ثقافة السرد

الدّوار

بـورحلـــة محمــــود

الصّيف حارّ كالمعتاد، والرّجال بالحقل يحصدون محصول القمح ،تتبعهم النّسوة ،يجمعن المحصول القليل على شكل رزم، ليحملنها على ظهورهّن، أو على ظهور الحمير لمن كان حظّها كبيرا،ومنّ عليها زوجها بحمار يقتسم معها مشقّتها. توسّطت الشّمس قلب السماء، وراحت ترسل بلهيبها الحارق ،ليلفح وجوه الحصّادة المتفحّمة، التّي كانت تتصبّب عرقا، يتوقّف الحصّادة بين الفينة والأخرى، ويرفعون وجوههم، شاقين بأبصارهم عرض السماء يمسحون بأيديهم سيول العرق الجارية على جبينهم، وقد نال منهم التعب، وأرهقتهم كثرة العمل واخترقت حرارة الشمس عظامهم، وقد ألحّوا طالبين استراحة الغذاء. هرع الجميع إلى الظّل ،هربا من الحرّ الشّديد ،وأخذوا نفسا عميقا ،وحمدوا الله على نعمة الظّل،لكنّ أحد الشّبان لم يغادر ،بل ظلّ حابسا نفسه في حقل والدته الصغير،يتثاقل في عمله يتمنىّ لو يستطيع توقيف الزّمن. كان منصف يتصبّب عرقا،أكثر وأشدّ ممّن في الحقل جميعا،ولكنّه وخلافا لهم لم يكن يشعر بحرّ الشّمس لقد كان سرّ توتّره وقلقه الشّديد إقتراب نتائج البكالوريا ،إنّه اليوم الموعود،اليوم الذّي ستظهر فيه نتائج
البكالوريا. ظلّ منصف يتساءل طوال النّهار:هل سأجازى على تعب عام كامل من الدّراسة،أم سأكون من الرّاسبين؟ وكلّما تبادر إلى ذهنه هذا السّؤال ،زاده ذلك توتّرا،وتصبّبا من العرق.
منصف التّلميذ النّجيب ،يستحضر سنوات الدّراسة في مخيلته،يتذكّر تنقّله من البادية إلى الثّانوية، كيلومترات يسير حافي القدمين ،يحمل على كتفيه الهزيلتين فردتي حذاءه، لا يلبسهما إلّا إذا شارف على أبواب الثّانوية.
على منصف أن يقتصد إلى أبعد الحدود ،فهو لا يملك ثمن شراء حذاء آخر. يظلّ سارحا بخياله،يجري معادلة في رأسه،كان منصف شاطرا في الرّياضيات،ولكن صعب عليه حلّ هذه المعادلة:هل سيجازى بالنّجاح ،عرفانا لسنين التعب والشّقاء، وهل سيحقّق حلمه في دخول كلّية الهندسة.
لقد كان حلمه  اقتحام ميدان الهندسة ،وكم كان يتمنّى ،لو يتمكّن يوما ما من تشييد منزل لوالدته. لم يستفق منصف إلاّ على صراخ والدته(لالة خديجة) التّي سارت نحوه تسأله عن أخيه ، وتستحلفه
بالله أن يتوقف عن العمل،ويمضي معها إلى البيت ،علّها تجد له لقمة يقتات بها. لقد كان لمنصف أخ توأم،ولكنّه وخلافا لأخيه لم يكن مبال بنتائج البكالوريا،لا فرق عنده إن نجح أو رسب جلّ اهتمامه الانتهاء من الحصاد المملّ،وقضاء إجازة الصّيف ببيت الخالة في المدينة، لقد كان جمال الخالة تأشيرتها للخروج من الدّوار ،إنّها حتى ليست متعلمة،فالمسكينة لم يسعفها الحظ. كان سعيد يعشق حياة المدينة ،وما النّجاح في البكالوريا سوى وسيلة لتحقيق غايته ،وهي الهروب من الدّوار، أمّا إن رسب فسيبحث عن فتاة من المدينة ،لقد تأثّر سعيد بخالته كثيرا،وسار مؤخّرا يهلوس كثيرا بالمدينة، والزّواج،والمال والتّجارة….وقد ظلّ مستلقيا إلى جذع شجرة،يطارد حلمه الجميل،خوفا من أن يطير من بين يديه،وما إن سمع لالة خديجة تصيح عاليا باسمه، حتىّ أسرع مهرولا إلى الحقل،يجمع رزم أخيه وقد حملها على رأسه وسار نحو والدته يهز صدره
كالدّيك متباهيا، كانت لالة خديجة إمرأة صارمة ،ولكن قلبها كبير جدّا ،حملت عبء تربية ولديها وهما في الحلم، توفّي زوجها،وسطى أخوه على كامل رزقه،ولم يترك لها سوى حقل صغير تقتات منه
لالة خديجة وولديها،كانت لالة خديجة تدرك جيدا معنى أن ينشئ ولديها دون أب يرعاهما، فلم تكن تبخل عليهما بشيء ،لقد باعت ذهباتها وأثاث منزلها،حتّى تتمكّن من تعليمهما . لالة خديجة تعلم أنّ اليوم، هو اليوم الذّي ستظهر فيه نتائج البكالوريا،ولكنّها تصطنع الجهل حتّى لا تزيد من قلق ولديها.لم يكن في الدّوار من التحق بالجامعة من قبل، وقد شدّت الأنظار إلى جموع الشباب المنتظر للنتائج بتخوف ،وحماس.لذا صارت لالة خديجة تخشى من العين، وراحت مؤخّرا تعطّر البيت بالبخور وترشّ الملح والماء عند عتبة الباب. ظلّ سعيد يحوم حول أمّه كالذّئب، علّها تمنّ عليه ببضعة دنانير،يريد أن يذهب إلى الثانوية لعلّه يرجع بالخبر اليقين،وما إن لامست الدّنانير يديه حتّى طار كالجنّ إلى الثّانوية. فيحين لم يزد منصف بخطوة عن الحقل ،فقد ظلّ مسمّرالقدمين،ولم يبرح مكانه،لا لغذاء، ولا لماء. احتارت لالة خديجة على ولديها،الوقت عشاء ولم يعد سعيد بالبشارة بعد،ومنصف قابع في وسط الحقل لا يقوى على الخروج،ومواجهة الصّبورة التّي علّقت عليها النّتائج. عاد سعيد يحمل البشارة إلى أمّه،لقد نال شهادة البكالوريا،وصل إلى وسط الدّوار يتبعه جمع غفير من الأولاد يصفقون،ويصفرون له،وسعيد يرمي لهم ببعض الحلويات،راح يرقص، ويرقص، ويضرب الأرض برجليه إنه يتباهى،ويريد أن يلفت انتباه الناس لحذائه الجديد . استغربت لالة خديجة من أين لابنها بالمال ليشتري هذا الحذاء الجديد،
ثم أدركت:الماكر لقد باع بعضا من محصول القمح،آه يا ولد الشيطانة. نسيت لالة خديجة فرحتها بنجاح ولدها غيرالمتوّقع،ونزلت عليه بوابل من الشتائم،ثم سألته عن نتيجة أخيه، ولكنّ الولد المخبول لم يكلف نفسه عناء السؤّال عن نتيجة أخيه. لقد ثارت ثائرة لالة خديجة،واستحوذ الغضب عليها ،واشتد احمرار عينيها،وأخذت عنق سعيد تحت ذراعها، وشدّت قبضتها،حتّى حبست الهواء عن رئتيه وكاد يسقط في الأرض مغشيا، ولكنه هدأ من  روعها ، حين أخبرها انه ترك سي حسين يبحث عنه،فعفت عنه وأخلت سبيله. سي حسين هو مدير الثّانوية،وقد كان منصف تلميذه النّجيب ،وتاج رأسه ،لقد تنقّل المدير بنفسه
إلى الدّوار بحثا عن منصف،لكنّ لالة خديجة نزلت على الأرض ،تشكو له حالة ولدها الذّي لم يغادر الحقل منذ الفجر. سارت لالة خديجة إلى الحقل يتبعها سي الحسين على عجل،وما إن لمح منصف حتّى هرول نحوه ، وهو يلوّح له بجريدة كانت بيده،احتار منصف وتساءل عن سبب فرحة مديره،: وهل يعقل أن أكون من الناجحين؟ وصل المدير وراح يقبل منصف على رأسه:تاج رؤوسنا …ومفخرة ثانويتنا.
لقد تحصّل منصف على درجة امتياز،ونشر اسمه ،واسم ثانويته في الجريدة،غذا سيأتي الوالي لتكريمه في الثّانوية ،منصف لا يكاد يصدق ،”اسمي في الجريدة؟ وغدا سيكرّمني الوالي؟”
إنه يشعر بالدّوار فقد جفّ حلقه،وخلت معدته من الزّاد طوال النّهار،خطواته بدأت تتثاقل،يشير عليه سي الحسين أن يسند على كتفه.
اليوم يوم مسعود بالنّسبة للالة خديجة،ستطبخ وتوزع “الفال” على الجيران،أمّا سي الحسين فقد أصرّ على التّكفّل بتوزيع المشروبات ،وجعلها على حسابه. المدير(سي الحسين)رجل طيب،ولطالما كافح من أجل تلاميذه،إنّه اليوم يعلّق آمالا كبيرة على منصف إنّه يرجو من الله أن ينجح منصف فيما فشل هو في تحقيقه من سنين،يريد المدير من منصف أن يستغلّ حضور الوالي لتكريمه،ليشكو له حالة الثانوية،وحال التّلاميذ الذّين يتنقلّون على أقدامهم إلى الثانوية مسافة طويلة،بسبب غياب وسائل النقل. كانت نسبة النّجاح هذه السّنة معتبرة،وهذا يستحق سهرة كبيرة، و إطلاق العنان للأفراح ،أمّا سعيد فقد فضلّ الاحتفال مع رفاقه ،الذّين سعدوا بالتحاق سبعهم بالجامعة، إنّهم كعادتهم يقضون ساعات اللّيل في التّسكع ،والبحث عن المشاكل ،ومعاقرة الخمر. فيحين أمضى منصف ليلته في غرفته بعيدا عن ضجيج الأولاد،وثرثرة النّساء،يخط خطابه الذّي سيلقيه
بحضور الوالي ،وقد سهر معه سي الحسين ،وراح يشدّد على بعض النّقاط التّي يجب أن يبرزها منصف في كلمته وفي مقدمتها غياب النّقل المدرسي،والثّانوية التّي كانت بحاجة للتّرميم، وتزويدها بمرافق للدراسة،وتهيئة الظّروف المواتية للتّلاميذ لضمان التّعليم الأمثل لم يكن بمقدور منصف إدراج كافة الانشغالات،فاكتفى بالأهم.
ولما أقبل الصّباح اتجه منصف إلى الثانوية،أمّا أخوه سعيد فقد نام في الحقل خشية أن تكتشف لالة خديجة معاقرته للخمر،وحين أفاق، ورأى أخاه ذاهبا إلى الثّانوية،تذكّر سعيد أن الحفلة ستقام اليوم، وكان لابد أن يحضر ،فقد كان من الناجحين في البكالوريا. كما أنه يحب أن يتباهى ،ويكون في الواجهة،ويشفي غليله في الأساتذة الذّين لطالما عايروه بنتائجه طوال السّنة، وحلفوا على أنه لن ينال شهادة البكالوريا ،ولو عمر ألف سنة في الثّانوية.ولكنّ الأساتذة، وعلى عكس ما توقع سعيد ،كانوا مسرورين من النتيجة التي حققها سعيد وزملاءه ،فقد كانت نسبة النّجاح العالية خير دليل على عملهم الدءوب،كما رأى بعض الأساتذة في نجاح سعيد راحة كبيرة لهم ،فهم لا يريدون تكرار التّجربة المريرة التّي مرّوا بها معه مرة أخرى. سلمت الجوائز على المتفوقين بحضور الوالي ،والذّي انبهر كثيرا للاجتهاد الكبير، والمثابرة العالية للتلاميذ في ظلّ الظّروف الصّعبة وقد قدم وعودا بتحسين الأوضاع في أقرب الآجال ، لكن و على مرّ الأعوام،سمع الأساتذة والتلاميذ آلاف الوعود التي لم تجسد على أرض الواقع ، لقد ملّ الأساتذة الوضع المزري ،لن تتحسن أوضاع الدّوار إلا بكفاح شبابه،لذا فقد زرعوا قيم : العدالة، والمسؤولية، وحب العمل ،والعلم،فهي السبيل الوحيد لتحسين ظروف المعيشة ،والقضاء على الفقر، ومحاربة الجهل،وتمكين أهل الدوار جميعا من الالتحاق بمقاعد الدراسة.
كان من يتمكّن من الالتحاق بالمدرسة جدّ محظوظ ،لم تكن كلّ الفتيات محظوظات،كانت قلة منهنّ يتممن دراسة الثّانوية ،أمّا الغالبية العظمى فقد كان الواجب المنزلي أولى،وقد كان الزّواج المبكر الحلّ الأمثل
لضرب اللّجام على أفواههن. المدارس بعيدة جدا عن الدّوار المنعزل ،ووسائل النّقل منعدمة،لقد كان منصف ورفاقه يقطعون الطّريق سيرا على الأقدام،يجرّون الغبار بين أرجلهم ،الطّريق غير معبد، والتّضاريس وعرة على الصغير والكبير. لقد سئم الأهالي والأولاد هذه المعانات المريرة ،إنّهم يريدون التّغيير ،يريدون الأفضل للجيل الصاعد ،كانوا يطمعون أن تصل مطالبهم إلى الهيئات المسؤولة.
، لذا عزموا على المثابرة والعمل ،لقد كان تفوّق منصف في شهادة البكالوريا سبيلهم الوحيد للوصول إلى الوالي ،لقد أعجب الوالي جدّا بكفاح التّلاميذ وأساتذتهم،وصفق لذلك بحفاوة،إنّه يتعرّف على العالم
الآخر، ومعاناته.   مشاريع التّنمية الرّيفية نفّست كثيرا عن السّكان في بعض المناطق، ولكن رياحها لم تهب على الدوار بعد. لالة خديجة في بيتها المتواضع ،إنّها جالسة تضع يدها على خدها،لقد أرهقتها كثرة التّفكير ،لم تتوقّف لالة خديجة قطّ عن التفكير في نجاح ولديها ،لقد فرحت كثيرا ،لكنّ فرحتها لم تدم طويلا، إنّها حائرة ،من أين ستؤمن المال اللّازم لولديها،إنّها الجامعة،وعلى ولديها أن يكونا في نفس مستوى  أقرانهما، حتّى لا يشعرا بالحرمان وتقصير والدتهما.
بعد طول التّفكير والتّدبير،هاهي لالة خديجة تقيم وليمة صغيرة ،وتدعو بعض الأقارب والجيران،إنّها الطّريقة الوحيدة لتجمع بعض المال لولديها،إنّها تشعر بالخجل ، لن يكون بمقدورها بيع محصولها القليل من القمح،ستقوم بطحنه وادّخاره لأيّام الشّتاء الباردة. لقد لبّى أهل الدّوار النّداء،وهبّوا لمساعدة لالة خديجة ،إنّهم وبرغم كلّ شيء أناس طيّبون،”إنها امرأة طيبة وتسحق كل الخير” يتهامس الأهالي فيما بينهم. لم يبدي الأهالي للالة خديجة تعاطفهم معها ،خشية أن تخجل،ولكنّها تشعر بذلك،وتدرك طيبة قلوبهم، إنها خجولة جدا،تحمد الله،وتدعوا لهم بكل خير. جاءت الخالة،إنّها تقبّل منصف وسعيد ،راحت تشدد عليهما أن يزوراها في المدينة ،سيكون بيتها مفتوحا لهما ،الأخوان يتسابقان لفتح هدايا الخالة،إنّها ملابس وأحذية،الأخوان منصف وسعيد مسروران جدا، لقد أزاحت الخالة حملا ثقيلا عن ظهرهما،سيكون بمقدورهما مواجهة المدينة،فالملابس التّي جلبتها الخالة ستستر فقرهما. سعيد مسرور بحضور خالته من المدينة إلى البادية خصّيصا لمباركة نجاحه،إذا استطاعت تدبير عمل له في المدينة فسيكون مستعدا للتّخلي عن الدّراسة،إنّه لا يفهم سوى لغة المال،ولا همّ له في هذه الحياة سوى الرّكض وراء الملذات،لقد سئم الفقر،الحقيقة هو ليس شغوفا جدّا بالعمل، كلّ ما يجول بخاطره الرّبح السّريع،أو بالأحرى العمل في حقل الوالدة لن يؤمن له العيش الكريم . وبينما الخالة تساعد لالّة خديجة في تحضير العشاء،سعيد يمضي طول المساء مع أصدقائه،إنّهم يتبادلون بعض الأخبار والإشاعات لقد بدأت أخبار تذاع بين شبان الدوار، عن رفاق لهم ركبوا البحر وعبروا إلى الضّفة الأخرى،سعيد ظلّ صامتا ينصت بانتباه ،لقد بهر عندما سمع رفاقه يتداولون أخبار “الحرّاقة” يسيل لعابه حين يتعلق الأمر بأوربا،فالعرض الذّي قدّمه رفاق سعيد له مغر جدّا، هو لا يولي اهتماما للمخاطر التيّ سيواجهونها.
كل ما في الأمر أنّه قلق على لالة خديجة،إنّه مرهف الإحساس عندما يتعلق الأمر بفراق والدته ،هو لا يريد أن يحرم حنان الأم ،بعد أن حرم حنان الأب ،لا يريد أن يحترق فؤاده مرتين. لم يعد سعيد إلى البيت إلّا بعد بزوغ الفجر ،لقد أمضى الليل بطوله يفكّر ،لكنّه لم يحسم الأمر بعد.لم يبق الكثير وتستيقظ لالة خديجة لأداء صلاة الفجر ،ورفع يديها للسّماء تدعو الله أن يحفظ ولديها ويسهلّ لهما طريق الخير.لا يريد سعيد أن تضبطه والدته وهو مخمور ،هو نادم على الورطة التّي أوقع نفسه فيها، لقد عزم مرارا وتكرارا أن يترك الخمر ،لكن رفاق السّوء ظلّوا يتربصّون به الخمر بالنسبة لسعيد ورفاقه مجرد وسيلة لنسيان هموم الدّوار،سيتنفس سعيد الصّعداء قريبا،سيلتحق بالجامعة وسيجد متّسعا له بعيدا عن الدوار. سعيد يدخل الغرفة،إنّه يفاجئ بأخيه لا يزال مستيقظا، يتفحّص خياراته ،معدّل منصف عال جدّا سيتيح له ذلك الالتحاق بكلّية الهندسة.
منصف غارق في الأوراق الملقاة في سائر الغرفة،يخطّط لمستقبله ،مستغربا سلوك أخيه الذّي لا يبالي ولا يحسب للجامعة أيّ حساب، بالنّسبة لسعيد الأمر سهل مجرّد شعبة تفي بالغرض،الجامعة بالنّسبة
لسعيد عبارة عن شبكة عنكبوتية ،قد تمكّنه من اصطياد فرصة العمر. لن يمضي سعيد بقية حياته في الدّوار ،حتّى لو أكل الحوت لحمه في قعر البحر،لايبالي ،لايهم إن تمكّن من الوصول إلى الضّفة الأخرى،المهمّ ألّا يعود إلى الدّوار،أمّا إن حالفه الحظّ ،فحسب ظنّه سيتمكّن من العيش بهناء.هذا هو التّفكير السّائد بين شباب الدّوار أيّ مكان في العالم ،سيكون أحسن من الدّوار ،والملل القابع في قعره.
أقبل الفجر، وهاهي ذا لالة خديجة تحمل رزم من صوف الغنم فوق رأسها،وتتّجه بها إلى سوق الدّوار ،إنّها تسعى جاهدة لتمكّن ولديها من تحصيل العلم،لالة خديجة ولسوء الحظ ظلّت طول عمرها أمية،ولكنّها تعرف حق المعرفة أنّ التّعليم خير وسيلة لتحقيق التّنمية في الدّوار، لقد حفظت محاضرات منصف عن ظهر قلب ،منصف الذّي تأثر لعذاب ومعانات والدته،فتبعها يحمل بعض الّرزم. يسير منصف وراء والدته مطأطئ الرأس ،إنّه يأسى على حال والدته،يؤسفه أن يراها تتعب وتشقى لتوفّر لهم لقمة العيش . لمّا أقبل المساء عادت لالة خديجة تحمل رزم الصّوف فوق رأسها ،المسكينة لم تبع منه شيئا،فؤادها يحترق،لكنّها لم تيأس ،غدا صباحا ستعاود الكرّة ،وإن لم يسعفها الحظ ، فستبيعه لجارتها بثمن بخس، ستزوج جارتها قريبا ،وسيكون عليها تحضير جهازها. النّهار في الدّوار طويل ،لا ينقضي إلاّ بعسر ،وشباب الدّوار ينتظرون هبوط اللّيل بشغف ،ظلمة اللّيل وسكونه يحجب أعين الشباب في الّدوار عن رؤية معاناتهم. لو استطاع أهالي الدّوار صرف أيامهم فيه دفعة واحدة لفعلوا،لقد فعل بهم الملل فعلته الّنكراء،ليس هناك مستقبل للشّباب في الدّوار كل من في الدّوار يريد الهرب ، لاتهمّ الوجهة ،المهمّ بعيدا عن الدوار، لم يعد من الممكن تحمّل العيش في الدّوار. بالنسبة للالة خديجة الأيّام تمضي بسرعة،وهاهما ولديها قد كبرا،وسيلتحقان بالجامعة قريبا،ينقضي فصل
الصّيف سريعا وما هي إلاّ أيام معدودة ،وسيلتحق ولديها بالجامعة،رغم حزنها على فراق ولديها، إلاّ أنّها ستكون سعيدة ،سيتمكن منصف وسعيد من التّرويح عن نفسيهما قليلا، والارتياح من روتين الدّوار المملّ،إنها تأمل أن تفتح لهما الجامعة آفاقا واسعة، لا يريد الأولياء في الدّوار أن تستمرّ هذه المعاناة ،ويرثها من بعدهم أبناءهم، إنهم يرجون الأفضل لأولادهم،إنهم يشدّدون على تعليم أولادهم ،التّعليم حلم لا يتحقق إلّا لمن سعفه الحظّ، ولم يدفعه القدر لرعي الغنم،أو بناء أسرة في سن القصر. لقد حزم كلّ من  منصف وسعيد أمتعتهما ،سينقلهما جارهما في عربته المتواضعة،ليستقلا الحافلة نحو الجامعة،تمرّ العربة بمحاذاة المراعي،أين كان الفتية يرعون الغنم،وقد راح كل فتى يلوح لمنصف وسعيد،هم بالنسبة لهم أبطال خارقون،قهروا الظّروف،وتعبوا ليلتحقوا بالجامعة، منصف يغادر الدّوار ،وهو حازم في قراره سيفعل المستحيل لتحقيق تنمية شاملة في الدّوار ،الفتية في المراعي لم يلتحقوا قطّ بالمدرسة ،جلّ عملهم رعي الغنم ،يعملون من الفجر إلى المغرب، هم لا يعرفون حتّى كتابة أسمائهم ،منصف حيران أسف على حال أهل الدّوار ،الجهل يعششّ في الدّوار
،والفقر قد عمّر طويلا،لن تنجح خطته في النّهوض بالدّوار في بيئة الجهل سيّدها منصف الذّي حمل على كاهله هموم الدّوار،يحلم بغد أفضل،غذ يتمكّن فيه كل فتى وبنت من دخول
المدرسة ،والحصول على وظيفة محترمة. سرح منصف بتفكيره وخياله بعيدا،فلم يشعر بطول الطّريق ومشقّتها ،سيدخل منصف الجامعة مسلحا بالإيمان ،ثقته عالية ،إنّه يأمل كثيرا في التمكّن يوما ما من إرساء أسس التّنمية في الدّوار. في الجهة المقابلة كان يجلس سعيد،الذّي لم يكن يجول بخاطره سوى شيء واحد ،إنه الهروب من الدوار،شعور يختلج الصّدر وغبطة وسرور يبديها سعيد بدخوله إلى الجامعة،إنّها الخطوة الأولى
التّي أتاحت له الإبتعاد ولو قليلا عن الدّوار ،لازالت فكرة ركوب البحر تراوده في الحلم واليقظة، إنّه بطبعه لا يولي إهتماما بأي أحد ،ولكنّه حائر في أمره،لم يستطع الثّبات على رأي،إنه حنان ورعاية لالة خديجة ،لا يستطيع سعيد العيش بعيدا عن حضن لالة خديجة، ولكن ربما ستعلّمه تجربته الجديدة في الجامعة الإتّكال على نفسه،رغم أن لالة خديجة لا تصدّق أن يأتي يوم ترى فيه ولدها ناضجا ومسؤولا عن تصرّفاته.
يركب منصف وسعيد الحافلة،والوجهة هي المدينة ،سيمضيان قدما لبناء حياتهما بعيدا عن الدّوار،سينتقلان لمجتمع آخر ،إنّها المدينة النقيض المغاير للدّوار،سيكون من الصّعب على منصف وسعيد الـتّأقلم مع حياة المدينة،وسيكون العثور على موطئ قدم لهما فيها الإختبار الأصعب . إنها نظرة الإحتقار ،في كثير من الأحيان ننسى معاناة الآخرين،وتتحوّل هذه المعانات إلى مجرّد طرائف ونكات نتبادلها عن أشخاص لم ينالوا الحظ الوافر،كما نلناه نحن،ننسى أنهم جزء منا،ننسى أن معاناتهم تعود في الأساس لتقصير منا ،هكذا نحن نستريح في النّعيم غير آبهين بمن تركوا خارج دائرة الرّفاه، نحاول أن نخفي تقصيرنا ،فنمسح سكّين الجريمة في ظهور ضحايانا، فننعت فلانا بالمتخلف وننعت الآخر بالبدائي ،وفي نهاية المطاف إنّه التّوزيع غير العادل ،هذه هي الفلسفة السّائدة عند أهالي الدّوار ،على السّلطات أن تلتفت لمعاناتهم ،وتخرجهم من جحيم الحرمان ،
لقد تغيرت الأحوال،أصبح شباب الدوار يشعرون بشساعة الفارق بينهم وبين شباب المدينة،لم يعد من الممكن السّكوت على الوضع ،لم يبقى أمام الشّباب اليوم سوى حلّ واحد إذا لم تتحسّن الأحوال سيضطرون لركوب البحر،مخاطرين بحياتهم .شباب المدينة ورغم ظروفهم الحسنة مقارنة بشباب الدّوار إلاّ أنّهم يركبون البحر ،منجرّين وراء أحلامهم والتّي غالبا ما تتحول إلى أوهام موحشة في قاع البحر. ولكن جلّ ما يتداوله الشباب هو أساطير وبطولات من سعفه الحظّ ،ووضع قدمه على يابسة أروبا،وهذا يشكل حافزا كبيرا لهم وينسون معه هاجس الموت،والحوت القابع في قعر البحر، لقد لمس سعيد هذا الحافز عند جميع الطّلاب الذّين التقى بهم،إنّهم جميعا يحلمون بالعبور للضّفة الأخرى ،سواء بطرق شرعية أو غير شرعية، ولكلّ غاية،فمنهم من يحلم بالدّراسة في أرقى الجامعات، ومنهم من يسعى وراء المرح والتّرفيه،ومنهم من لا همّ له سوى ما يعادل الأورو بالدينار،ومنهم من سبح مع التّيار و تبع الحشود الزّاحفة على الزّوارق . أما منصف فلا أحد تقريبا كان يؤمن بنظريته،أن تتخرّج وتسعى لبناء وطنك هذه النّظرية وجدت لتبقى حبرا على ورق ،حسب رأي زملاء منصف ،إنّهم حتى لم يجودوا على وطنهم بقدراتهم ومواهبهم، إنهم يختزنونها ولا يفجّرونها إلاّ إذا عبروا للضّفة الأخرى غير آبهين ولا مبالين بالعمل الذّي يتحصلون عليه، يعملون أيا كان العمل ،الأورو أغلى من الدينار ،أمّا في بلادهم فيتحججون بأحاجيج كثيرة إنها مسألة كرامة ألّا أزاول العمل كذا، أو هل تحصّلت على شهادة لأزاول هذا العمل؟،إنّهم لا يزاولون العمل ،فقط لأن الدينار ليس كالأورو ،”الدّينار لا يعمر الدّار”.
غالبا ما ترى سعيد يتلعثم ،يحاول أن يضبط بعض الكلمات باللّغة الأجنبية ،لقد ترك دراسته وتفرغ لتعلّم اللّغة الأجنبية، كلّ من في الجامعة يتلعثم باللّغة الأجنبية :الطّالب،الأستاذ،أعوان الأمن، وحتّى البائع في الكشك،الكلّ يتلعثم… تركوا لغة الجنّة،وراحوا يتلعثمون بلغة “الإفرنج” ،منصف مستغرب من حال الشّباب اليوم ،الكلّ منكب على الإنترنت، ليس للبحث العلمي،ولكنّ الغالبية العظمى منهمكة على “الفايسبوك”، إنه أضعف الإيمان لمن لم يسعفه الحظ في الوصول إلى أوربا ،يصرفون ساعات الليل والنهار، وأيّام العمر ،في إقامة صداقات “عابرة للحدود”،لايهم إن لم يصلوا إلى أوربا،المهمّ أن تتمكّن عقولهم وأحلامهم من إختراق حواجز الحدود، ينسون أو يتناسون معاناتهم بتبادل النقاش مع شبان أوربا،وكأنّ شباب أوربا يتغنّى في نعيم مطلق ، أوربا اليوم نتاج عمل شبابها، أوربا لم تقم من العدم ،أوربا تضحيات أجيال، الأحوال في بلدان الشباب المحروم اليوم سيئة للغاية،ولكن حسب فلسفة منصف ،الشّباب عماد التنمية، أوربا لم تنهض لأنّ شبابها فرّ وتركها،أوربا رأت النّور لأنّ شبابها تمسّك بها، وناضل لأجلها لتبلغ القمم،شباب أوربا ضحىّ،شباب أوربا تعلّم وعمل،جدّ واجتهد،حتّى نال المراد، إنّها حسب فلسفة منصف معادلة بسيطة لمن أراد أن يأخذ بها ،ولكنّ معظم رفاقه كانوا ينعتونه “بالفيلسوف الحالم”.
أيّام الدّراسة بالجامعة تمضي مسرعة ،كلما عاد منصف وسعيد إلى الدّوار،أحسّت لالة خديجة بإنسلاخهما عن جلدة الدّوار،إنّهما اليوم يحملان أفكارا غريبة عنها. لم يعد لامنصف ولا سعيد يعبئ بحياة الدوار البسيطة، لقد خطّ كلّ واحد منهما مشاريعه الخاصة،منصف يريد النّهوض بالدّوار،يريد تحقيق تنمية شاملة ،يريد أن يجند كافّة القدرات،لتحقيق هدفه ،إنّه في ذلك طموح للغاية،أهالي الدوار يؤيّدون رأيه،لكنّ شباب الدّوار حصر تفكيره في فكرة واحدة، لا سبيل لرؤية النّور في الدوار،إنّهم لا يؤمنون بأن يحلّ يوم تتحسن فيه الأحوال، ويتخلص الأطفال من الفقر والجهل.
سعيد ورفاقه حسموا أمرهم،سيغادرون الدوار والبلاد ،وبلا رجعة ،ما إن تسنح الفرصة ،إنّهم عازمون، حازمون في قرارهم هذه المرة،لقد بلغ السيل الزبا،لم يعد هناك من مخرج،لقد طغى عليهم الملل، ولم يبقى ما يزرع من أمل،الدّوار لم يقدم شيئا ولن يقدم شيئا. ذهب سعيد إلى الجامعة وأحضر معه أفكاره،لقد أصبح من متردّد إلى ربّان السّفينة التّي ستبحر إلى يابسة الأحلام.
تمرّ الأيام رويدا رويدا،لا تشعر بها وهي تنفلت يوم بيوم،ولا تدرك ذلك إلّا بعد أن تنظر مليا في مذكرتك، ليتضح لك جليّا أن حياتك قاربت على الفناء، وأنت ،أنت لحدّ السّاعة مازلت نفس الشّخص،هو،هو
،بعفويتك، وسذاجتك، وأحلامك البريئة،وخواطرك المليئة  بطموحات وآمال برّاقة، وما إن تنظر حولك حتّى يتبادر لذهنك سؤال :ما الذّي تغيّر؟ما الذّي تطوّر؟ما الذّي جعلك تظلّ ساكنا، قابع في عقر دارك، تلتمس الرّحمة،وتنادي طالب النّجدة،ولكن من ذا الذّي يمدّ يد العون، من ينجد من ركب ولدها البحر،وانقطع خبره،وترك فؤاد والدته يتقطع حزنا،وعيونها تسيل دمعا،وقد ارتسمت على خدها خطوط سوداء من شدة جريان الدّمع، من يرثى على حال من حمل الشّهادات ليسير حافي القدمين ،لا يخلف من خلفه أثر ،فقد حط الغبار المتطاير و محي آثارالأقدام، تسير تتأمل الصبية في المراعي ،لا يفرقون بين الألف والباء،تلتفت فتلمح شباب في ربيع العمر، جلوسا في المقاهي يتناقشون في شتّى المواضيع ،عدا حالهم،لا يتعبون أنفسهم في السّؤال عن حالهم، فقد استسلموا،ليس هناك من سبيل لتحسين حالهم .
منصف يتأمّل ويأمل ،يتأمّل الدّوار،ويأمل أن يأتي اليوم الذّي تطلع فيه الشّمس لتسدل السّتار عن حلته الجديدة، يوم يذهب فيه كلّ فتى للدّراسة،وكلّ شاب للعمل،إنه يتأمّل ويأمل ، أن يستيقظ يوما ما ويجد أخاه سعيد وأصدقاءه قد عادوا، لتعود البسمة إلى وجه لالة خديجة.
إنه يتأمل ويأمل…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق