ثقافة السرد

على قارب الموت : (حلم لم يتحقق)

حاجي هواري

اليــوم وقد مرَّت على ساعة ميلاده، عشرون سنة وهو في قمة نشاطه وعطائه قوَّة هائلة طاقة كامنة تحتويه تود الخروج لكنها لا تستطيع. نعم انه الآن مع أصدقائه يُماِزحُهُمْ يُلاَعِبُهُمْ فهو دائم الصُّحْبَةِ معهم، يذهبون إلى الملاعب لمشاهدة المباريات فقد كان محباً للاستجمام. يمرّ الوقت وقد زاد عن عمره سنة كامــــلة، يبدأ عبد القادر بالتفكير لقد تخرّج من المدرسة الثانوية، ولم يسعـفه الحظ بالالتحاق للجامعة. فقد دخل عالم الشغل منذ سنتينْ وامتهنَ حرفةً تعينه على مصائب الدُّنيا وتبعده عن مَصْيـَدَةِ الحياة، لكن تفكيـره يأخــذه دائماً إلى بعيــد. في المسَّاء يخـرج من الورشة التي يشتغل فيها  متجهاً إلى المقهى التي اعتاد أن يركن إليها قبل ذهابه إلى البيت  فيلتقي بشلته ويتبادلون أطراف الحديث.

كانت تلك الأيام صعبة جداً بالنسبة إليه، فتفكيره يَصُبْ في كيفية بناء مستقبله بداية من تغيير واقعه الذي لم يكن راضياً عليه. يَصْبُـوا دوماً إلى واقع أحسن من هذا بكثير، لكن لم تسمح له بيئته التي يعيش فيها بتحقيق هذا المصير أصدقاؤه جميعاً على نفس الوتيرة يريدون الوصول إلى الأحسن وقهر المستحيل صديقه الذي يدرس في الجامعة يريد حلاً حتى ولو كان بالرَّحيل. بدأ التفكير جادا عندهم نابعاً من الصميم، والوصول إلى أسرع حل هو همهم الوحيد.اجتمعوا فقرروا بأنه لا سبيل لهم إلا الذهاب للضفة الأخرى فهناك يوجد أمل لتحقيق المصير وخاصة عندما شاهدوا بــأم أعـينهم مغتربـون قـد حققوا الأمل وهزموا المستحيل.

كانوا شلّة من سبعة أفراد فيــأتيهم صديقهم بالخبر اليقين سوف يسافرون إلى الوجهة الأخرى في قارب صغيــر.

زادهم في السفر_ تمرا وماء_    وأمــلاً بأن تطــأ أقدامهم شاطئ أحلامهم بألف خير. بعد مد وزجر في الحديث قرّروا  الرحيل واشتروا قارباً صغير وأكثروا من جلب قارورات البنزين .

في الساعة المعلومة من ليلة هادئة صافية أجوائها نسيمها عليل ، ركبوا القارب وبــدأوا بالرحيل ،يشـــعر عبد القادر بالحزن كلما ابتعد القارب عن الشاطئ فالوطن عشق أرضٍ وحبه إيمان.

يتبادلون أطراف الحديث وهمّهم الوحــيد هي البوصلة التي كانوا يظـنون أنها تتجــه بهم إلى الوجهة الصــواب والطريق الصحيح ،وهم في عرض البحر اشتد الصّقيع فلم تقيهم ملابسهم هذا الشتاء البارد الذي لم يروا له نظير ينزل الليل بستاره ظلاماً داكناً ومازال ذلك السكون يخيّم على البحر العميق.

نظر الجميع إلى بعضهم بعضاً، نظرة خوف وحزن فرغم قسـاوة المنظر إلا أن بعضهم استسلم للنوم . من بعد شقاء وتعب رغم ضجيج المحرِّك الكبير .

شاهد عبد القادر هذا المنظر بأم عينيه يراقب أصدقائه الواحد تلوى الأخر يختلـسُ النظر إلى البحر.ماذا يفعل ؟ قرر أن يستلقي بظهره في ركن وعيناه في السَّماء ينظر إلى النجوم وفي داخله تفكير كثير.

أخذه النوم مرغماً في إجازة قصيرة ليستفيق على أصوات الضجيج ليردد قائلاٌ ماذا حدث؟ .

قال أحدهم لـقد تعطَّل المحرِّك وَتُـهْنـَا في عرضِِ البحر ما العمل لا مفـر إلا إعادة تشغيله،عبد القادر ميكانيكي وربما يستطيع إعـادة إصلاحه من جديد.

الجميع ينظر إليه أحـسُ من نظراتهم بأنه قد أصبح أملهم الوحــيد وإلا يأكــلهم السـَّمك في عرض هذا البـــحر العميق.

مع دعائهم ينطلق المُحَرِّكْ من جديد  ويواصل القارب ذلك المسير .

مفاجأة أخرى غير سارة،هيجان البحر والريح القوِّية تحاول قلب القارب الصَّغير .أمواج هائلة عاتية وخـوف شديد يمتلك الجميع ، للأسف هنا يتأمَّل عبد القــادر آخر المصير موجة عاتية لم يرى لها في حياته مثيل ينقلب القـــارب ويغوص الجميع في البحر الغامق يحــاول الصمود والأمواج تدفعه مع زملائه وهو يدرك بأنه على وشك الرَّحيل يجدف بيديه ورجليه لكن لم تكن له القدرة على مواصلة المسير بعد أن نال منه التعب الشــديد يسترخي على ظهره في عرض البحر وينظر إلى السماء مـن جديد ، داعياً من الله الرَّحمة والمغفرة لأصدقائه ولنفسه فقد كان مجــرَّدَ حلم وكــانوا يريدون الأفـــضل بتكسيـرِ المستحيل.

للأسف  غلبهم وغلبتهم معها رحمة الله. غادروا الدنيا متعبين إلى دار الخلد إن شاء الله أمين سالمين  نعم  كان  _مجرد حلم_  لكنهم لم يحلموا بنهايته   القاسية التي قضَتْ  على الحلم وعلى الجميع .

وكانت رسالة عبد القادر الأخيرة   يخاطب فيها قائلاً:

من حقّك الحلم واحلم كما تشاء  ، لكن احذر أن يكون حلمك حاجزا لك يوماً فيوقفك مرغماً عند نهاية الطريق فالحلم دائما يحتاج إلى تفكير عميق ، لا تستغني أو تلغي عقلك فيه أبدا وإلا ستواجه  مرغماً  _نهاية المصير_.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق