قراءات ودراسات

الوعي الادراكي بالصفات لا بالماهية

علي محمد اليوسف

في تعبير ارسطو الخاطيء الذي تجاوزه عصرنا الفلسفي الحاضر ذهب الى ماهية الانسان ليس بوصفه حيوانا عاقلا, فهذه ماهية مخادعة اسمية للانسان ولا تمثل ماهيته الحقيقية. ويمكننا الاضافة اكثر من أجتهادنا أن ماهية الانسان النوعية ليست ايضا في امتلاكه خاصية اللغة المتفردة عن جميع الكائنات في الطبيعة. اذن بماذا تختلف ماهية الانسان عن ماهية غيره من الكائنات باستثناء حيازته العقل الذكي واللغة التعبيرية الناطقة التواصلية في تجريدات ادراكات العقل للاشياء والموجودات في الطبيعة؟ الماهية عند الانسان وعند غيره من المخلوقات هي بنية فيزيائية بيولوجية كجوهر, والفارق الاولي بينهما ايضا والذي هو ليس فرقا نوعيا بين ماهية الانسان باختلافها عن ماهيات الكائنات الاخرى هي في خاصية ماهية الثبات عند الحيوان و خاصية ماهية التغييرالمتحول كصيرورة عند الانسان.
ماهية الانسان جوهر غير ثابت متغيرتطاله الاضافات الكمية والنوعية له بالخبرة المكتسبة, وماهية الانسان كجوهر ماهوي دفين لا معلن ولا مدرك متعين بما يميز الانسان عن غيره من كائنات, أن في تعبير ارسطو الماهية ليست في تفرد امتلاك الانسان العقل الذكي, ولا هي بامتلاكه اللغة, انما كان في تعبيره عن صفات خارجية ممكن ومتاح لنا ادراكها بسهولة وهي صفات ثابتة لاتتغير الا في حصول اختلالات استثنائية عند بعض الناس الذين يحملون عوقا بيولوجيا أو مرضيا عقليا. وهاتان الصفتان الذكاء واللغة هما من الممكن اعتبارهما خصائص ماهوية بنفس وقت أعتبارنا أنهما خصائص صفاتية عضوية بايولوجية خارجية مدركة للانسان بالنوع. وهذا لا يعني تطابق الماهية والصفات في دلالة معنى الجوهر الواحد عند الانسان. بينما نجد مثل هذا التطابق ملحوظا لدى الحيوان. الماهية الانسانية هي ازدواجية الذات كجوهر مع الصفات كعرض خارجي صفاتي.
بهذا المعنى ننقاد التسليم الى أن ماهية الانسان لا تتسم بالثبات كما هي الماهية الثابتة عند الحيوان. الثبات الماهوي عند الحيوان هو معطى بيولوجي جاهز ثابت يحوزه الحيوان في تداخل صفاته الخارجية مع ماهيته كما والحيوان غير قادر على بناء ماهيته الذاتية لافتقاده الوعي بها وافتقاده اهمية موجودات الطبيعة في تشكيلها , وهو ما لا ينطبق على الانسان أن ماهيته هي بنية تشكيلية بنائية قائمة بذاتها كجوهر غير مدرك يكتسبها من مؤثرات مجتمعية ولا يحوزها جاهزة ثابتة كما هي عند الحيوان. وماهية الانسان ليست هي مجموع صفاته الخارجية كما نجده عند الحيوان والكائنات الاخرى..كما لا تكون الماهية الانسانية فطرية تماما وانما هي خبرة بنائية مكتسبة.
على افضل الافتراضات أن الحيوان يكتسب ماهيته الثابتة التي تبني هي نفسها ذاتيا من غير ارادة قصدية موجودة في ذهن الحيوان وتفكيره الانقيادي للطبيعة في أهمية ان يوجد لياكل ويعيش., فالحيوان لا ذاتي أي لا يدرك ذاتيته على خلاف الانسان خاصيته هي ادراكه لذاته وموضوعاته. لذا ليس من المحال بناء جوهر ماهوي خاص بالانسان وحده غير مدرك كموضوع لغيره. ماهية مغايرة لماهيات غيره من انواع الكائنات الحيّة الاخرى. والماهية ليست صفة جاهزة معطاة لتمييز الكائنات عن بعضها, وبخاصة هي عند الانسان (بنية) تكوينية يبنيها الانسان وينشؤها بارادة ذاتية مسبقة تعي نفسها. الحيوان بخلاف الانسان لا يعي صفاته ولا يدرك ماهيته كما لا يعي علاقته القصدية بغيره من المخلوقات والكائنات المحيطة به في الطبيعة.
جون لوك والماهية
يرى جون لوك أن كل الاشياء بالوجود وكائنات الطبيعة من مخلوقات هي دائبة الحركة والتبدل والتغيير بالصفات والماهية, ما عدا الله خالقها فهو ثابت لا يتغير.أن حقيقة ادراكنا التغييرات والتحولات والسيرورات الدائمية فيما يحيط بنا في الحياة والطبيعة لا يحتاج كبير عناء لمعرفتها وادراكها, اما استثناء جون لوك الخالق من هذه الاحكام التي نتعامل بها فهو نابع من عدم سريان ما يتحكم بالطبيعة من قوانين عامة ثابتة لا تسري على الخالق الذي اوجدها.
هذا الحكم والتفسير هو افتراضي ميتافيزيقي غير برهاني يقيني بحكم محدودية قدرتنا الادراكية التي نتعامل بها مع فهمنا الحياة والطبيعة من حولنا على وفق قوانين عامة ثابتة اكتشفها الانسان أو بعضها , ولا يعرف مدى امكانية انطباقها بالحكم على صفات وماهية الخالق التي هي في نطاق الغيب الميتافيزيقي الذي لا يدركه الانسان. وفي التعالق مع ما ذهبنا له فأن محدودية الادراك العقلي الانساني لا يمكنه التمييز بين ما هو صفات للخالق وما هو ماهوي فيه. وكل ماوردنا هو حول صفات الخالق هي ما يسبغه اللاهوت الديني وادبيات الاديان العديدة من صفات مدركة يفهمها الانسان ويتعامل معها بيقين ايماني ثابت لانها منه واليه, صانعها ومقدسها ولم يكلف الخالق أحدا نقل صفاته الماهوية ولا الصفات الخارجية لادراك وايمان الناس بها…ما عدا امكانية الانبياء خلق المعجزات التي أصبحت اليوم محل تشكيك أيماني بها. فهي تناقض ادراكات العقل وتخرق تلك الادراكات المحكومة بقوانين الطبيعة.
دليل ذلك اننا عندما نرى الاعجاز التنظيمي المذهل في نظام الاشياء بالطبيعة والقوانين العامة الثابتة التي تحكمها بعناية وتقدير محكم, فبالتاكيد سيكون حكمنا عليها أعجازيا الهيا لا يستطيع تقليده بشر. وهذا الحكم ينبع من مرجعية كيف تم خلق قوانين الطبيعة الثابتة التي تحكم الطبيعة ولا يستطيع الانسان تفسيرها الاستيعابي سببيا لها..
أن الشيء المؤكد اليوم أن الطبيعة لم تنشيء قوانينها الذاتية وتخلقها بنفسها في هذا النظام من الاحكام والاتقان. كما أن القوانين هذه ليست قدرات مكتسبة في التقادم الزمني الذي يؤكد ثباتها وعدم امكانية تغييرها برغبة انسانية قاصرة توازيها عجز رغبة الطبيعة كذلك فهي على عكس الانسان لا تدرك القوانين التي تحكمها وتحكم الوجود الانساني دونما ادراك واع لهذا التحكم والمحكومية. الانسان عاجز عن اختراع قوانين ثابتة تحكم الطبيعة مثل القوانين المعطاة لها التي تمتلكها ولا تدرك اهميتها للانسان ولا لنفسها هي.
وعندما أكد جون لوك أن كل شيء ندركه في الطبيعة من كائنات وموجودات واشياء هو في حركة دائبة من التطور وارتقاء متنوع الذي يكون ارتقاءا نوعيا في بعض الاحيان, فهو- اي جون لوك – لم يدرك انه وضع اللبنات الاساسية في القرن الثامن عشر امام توصل ابحاث داروين بعد قرن حول التطور الارتقائي البيولوجي بين الانواع في تداخل البقاء للاصلح المتمثل في النوع الانساني واندثار الذي فقد التكيف الذكي مع الطبيعة كما في الحيوان والتكيف الانصياعي القطيعي مع الطبيعة التي كانت ظروف البيئة هي التي تقرر بقاء هذا النوع واندثار آخر.
تداخل الصفات والماهية الانسانية
والصفات عند الانسان قد تكون مشتركات في النوع الواحد يمكن تعميمها بينما الماهية هي تفرّد متمايز يختلف من شخص لآخرلا يمكن تعميمه..وهو ما لانجده لدى هوسرل وأشياعه بأستثناء سارترالذي يخالفهم الرأي الذي يرى الماهية عند الانسان هي بنية تراكمية نوعية متداخلة يصنعها الفرد بنفسه وليست معطى انطولوجي جاهز موجودة في طبيعته البيولوجية..
ومن المهم التنبيه أن كانط يفرق بين الماهية والصفات على العكس من هوسرل الذي أراد الرد على كانط معتبرا الصفات هي تجليّات الماهية ولا فرق بين الاثنين من حيث المحتوى والمعنى.. والغريب الاكثر بهذه النظرية الفلسفية أن هذا الفهم في نفي أن تكون صفات الشيء لا تمثل ماهيته المنفصلة عنها , هو فهم فلسفي متفق عليه في ادبيات الماركسية والوجودية معا رغم اختلافاتهما الكبيرة, ومشتركا بينهما في تبنيهما هذا المعنى التفسيري في تلازم مداخلة الماهية مع الصفات ولا يوجد هناك جوهرا ماهويا منفصلا عن مجمل صفاته التكوينية له…. وهذا ما تعتمده وتأخذ به جميع الفلسفات المادية ..أنه يكفي لمعرفة الشيء ادراك مايمكن ادراكه من صفات خارجية ومن العبث السعي وراء التفتيش عن ماهيات متخفية.
ونحن نرجّح فهم كلا من كانط ومن بعده سارترمع الفرق الكبير بينهما, أن الماهية تكوين ذاتي مدّخر في الانسان وليست جوهر الماهية تمثله صفاته الخارجية المدركة…وبهذا الفهم الفينامينالوجي تعتبر الماهية وجود بذاته (نومين)..وأوضح تعبير بهذا المعنى قول كانط: أن كل ما نستطيع معرفته هو عالم الظاهر الذي لا يشبه عالم الشيء في ذاته, فالله وحده يستطيع أن يرى ذلك – يقصد العالم بذاته – لأنه غير مقيد بالزمان والمكان ولا بقوانين الطبيعة وقصور العقل البشري ايضا..
وتعبير كانط هذا يعتبر الارضية الصحيحة التي أقام سارتر عليها فلسفته البنائية عن الماهية الانسانية كبنية تكوينية يقوم الانسان بنائها طيلة حياته العمرية. ومن الامور الهامة جدا التي تنبه لها سارتر ولم يخلط بينها هو أنه يمّيز بين ماهية الانسان عن ماهية الموجودات في الطبيعة بما في ذلك الحيوان والنبات.ولا يخلط بين ماهية الانسان كجوهر وبين صفاته الخارجية كعرض ايضا.
والفهم لماهية الانسان عند هوسرل كصفات مشتركة تجمع بين النوع الواحد أفقيا وبين الصفات والماهية عموديا في النوع الواحد أيضا الذي هو الانسان.. ويختلف هذا كليّا عن فهم سارتر بأعتبار هذا الاخير يفهم الماهية أنها ليست كينونة ناجزة أو جوهرا مكتملا متداخلا مع وجود الفرد يحمله معه على الدوام كموضوع قابلا للادراك في معاملته عقليا, فالماهية ليست موضوعا للادراك. بل يفهم سارتر الماهية عملية بنائية تكوينية تطورية ذاتية ينشؤها ويبنيها الانسان بنفسه طيلة سني حياته,وليست ماهيته معطى وجوديا يمتلكه الانسان بالفطرة كجوهرذاتي يلازمه متكاملا بمعزل عن صفاته الخارجية وحتى بالتكامل مع تلك الصفات.. حتى الحيوان والنبات لا يمتلكان ماهية جاهزة كمعطى بيولوجي بل الماهية الحيوانية والنباتية هي ايضا تصنيع ذاتي داخل النوع في استقلالية تامة. بفرق أن الطبيعة هي التي تبني ماهية الحيوان دونما ارادة ولا ادراك منه , بخلاف الانسان الذي ينشيء ماهيته تكوينا تراكميا- نوعيا في سبق وعي وارادة واختيار قصدي.
وأختصارا ربما يغنينا عن الاستطراد نقول ماهية كل شيء أو موجود في الطبيعة تتميز بخاصيتين:
الاولى أن الماهية لا تمثل موضوعا للادراك العقلي لأنها خاصية محتجبة خلف الصفات الخارجية البائنة للمواضيع المدركة أو المواضيع الخيالية التي يبتدعها العقل من الذاكرة..
والخاصية الثانية أن الماهية فردية شخصية لا يمكننا تعميمها حتى داخل النوع الواحد من جنسه الذي هو الانسان..فماهية كل فرد لا تشابه ماهيات آخرين غيره..الانسان كنوع يتشابه بالصفات البيولوجية المدركة ويختلف بالماهيات.
الماهية والزمن
تعبير هوسرل أن الماهية (زمنية) هي حقيقة لا غبار عليها لكن ليس بالفهم الذي أشار له هوسرل بأعتباره الماهية منجزا كموضوع يمكن التعامل معه أدراكيا كشيء مادي أو موضوع متعيّن.. ويمكن لتأثير الزمان عليه تغييره كمدرك خارجي (موضوعا) في حين يكون الفهم الصحيح أن الزمن عامل تكوين وأنشاء للماهية عبر المراحل العمرية للانسان وليس عامل تقويض لها كما يحذر هوسرل منه….فالزمان الذي هو عامل تغيير للاشياء والمواضيع في وجودها الادراكي الحسي أو الخيالي أنما يطال الصفات ولا يطال الماهيات كونها ليست مواضيع مدركة لا عقليا ولا زمانيا.. وماهية الانسان من صنعه وليست من صنع الطبيعة. وعندما نقول عن شيء لازماني بمعنى أن الزمن لا يدركه العقل كموضوع وأنما يدركه في ملازمة الزمن جميع مدركات العقل.
الماهية بهذا المعنى المختلف عن منهج هوسرل الظاهراتي هي أنها سيرورة دائمية في الزمن وليست صفات مكتملة كموضوع أدراكي في تداخلها العقلي مع الزمن والمكان حسب هوسرل..ولا تتماشى هذه النظرة مع فهم هوسرل أن تكون الماهية هي مجموع صفات الشيء المدرك كموضوع وهذا ما لا ينطبق على الماهية لأنها ليست موضوعا للادراك ألا في حالات أستثنائية جدا تشمل غير الانسان من موجودات تكون معرفتها من أختصاصات التجارب العلمية وليس من مباحث منطق الفلسفة الظاهراتية الفينامينالوجية على وجه الخصوص..أو أن الماهية مدرك من الله فقط حسبما ذهب له جون لوك.
الماهية والادراك
وفي متابعتنا آراء هوسرل حول الماهية عند الانسان بمنهجه الظاهراتي (الفينامينالوجي) نجده يقول “الماهية ليست مدركة ولا متخيلة لأن كل معطيات التجربة الحسية أو المتخيلة تتحدد بزمان ومكان ” ثمة ملاحظات توضيحية مفهومية نرى أهمية تثبيتها بضوء عبارتي هوسرل السابقتين :
– قول هوسرل الماهية ليست مدركة ولا متخيلة كموضوع لأن كل معطيات التجربة الحسّية أو المتخيلة تتحدد بزمان ومكان أدراكي عقلي لها.. هو أعتراف صحيح جاء متأخرا بما كنا سعينا توضيحه بسطور سابقة..وهذا يجنبنا الخلط بين أدراك العقل للاشياء كموجودات مادية من ضمنها الانسان..وبين الماهية التي هي صفات دفينة غير مدركة ولا واضحة تخص كل موجود لوحده في الطبيعة بذاته..لذا فالماهية ليست موضوعا لأدراك العقل يحدّه الزمان والمكان..وهذا ما يؤكده كانط بالضبط مؤكدا العقل لا يدرك الماهية بل يدرك الخواص فقط. وكذلك جون لوك بصيغة متماهية مع كانط.
– الماهية ليست موضوعا مدركا لا في الانسان ولا في باقي الاشياء المادية الطبيعية غير العاقلة كموجودات خارجية..كما أن الماهية هي أيضا ليست موضوعا متخيّلا يكون مصدره الذاكرة..وأنما الماهية تكوين أنشائي متطورعلى الدوام بالأضافات الكمية والنوعية غير المنظورة ولا متاح أدراكها بسهولة من قبل الاخرين ما عدا الشخص ذاته منفردا لذا من المتعذر أن تكون ماهية أنسان موضوعا لأدراك غيره من أفراد ..ولا تكون بالضرورة موضوعا مدركا ألا من قبل كل شخص منفردا بذاته تلازمه ماهيته كصيرورة حياتية يصنعها هو بنفسه بمرور الزمن..فالماهية هي وعي الوجود الشخصي المتمّيز لكل انسان منفردا لوحده ..الماهية تشبه الضمير والنفس والزمن والوعي والسلوك الاخلاقي وغيرها, مقولات نمارسها وندرك مؤثراتها علينا وعلى المحيط من حولنا ولكن لا ندركها ماهويا.
– كل ماهو غير موضوع للادراك يكون متحررا من سطوة الزمان والمكان في تحديده وتعيينه كموجود..لذا تكون الماهية التي هي ليست موضوعا للادراك بعيدة عن سطوة الزمان عليها في أنحلالها وتقويضها المحال عند الانسان, بل العكس الزمان غير المنظور تأثيره المباشر على ماهية الانسان يكون عاملا ضروريا في تشكيل ونمو وسيرورة ماهية الشخص المتكوّنة بأطراد مستمرداخليا بمرور الزمن..فالماهية جوهر حصيلة بناء عمر الانسان لكينونته بالحياة.
– تحصيل حاصل لا حاجة التأكيد عليه قول هوسرل الماهية ليست تجريدا ذهنيا وألا أصبحت نتاجا يخلقها الفكر, لا نتصور غاب عن تفكير هوسرل حقيقة أن كل ماهو غير موضوع مدرك حسيا أو خياليا لا يمكن أن يكون نتاجا تجريديا بالذهن.. والماهية عند الانسان لا تكون موضوعا مدركا من غير صاحبها حاملها التي يستشعرها مثلما يستشعر سريان الحياة في اعضاء جسمه,,والماهية جوهر تبنيه الحياة ولا تخلقه الافكارالمجردة..لأنها جوهر وجودي مادي يلازم وجود الانسان وليست أفكارا متخيلة مجردة بالذهن مستمدة من الذاكرة..
الفلسفة الذرائعية الامريكية والوعي الماهوي
دعونا ننظر في مفهوم الوعي الملتبس عند الفلاسفة الاميركان من المهتمين في مباحث فلسفة العقل وفلسفة اللغة ونظرية المعنى ومحاولتهم توظيف هذه القضايا بمجملها من أجل أستعادة الفلسفة الذرائعية الاميركية أمجادها الماضية الآفلة وتلميع صورتها الفاقعة, فنجدهم يطرحون مفهوم الوعي في أشكالية أختزالية تقوم على دعامتين أثنتين هما :
اولا: أن الوعي ليس جوهرا بل هو وظيفة.
ونناقش هذا التوصيف بمنهج نقدي بعجالة تعريفية دأبت على ممارستها في كتاباتي الفلسفية التي أنأى بها عن العروض لمواضيع فلسفية أستهلكت نفسها بالتكرار الممل لحرفيتها في النقل والترجمة والاستنساخ والعرض الذي يتحاشى النقد , ورغم أني طرقت مبحث الوعي ومناقشة الافكار والنظريات حوله في أكثر من مقال منشورلي على مواقع الانترنيت العربية وكذا في مؤلفاتي ..فالوعي على خلاف مقولة البراجماتيين الاميركان الجدد هو جوهر ووظيفة معا, شأنه شأن علاقة الوعي باللغة فهما جوهران وظيفتهما الادراك. فالوعي واللغة هما جوهران في منظومة العقل الادراكية ووسيلتان معا تحتويان الوعي والذهن أيضا كجوهرين لهما وظيفة وسيلية واحدة مجتمعة متكاملة مع بعضها هي توفير أمكانية العقل التعبير عن مدركاته الاشياء والعالم الخارجي من حولنا بالفكر واللغة.اما ان يكون الوعي جوهرا غير مدرك فهو تعبير سليم ودقيق جدا ولا اجد جدوى مناقشته.
ومن غير مجموع الاحساسات التي تنقلها الحواس ومن غير الوعي ومنظومة الجهاز العصبي والذهن لا يستطيع العقل الادراكي عمل شيء على الاطلاق. ونفس الشيء مع الاحاسيس التي تكون مصدرها ليس الحواس في ادراكنا العالم الخارجي, فالاحاسيس التي منشأها بواعث استبطانية يستلمها الذهن عن طريق الجهاز العصبي مصدرها أجهزة الانسان البيولوجية داخل تكوين اعضاء الجسم والتي في غالبيتها تكون تلبية اشعارات الدماغ ومنظومة الجملة العصبية في أشباع حاجة الانسان لها كضرورات غريزية بيولوجية يحتاج الانسان اشباعها وكحاجات نفسية ايضا مثل حاجة الانسان لشرب الماء وتناول الاكل وأشباع غريزة الجنس والاحساس بالسعادة ونبذ القلق وغيرها العديد من اشباعات يستمد العقل استشعاراتها من داخل اجهزة الانسان الموزعة مثل الجهاز العصبي والجهاز التناسلي والجهاز الهضمي والجهاز البولي وهكذا.
– ثانيا: أو الفكرة الثانية للذرائعية الامريكية تقول الوعي تجربة صرفة لا يمكن تجزئتها الى افكار واشياء والوعي ليس تجربة طبيعية ولا تجربة عقلية.!! أذن الوعي ماذا يكون خارج هذه الفرضيات الاستبعادية في عدم تحديد معنى الوعي؟
تعقيبنا النقدي على هذه الفقرة غيرالصحيحة في جوانبها الثلاث , فأولا الوعي ليس تجربة صرفة, بل تجربة جزئية وسائلية وظيفية داخل منظومة العقل الادراكية ليست منعزلة كمدرك لوحدها, وليس هناك من جوهر منفصل قائم بذاته كتجربة صرف تسمى الوعي, كما أن القول لا يمكننا تجزئة الوعي الى افكار واشياء, فهذا خطأ أذ أن الوعي بلا مضمون فكري تعبيري لغوي لا معنى له ولا ممكن التحقق منه كجوهر.. الوعي ليس وحدة شعورية متماسكة تفقد جوهرها في تجزئتها, انما الوعي هي تفريعات ما لا يمكن حصره من استشعارات يستلمها الدماغ داخليا وخارجيا ويعمل على اشباعها كما ذكرنا قبل اسطر.
– أما ثالثة الاثافي أن الوعي ليس تجربة عقلية ولا طبيعية فهي خاطئة تماما, فالوعي كما ذكرنا سابقا هو حلقة ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها كعنصر جوهري في منظومة الادراك العقلية. ويكون بهذا المعنى تجربة عقلية, فالعقل لا يعقل وعيه الموجودات ولا مواضيع ادراكه من دون نقل الوعي للاحساسات الصادرة عن الحواس أو الاحاسيس الصادرة عن ايعازات بيولوجيا الجسم الداخلية عبر الجهاز العصبي المرتبط بالدماغ ضرورة اشباع غرائز الاكل والشرب والجماع الجنسي وأحاسيس النفس من عواطف وانفعالات ووجدانات ومن ثم نقل ردود أفعال تفكير العقل بواسطة الاستشعارات الواردة عن هذه الاشياء للجهاز العصبي والعقل في وجوب أشباع هذه الاستشعارات. لذا يكون الوعي وظيفة وليس جوهرا منعزلا لاقيمة له.
علي محمد اليوسف / الموصل

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق