّصها من النزعة الشعبوية القاتلة.بأنْ تعكف على إصلاح جذري يطال المناهج وتكوين المكوِّنين وفق مخطط مدروس يكون متبوعاً بتقييم دائم، وأنْ يوكل الأمر لإنجاز هذه المهمة الصعبة إلى خبراء في مختلف التخصُّصات.

وهكذا بدلاً منْ أن يكون الدين ذريعة للتهرُّب من تطوير العربية، فإنه من الأشرف للمرء أنْ يكون موقفُه صريحاً من واقع هذه اللغة ومستقبلها، فإما معها أو ضدَّها، إما السياسة وإما “البوليتيك”، ولا مجال لا للتحايل ولا للصمت الرخيص، خاصة بالنسبة لمَنْ يتوسَّمون في أنفسهم القدرة على المساهمة والتصحيح.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق