ثقافة المقال

لا نموت كما نشتهي

محمد الشغروشني

ما كان الموتُ إلّا سَفرًا. سوى أنّه سَفرٌ مختلف، لا يستعدّ له المسافرُ كما تعوّد: فلا يُهيّئ حقيبةً، ولا يستخرجُ أوراقَ هويّة، ولا يسعى إلى تأشيرة، ولا يؤمّن وسيلةَ نقلٍ مناسبة. هو سفرٌ يأتي بغتة؛ وعندها يتكفّل الآخرون بالأغراض اللازمة للمسافر.
كذلك عَقلتُ الموتَ حين ادّعيتُ فهمَه. وأنا أستذكر ذلك الطفلَ الذي يصاحِب جدّته كرهًا كلَّ جمعةٍ إلى المقبرة. وما زلتُ أتساءل عن سبب إصرارها على اصطحابي، ولِمَ كانت تقبض على يدي بكلِّ ما تبقّى لها من قوّة السبعين.

أَذكر جدّتي واقفةً عند بوّابة الجبّانيّة، وكأنّها على خطٍّ برزخيٍّ بين عالميْن: عالمِ الأحياءِ وراءَ ظهرَينا، وعالمِ الأموات في استقبالنا. وفي تلك الوقفة المُفارِقة تبدأ في سردِ كلمات، أصيخُ السمعَ لفهمها، إلى أن حفظتُها عن ظهر قلب:

“صبَّحْنا عليكم بالنور واتّساع القبور. يا أهلَ القبور، صلُّوا على النبيّ المبشور. نلتقي يوم النشور. أنتم السابقون ونحن اللاحقون…”

وإذ يدركني فزعُها تنغرسُ رجلاي في الأرض، فتجرّني إلى أن ينأى خوفي باطمئنانها المؤقّت. وقتئذٍ، تستفتِح طقوسَ الزيارة بقراءة الفاتحة، ثمّ تشرع في نزع الأشواكِ والحشائش الطفيليّة من على المقابر وهي تذكّرني باسم الهالك، وبموقعه في شجرة العائلة ومهنته وخصاله، غير ناسيةٍ توزيعَ وعدِها بالرجوع في الزيارة القادمة مُحمَّلةً بالجير لترميم ما تهشّم من القبور.

والموت حوصلة المتناقضات، هو العامّ والخاصّ؛ إذ من المتيقّن أنّ الموت سيدرك الناسَ جميعًا. غير أنّ كلّ واحدٍ يموت موتَه الخاصّ به، ولا يحقّ لأحد أن يموت بديلًا من غيره. وهو المسلّم به الذي لا ينكره أحدٌ من العالمين. وهو المُرتجى تأجيلُه أو تأخيرُ موعده. وهو المستذكَر دائمًا، والمرغوبُ نسيانُه أو تناسيه. وهو، في النهاية، القسمةُ الأعدلُ بين أهل الأرض، على اختلاف ألوانهم وأجناسهم.

لا أحد يُنْكر أنّنا نتبادل الزيارة مع الموت. غير أنه لا يزورنا إلّا مرّةً واحدة، في حين أنّنا نلقاه في محطّاتٍ عديدة: نلقاهُ حين يزور بيوتَنا خلسةً، فيختطف منّا الأهلَ والأحبابَ والأصدقاء؛ ونلقاه وقد غَشي القصائدَ وشذراتِ الحِكَم والرواياتِ والمرويّاتِ التاريخيّةَ والشعبيّة والأفلامَ والمسرحيّات. إنّه الفاعل الذي لا يغيب، يؤجّج الصراعَ بين الأبطال، ويصنع التضادَّ الأزليّ في المُتون والحكايات، ويطوّر الحبكات. بل لقد أصبح موضوعةً رئيسةً في الأعمال الأدبيّة المُنتسبة إلى الواقعيّة السحريّة لدى روائيّي أمريكا اللاتينيّة، باستلهامهم للحكايات الشعبيّة من الموروث الثقافيّ المحلّيّ، إلى الحدّ الذي صارت معه البطولة قسمةً بين الأحياء والأرواح العائدةِ من عالم الأموات.

وفي سياق استحضار الموت موضوعة أساسًا في الأعمال الفنّيّة والأدبيّة، نجده ــــــــــ في الغالب ــــــــ متعالقًا بموضوعة الحب، كما في تراجيديا شكسبير، روميو وجولييت، حيث أصبح دلالةً على وحدة المصير بين الحبيبين ونكران الذات، وتصعيدًا للأثر التراجيديّ للعمل المسرحيّ.

وكذلك الأمر في فيلم صلاح أبو سيف الرائع، “السقّا مات،” ولعلّه الفريد من بين الأفلام التي تعرّضتْ لهذا الموضوع المخيف والمثير للاهتمام في الوقت نفسه، انطلاقًا من نصّ قصصيّ للكاتب يوسف السباعي. وعلى عكس الكثير من الأفلام التي حضر فيها الموتُ عرضًا أو محطّةً في سير الأحداث، ينكتب الموتُ في هذا الفيلم معادلًا للحياة، انطلاقًا من عنوانه الذي يحمل مؤشّر الماء/ السقاء والموت. حبّ “المعلم شوشة” الأفلاطونيّ لزوجته المتوفّاة رمى به في غياهب العالم الآخر، في شكل موتٍ رمزيّ وفناءٍ صوفيّ في المحبوب. إلى أن يصل البطل إلى مواجهة الموت، تحت تأثير “شحاتة أفندي” الذي يشتغل مشيّعًا محترفًا للموتى، ويقتنص ملذّاتِ الحياة بما ملك.

***

قد يختلط علينا الشكُّ باليقين في أنّ الموت ينتقي ويختار، ولكنّه حتمًا سيقفُ في مَحشَر المحتار أمام أناسٍ بحزمةِ أعمار. أولئك هم المفكّرون والمبدعون الذين اتّخذوا الموتَ حافزًا لكتابة أعمارٍ أخرى لهم عبر منجزاتهم الفكريّة والإبداعيّة. وإذّاك فإنّ على الموت أن يحسم أمرَه، فيأخذ أعمارَهم المادّيّة من أجسادهم، ويترك أعمارَهم اللامادّيّة تَهيمُ في مُتون أعمالهم.

من المؤكّد أنْ لا مأساةَ أكبر من الموت. غير أنّ التجربة البشريّة، من خلال حروبها العبثيّة، تُفيد بأنّ هناك ما هوأقسى من الموت “الطبيعيّ”: إنّه الموتُ المجّانيُّ الذي يلقاهُ المرءُ على يد تجّار الموت؛ وفي كلّ الأحوال، فإنّنا لا نموت كما نشتهي.

المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق