ثقافة السرد

حنان كلــــب

حميد الحريزي

تفاجأت كثيرا ، ابحرت زوارق عينيها في محيط الفرح حين اعلمتها الطبيبة انها حامل بعد طول ترقب وانتظار تجاوزت العقد من السنين ، كان ((وجدان)) حلم الزوجين الذي تحقق بعد صبر طويل … ادخل البسمة والتفاؤل في حياتيهما ، الام متوردة الخدود عالية الاهتمام بمظهرها وزوجها ، الزوج يولد من جديد ، تجدد شبابه ونشاطه،….اخذ عشهما يتوسع باطراد ، عمل بهمة عالية ، واردات العمل تزداد ، بدأت افكاره الابداعية تتفتق عما هو جديد من اجل زيادة ثروته ، شراء عقارات، زيادة الاستثمارات لضمان مستقبل وليدهم المرتقب ،قتر على نفسه واصل الليل بالنهار دون كلل ، ما ان يعود للدار حتى يتبدد التعب عندما يلصق اذنه على بطن زوجته مستمتعا بسماع نبض وحركة الوليد الحلم …. …..كانت ستغطس في بحر من الحزن والالم بعد الوفاة المفاجئة للزوج ،حيث ان انشغلاته بالعمل انسته تناول ادوية السكر والضغط ، لولا ترقبها للامل المنشود للتحقت بزوجها الحبيب ، اصطبرت ، قاومت الوحدة والفراغ بمناجاة جنينها ، تناديه باسم والده تحكي له حكايات الطفولة والشباب ، قصة العشق والهيام ، قصة ترقبهما وانتظارهما الطويل … تاكل لاجله، تفرح لاجله ، تتحدث لاجله ، تنام وتستيقظ لاجله … تتابع أعمال زوجها بنجاح كبير اذهل من حولها
لكي تحافظ على ثروة ولدها القادم حلمها وحلم المرحوم زوجها … انها مؤتمنة على هذه الثروة من اجل ((وجدان)) كما اتفقا على تسميته ….
حرصت على تعليمه على ايدي اكفأ الاساتذة ارسلته الى خارج البلد لاكمال تعليمه العالي في ارقى الجامعات العالمية لم تؤخر له طلبا ولم تعترض على رغبة من رغباته ، وقد حاز على شهادة رفيعة هناك ،…
تجلس طوال الوقت تعد الايام والاسابيع والاشهر لعودته من بلاد الغربة لتنعم برؤياه ، تعيد جرد الممتلكات وحساب الارصدة في البنوك ، تقتر على نفسها وعلى العاملين معها في شركاتها المتعددة لتؤمن له ثروة تسعده وتسعد ابنائه من بعده
جلست امام التلفاز في يوم عودته الموعودة ، تتابع اخبار العالم وخصوصا اخبار حركة الطائرات ، مترقبة عودته الميمونة من بلاد الضباب حاملا شهادته العليا ، برفقة زوجته الفارعة الشقراء كما شاهدت صورها معه ، ورسائله المحملة بصورهما في منتجعات وعواصم العالم المختلفة .. مستغرقة في خيالها ، ترسم وتخطط لحفل استقبال ولدها في قدومه المرتقب فستعمل لهما حفل زفاف كبير لتعوض عما فاتها من فرح زواجهما في لندن ،وهي سارحة في خيالها واحلامها ، قرأت العاجل التالي :-
((تعرضت طائرة الخطوط الجوية ……. القادمة الى بغداد الى حادث مؤسف وسقطت في منطٌقة مجهولة )).
صرخت صرخة ارتج لها المنزل ، لم تشعر بوجودها الا في مكان مظلم لا ترى من حولها اي شيء ، انه الظلام الدامس ، في مستشفى المدينة ، لم يفارق لسانها اسم ولدها ((وجدان))، تهدء ثم تصرخ ولدي ((وجدان)) ، كانت تبكي بلوعة تُبكي الحجر ، بصعوبة بالغة اقنعها من حولها ان الطائرة التي سقطت ليست طائرة ((وجدان)) وسيصل ان لم يكن قد وصل الان الى المطار …حاولت ان تهدأ، نهضت ، سقطت لانها لم ترى طريقها ، تريد ان تغادر المستشفى لتذهب الى المطار لاستقبال عزيزها العائد من الغربة …
احتضنت ولدها بدليل رائحته دون ان ترى وجهه ، تتلمس رأسه ، عيونه، حاجبيه ، فمه ……
نعم نعم انه ولدي… نعم انه عزيزي ((وجدان)) ، هذه رائحة ولدي شكرا لك يارب…. انه سالم معافى ….ليتني ارى عروسه ؟؟
استغربت الشقراء من مرآى الام وهي اشبه بالمجنونة
Oh my god what happen to your mother??
ذهب الجميع الى الدار ، الام تكاد تطير فرحا وهي تنتقل بينهم على غير هدى ، تتقاذفها الايادي وسط استغراب الجميع ، بين حزين اسف لحالها وبين هازءا، وجد في حالتها تسلية طريفة ، سوى الكلب الذي غادر حضن الشقراء ، اخذ يدور حول العجوز العمياء يتشممها ، يلتف بين قدمييها ، ….الشقراء جلست لصيقة زوجها منكمشة على نفسها اظهرت مشاعر الدهشة والاشئمزاز ، ، نادت على كلبها ان تعال ……….
لم يعطي((وجدان)) والدته الاهتمام المطلوب وهي تشمه وتلقي عليه وابل من الاسئلة حول حالته وحال زوجته الصحية ، ماذا يحبون من الاكلات والمشروبات والافرشة،تحاول ان تزغرد فرحا لسلامتهما ، اوتبكي حزنا لفقدها البصر، وعدم قدرتها على رؤيتهما و رعايتهم واعداد الاكلات التي يحبها ولدها الغالي بيدها…..مر اليوم الاول للاستقبال على هذا الوضع.. حاول الولد ان يستشير الاطباء حول مرض والدته وهل يمكن شفائها اكدوا له ان تكاليف شفائها باهضة جدا ربما تعادل ربع ثروتها …. بدأت زوجته تتضايق كثيرا من والدته الضريرة ومدى تعلقها بولدها وكانها ضرتها العنيدة …. دارت في مخيلة ((وجدان)) دوامات من الذكريات والاحاسيس والمشاعر، ذكرياته مع والدته وبين جزع حبيبته الشقراء التي لا تنام الا وهي ثملة محتضنة كلبها المدلل لاهم لها سوى المال والعودة الى بلدها..بعد بضعة ايام جلس مبكرا توجه نحو والدته التي كانت تفترش الارض في باب غرفة نومهم، كعادتها في كل يوم ، تأمر الشغالة ان تحضر لهم الفطار على مائدة تضم كل ما لذ وطاب، رغم انها كانت تشعر بالحيرة ، حينما تفكر باطعام الكلب ، انه ليس كالكلاب الذي تعرفها ، فكلابهم كانت تتملق اسيادها منبطحة عند باب الكوخ تتلقى بامتنان كبير كسرة الخبز او عظمة مكدودة ، ترمى لها من بقايا الموائد ، تتلقفها فرحة جذلة ، تمرغها بالتراب كانها تغمسها في اناء من سمن ، لكن هذا الكلب لا يأكل الا بعد أن يلبسونه صدرية خاصة ، وان يوضع له طبقا خاصا … يتصنم بعد اكماله طعامه منتظرا من يمسح له بوزه بورق ))الكلينكس(( المعطر ، كما وصفته لها الشغالة، المندهشة من عادات هذا الكلب المدلل ، ام وجدان احتملت نجاستة لفرط حنانه ومرحه وتسوله والفته ، وهو يلحس يديها ويضع راسه على صدرها ، معيدا للام ذكرياتها مع ((وجدان)) وكيف كان يتودد لها ، لا ينام الا بعد ان يدس راسه في حضنها الدافيء ، كيف كان يحبو ، وكيف كانتا كفاه الصغيرتين تتلمسان شفتيها ووجهها ، انه وجدان الكلب ، قطع شريط تخيالاتها وجدانها معتذرا عن تناول الافطار، زوجته تريد ان تفطر خارج الدار،كظمت الوالدة غيضها وضياع جهدها سدى في اعداد افطار ايام زمان .. انحنى مقبلا يدها طالبا منها ان تبصم على ورقة قبول اجراء عملية لعينيها تعيد لهما النور …. طاوعته اعطته ابهامها وهي فرحة علها تشفى وتتمكن من رؤيته وزوجته من جديد ، سرحت في عالم الخيال وهي تتخيل صورته ،تتخيل زوجة الحبيب ، تتخيل احفادها من زوجته الشقراء ، تنصت لهما وهما يرطنان بالانكليزية فلا تميز غير الضحك فتنفرج اساريرها او تنقبض تبعا لنغمة الحديث بين الفرح والغنج والجد والحزن وووو …. يا الله ستتمكن اخيرا من رؤية تبدلات تقاسيم وجهيهما وترقب بريق عينيهما؟؟ …. هل يمكن ان تحقق لها هذه البصمة كل هذه الاحلام؟؟ ، قبلت ابهامها فبانت البصمة البنفسجية على شفتيها المزمومتين على شكل قفل بنفسجييحكم اقفال فمها …….
بعد مرور عدة ايام اقتادها الى حيث وعدها ، تكاد ان تطير من الفرح ، فستلتقي مع النور ثانية وتكتحل عينيها بصورة ولدها بعد غياب سنين طوال …. استقبلت اصوات لم تألفها من قبل … بعد انتظار دام ساعات اخذت تسأل عن سبب تاخر الطبيب لاجراء العملية …ولماذا اختفت رائحة ولدها من حولها ؟؟؟؟
هل هي الان في صالة العمليات ؟؟؟
قالت انا ليست خائفة ابدؤا العملية حتى بدون ((بنج)) انا لا اخاف ،كل شيء يهون امام رؤية ولدي فلذة كبدي ، لابد ان اراه ، خذوا كل ما املك مقابل ان اراه ….كانت الصدمة الكبرى حينما علمت انها في دار العجزة…. باع وحيدها كل شيء مستفيدا من الوكالة العامة المطلقة التي بصمت عليها ، فار تنور العتاب في قلبها الجريح …. لماذا رحل ؟؟؟
هو هوَّ الكلب بين اقدامها معلنا سفر ((وجدان)) مع شقرائه عائدين الى بلاد الضباب ..ليتركوها تحت رعايته …..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق