ثقافة السرد

(السنابل)

تأليف: د.قيس العطواني*
 
صافحت أشعة الشمس وجه القرية الذي ابتلّ بالأمطار يوم أمس ، وبدأت خيوطها الصفراء بلملمة آثار زخّات المطر التي تركتها على جدران المنازل ، والشوارع التي تحوّلت أرضيتها الترابية إلى كتل طينية لزجة متفرقة ، وبقع من المياه تتناثر هنا وهناك ..
مدّ الفلّاح (أبو آزاد) يده نحو مزلاج الباب ليخرج من بيته متّجها نحو الحقل كالمعتاد ، وكم كان يتمنّى لو يساعده في العمل ابنه آزاد الذي فُقِدَ عندما كان يقاتل عصابات داعش في سنجار شماليّ العراق .
وقعت عينا أبي آزاد على سنبلة قمح ذهبية غضّة على عتبة بابه.. قطّب مابين حاجبيه مستغربا وجودها هنا ، لأنّ فلّاحي القرية لايزرعون القمح ، فمدّ يده والتقطها بتمهّل ، وظلّ يتأمّلها وهو يحثّ الخطى نحو جاره (أبي أحمد) ليذهب معه إلى الحقل .
في الوقت نفسه كان أبو أحمد قد همّ بالخروج من داره ، وهو يتحسّر ألما على زوجته الراقدة في البيت بسبب إصابتها برصاصة في كتفها عندما حملت السلاح لتتصدّى مع أهل القرية ، وتقاوم عصابات داعش الإرهابية، واستطاعوا إبعاد شرّها ، كما شعر بالقلق لأنّ نتيجة ابنه أحمد في امتحانات البكالوريا للسادس الإعدادي، ستظهر صباح الغد، وعندما فتح باب الدار وجد سنبلتين ذهبيّتين غضّتين على العتبة ، فراوده الشعور ذاته الذي مرّ به جاره أبو آزاد ، وأخذ يحدّث نفسه بغمغمة صوت خفيض :
– من أين للسنابل أن تأتي لداري ونحن لانزرع القمح في أراضينا .؟
التقى الاثنان ، ومضيا إلى الحقل وهما يتحدّثان بأمر هذه السنابل ، من ثمّ مرّا على شريكهما في الحقل (أبو الشهيد علي) الضابط في الجيش العراقي الذي استشهد عندما اقتحم مع الجنود تحصينات داعش في الرمادي تاركا زوجته الحامل بشهرها الأوّل ، ووالديه في حزن كبير، وكم كانت المفاجأة عندما وجدا أبا الشهيد علي واقفا أمام عتبة داره، وهو يمسك بثلاث سنابل ذهبية غضّة، وبعد أن ألقيا التحية عليه شاركهما الاستغراب من أمر السنابل:
– من أتى بها، ووضعها على عتبة بيوتنا، ولماذا أبو آزاد وجد سنبلة واحدة ، وأبو أحمد وجد سنبلتين، وأنا وجدت ثلاث سنابل.؟
انشغل الثلاثة في عملهم داخل الحقل، وشعروا أنّ نشاطا غير عادي قد انتابهم فأنجزوا عملا يوازي ماكانوا يعملونه في ثلاثة أيام، وقبل اختفاء قرص الشمس كان الجميع في بيوتهم يخبرون زوجاتهم وأطفالهم عن السنابل التي وجدوها على عتبة دورهم، وبينما أبو آزاد يروي لعائلته الحادثة، طُرِقَ بابُ بيته طرقاتٍ كان يألفها سابقا، فوثب نحو الباب غير مصدّق، ويالهول المفاجأة إنّه ابنه المفقود آزاد ، لقد اعتقد الجميع أنّه استشهد لكنّه الان وصل إليهم حيّا يرزق. لقد كان أسيرا بيد داعش في مدينة الحسكة بسوريا، واستطاع الهرب منهم ليحتضن أباه بحرارة ، وهو يقول له:
– لن تخرج للعمل وحدك في الحقل مرة أخرى يا أبي.
في الوقت نفسه كان أبو أحمد يحدّث زوجته طريحة الفراش عن عمله المميّز في الحقل ، ونشاطه غير المعتاد اليوم هو وشريكاه ، وأراها السنبلتين اللتين عثرعليهما على عتبة الدار، ووضعهما في سندانة صغيرة قرب سريرها..
في الصباح عاد ابنه أحمد متهلّلا من مدرسته ، وهو يحمل شهادة النجاح بدرجة تفوقٍ عالٍ، واستقبله والده ببالغ الفرح والسعادة ، وفي الوقت نفسه تفاجأ الاثنان بأمّ أحمد ، وهي تنهض من سريرها وتطلق الزغاريد البهيجة ، وهي بأفضل صحة وأحسن حال ، فصرخ متهلّلا (الله اكبر..الله أكبر) فرحا وابتهاجا ، ثم نظر إلى السنبلتين الذهبيتين فحدّثهما قائلا :
– هذا لم يحصل إلا ببركة وجودكما في بيتي.
في هذه الآونة أسرع أبو آزاد ليبشّر أبا أحمد بعودة ابنه المفقود آزاد ، فوجد الأفراح قائمة بشفاء أمّ أحمد ، ونجاح ابنها بتفوّق حينها قرر الاثنان التوجّه إلى بيت أبي الشهيد علي ليخبراه بما حصل لهما ببركة السنابل التي عثرا عليها على عتبة بيتيهما متوقّعين أن تناله ذات البركة التي حلّت بهما ، فوجدا أبي الشهيد علي وزوجته واقفين أمام الباب الخارجي للبيت قلقين، وخائفين. إذ أخبرتهما القابلة المأذونة أنّ زوجة الشهيد علي التي حضرتها ساعة الولادة تمرّ بعُسر وصعوبة بالغة في الولادة ، وظلّا يسمعان صرخاتها المؤلمة في غرفتها، وبعد أن سمع أبو الشهيد علي من شريكيه ماحصل لهما بفعل السنابل المباركة. إذّاك دخل إلى الغرفة ، ووضع السنابل الثلاثة في سندانة قرب رأس زوجة ابنه الشهيد ، ثمّ خرج.
وبعد مضيّ ثلاث ساعات أسرعت القابلة المأذونة لتزفّ البشرى بولادة ثلاثة توائم كما الأقمار، فازدانت الدار فرحا وابتهاجا، وعلت الزغاريد، وتجمّع أهل القرية وانتشر خبر السنابل وبركاتها بينهم ، وقرّروا أنّ هذه السنابل مكافأة من السماء للفلّاحين الثلاثة ، لتعوّضهم عن صبرهم وتضحياتهم ، وعاش الفلاحون الثلاثة يروون ماحصل لهم ، وهم يقولون إنّ الصبر والتضحية والصدق لها من يكافئها ، ويحمدها في هذه الدنيا .

*بغداد – العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق