ثقافة المقال

نبوة محمد صلى الله عليه وسلم..

ماذا عسانا أن نكتب عنه في يوم مولده؟

د زهير الخويلدي

” من هو محمد؟ إن محمد هو مؤسس ورسول، كان من عظماء الرجال الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة ويكفيه فخرا أنه أهدى أمة برمتها إلى نور الحق وجعلها تجنح إلى السكينة والسلام وفتح لها طريق الرقي والمدنية… وأن شريعته ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة”
الروائي الروسي تولستوي

لم يظهر على وجه البرية نبيا ظل محل إنكار وتهجم مثل محمد ابن عبد لله ابن عبد المطلب من قبيلة قريش من مكة التي بني فيها جده إبراهيم من ابنه إسماعيل الكعبة البيت الحرام وقبلة منذ أيام “الجاهلية” ،وهذا الإنكار صدر من الجميع تقريبا ما عدى من صدقه وآمن به وتروي الأحداث أن الرسالة أول من آمن بها امرأة وعبدان وأنها انتشرت بين الفقراء والمعدمين والمستضعفين قبل أن يقتنع بها الأغنياء والمترفين من الملأ وهذا دليل ساطع على أهمية الجانب الاجتماعي في الحقيقة المحمدية وأولوية المعاملات على العبادات في هذا الدين القيم باعتبار هذه المعاملات تحفظ المصالح والمقاصد إن أدت على أحسن وجه وتجلب المفاسد والمهالك إن وقع التقصير فيها.
عبر الشاعر الفرنسي لامرتين في كتابه “السفر إلى الشرق” عن هذه الحيرة وهذا التردد بخصوص حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقيمة الرسالة التي جاء بها إلى الناس بقوله:

” أترون أن محمدا كان مخادعا أو صاحب أمر باطل؟ قطعا لم يكن كذلك بعد ما وعينا تاريخه ودرسنا حياته، فالخداع والتدليس والباطل والافك…كل تلك الصفات تستحق أن تلصق بمنافي العقائد ممن وصفوا بها محمد، كما أنه ليس لكذبهم قوة صدق محمد”.

فماهي الحقيقة في كل ما يكتب ويقال حول حقيقة نبوة محمد؟ ولماذا ظلت هذه النبوة محل اعتراض وتشكيك على الرغم من قيمة البراهين وصدقية التاريخ؟
تقول لنا السير أن محمد صلى الله عليه وسلم أول الأنبياء وخاتم الرسل وأن جميع الأديان السابقة تعترف بالإسلام وتنتمي إليه من جهة كونها تدين بالولاء والخضوع والطاعة لله دون سواه وأن الإسلام نفسه ماهو في نهاية المطاف سوى تخاصب واستعياب لهذه الأديان مع احتوائه على فرادة في الوعد وتميز في الشهادة وانتصاف للإنس واعتصام بالعقل وأولوية للصلاح.
رغم كل هذه البينات والشواهد الربانية جوبهت نبوة محمد صلعم بالتكذيب والتحقير من قبل أهله الذين كانوا يعتنقون ديانة الآباء والأجداد ورأى فيه سدنة البيت الحرام تهديدا لسلطتهم الدينية الوثنية ومنازعة لسلطانهم الزمني. أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فأنهم انقسموا بين منتظر مرحب ومعترف بالحقيقة الكتابية ومفند ومنكر ومتصد لخشيتهم على ضياع مذهبهم وتفرق نحلهم وذهاب ريح ملتهم ولحرصهم منذ البداية على التكتم عن الختم بالتحريف والتزوير.
بيد أن الاصطفاء والتسديد الإلهيين والأمانة والحكمة الإنسيتين التي شملت الشخصية المحمدية جعلته يواجه حملة التشكيك في النبوة و يبين أنه صاحب دعوة وليس بساحر ولا بشاعر وبمجنون ولا يريد السلطان الروحي ولا يحلم بأن يكون ملكا على العرب فقط بل رحمة للعالمين وبالتالي دفعته خصاله الحميدة إلى أن يمضي في طريقه قدما ويتغلب على العراقيل والمصاعب في طريق معبد بالأشواك وتكاثر فيه المناوئون. وقد كلل رحلته الحياتية بتأسيس دولة المدينة في يثرب التي هاجر اليها من مكة وبنشر أفكار السماء التي أوحاه له جبريل عن ربه في بلاد فارس والشام والروم ومصر والحبشة وكافة أرجاء الجزيرة العربية بما في ذلك اليمن.
ومن مآثر النبي هي تأسيسه للجماعة السياسية فوق الانتماءات العرقية والدينية والثقافية وذلك بمآخاته بين المهاجرين والأنصار وكتابته الصحفية التي تعتبر اليهود خاصة وأهل الكتاب عامة جزء لا يتجزأ من الملة ما لم ينكثوا العهود وإذا ما التزموا بوحدة الكيان السياسي الذي ينتمون إليه.
ويعرف عنه الصدق في الكلام والأمانة في العهد والإخلاص إلى الفكرة والإتقان في العمل والعفو عند المقدرة والحلم مع الغريب والرجحان إلى السلم وكره الحرب والابتعاد عن القتل والتحلي بالصبر والصفح والانتصار إلى الحق والعدل في الحكم والمساواة في القسمة والإيثار في الفضل والتخلق بقيم القرآن والاهتداء بصفات الله الحسنى في صلة الرحم بين العباد.
لكن بمجرد أن كفله ربه برحمته واسترد من جسده دينه استفاقت الألسنة المكذبة من غفوتها وتكاثر مدعي النبوة في القبائل وتزايدت الدسائس على الدين الجديد وبرزت تحديات جديدة سياسية ودينية أمام من خلفه في تنظيم شؤون الملة وكانت صيحة الصديق أول دعوة صريحة نحو دنيوية ومدنية الفكرة المحمدية لأن العروة الوثقى التي تشد البناء “الإسلامي” ليس الولاء العرقي والديني لمحمد بل الإذعان والتسليم لله وهو حي لا يموت والنبي هو بشير ومبلغ وبشر مثلنا يولد ويمرح ويفرح ويترح ويشهد ويهاجر ويتاجر ويحارب ويربح ويهزم ويغزو ويفتح ويعادى ويكره ويحب ويتزوج وينجب ويحكم ويقضي بين الناس ويربط الأحلاف ويتبادل مع الأمم ويأتي اليوم الذي ينبغي أن يلاقي فيه ربه.
عندئذ الفريق الأول الذي أنكر الدعوة كان من أجل تعطيلها في البداية وإعاقتها عن الانتشار وكان بعد وفاته تحت اسم مدعي النبوة الذين مازلنا نسمع عنهم إلى الآن ويطالعنا بين الفينة والأخرى واحد منهم من أجل الشهرة أو المنفعة أو السلطة وقد اشتهر منهم مسيلمة الكذاب الذي حاربه الخليفة أبو بكر الصديق وقتله خالد ابن الوليد والذي ادعى هبوط الوحي بشماله وتنسب إليه بعض المقاطع نذكر منها:”يا ضفدع بنت ضفدعين لحسن ما تنقنقين لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين امكثي في الأرض حتى يأتيك الخفاش بالخبر اليقين”,
أما الفريق الثالث فهو من بعض المذاهب الفكرية اللاأدرية والشكاك وعلى رأسهم ابن الراوندي وأبي بكر الرازي الطبيب وبعض الشعراء المتأثرين بالثقافات الوافدة على الإسلام وهم من ذوي النزعة الوجودية قبل أوانها وقد رد عليه بعض علماء الكلام مثل أبي حاتم الرازي والخياط المعتزلي في الانتصار.لقد ذكر محمد عباد الجابري حول الأسباب الحقيقية لإنكار النبوة بتأثر مفكري الإسلام بآراء فلسفية هندية بقوله:” إن اتساع رقعة الدولة الإسلامية وامتدادها شرقا إلى حدود الصين وغربا إلى المحيط العباسي الأول,,,قد فتح المجال واسعا لمختلف المذاهب والفرق غير الإسلامية وكان من بينها أولئك الذين تأثروا بآراء البراهمة من الهند الذين ينكرون النبوات واشتهر في هذا المجال ابن الراوندي المتوفي حوالي منتصف القرن الثالث.” وقد رد عليه الشهرستاني والباقلاني وابن رشد وابن تيمية والقاضي عبد الجبار الذي قدم أهم حجة على حاجة الناس إلى النبوات من خلال توظيفه للمبدأ الاعتزالي في الحسن والقبيح ويقول الجابري عنه:” النبوة منة من الله وفضل ورحمة ترشد الناس إلى ما ليس من اختصاص العقل إدراكه، إلى بيان أوامر الله ونواهيه بما فيه سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. أما القاضي عبد الجبار فيوظف في رده على حجج البراهمة في إنكار النبوة أحد مبادئ المعتزلة وهو مبدأ الحسن والقبح ومؤداه أنه إذا كان هناك ما يصلح للناس فلا يجوز أن نعتقد أن الله يبخل به ولا يفعله، بل لابد أن يفعله ضرورة لأنه لا شيء يمكن أن يمنعه عن ذلك ولأن ترك فعل الصلاح بدون مانع هو شيء قبيح ولا يجوز الاعتقاد في أن الله يفعل القبح. وهكذا:” فإذا صح في بعثه تعالى الرسل غرض صحيح ووجوه القبح عنها منتفية، فالواجب يقضي بحسن ذلك”, أما كون إرسال الرسل مصلحة الناس. فالغرض منها حفظ مصالحهم وهذا شيء حسن.”
ان هذه المراوحة بين المدح والذم التي أحيطت بالشخصية المحمدية تواصلت إلى اليوم ووجد من العرب والمسلمين من يشكك في اسمه وزمن مولده ومكانه وحجم أصحابه وبراعته في التجارة والكلام والقتال ونذكر على سبيل الذكر لا الحصر معروف الرصافي في كتابه المثير للجدل والذي طبق فيه المنهجية المادية التاريخية: “الشخصية المحمدية” وبدرجة أقل وأكثر تحري والتزام بالمنهج الموضوعي كتب هشام جعيط “تاريخية الدعوة المحمدية” رغم أنه اعتبر أن اسمه الحقيقي قثم وأن أحمد هو لقب شريف وةيقصد به المحمدان وهو الرجل السيد على قومه وبعض المستشرقين مثل ماكسيم روندسي ومونتغمري واط وأرنولداز وزيلهر وأندريه ميكال. في هذا السياق يمكن أن نذكر رأي المستشرق الألماني من أصل يهودي أبراهام جايجر الذي ظهر في أواخر القرن19 ومستهل القرن 20 واعتبر أن محمد ليس نبيا موحى إليه بل رجل واع طموح أراد النهوض بقومه ونفسه ولذلك قد أخذ من اليهود بعض التعاليم وخالفهم في بعض. ونعرج كذلك على سير هاملتون جيب المحاضر في الدراسات الشرقية والإفريقية الذي عير في كتابه وجهة الإسلام عقلية المسلم واعتبرها ذرية ساذجة لا تتمتع بالفهم الكلي الشمولي وتقتصر على الملموس والإدراك الجزئي وأن الرسول محمد هو مجرد مصلح اجتماعي عكسته الضرورات البيئية العربية في مكة لكونها مركز ديني وثقافي وتجاري محوري حول هذا الموضوع نجده يقول:” إن محمدا قد تأثر بضرورات الظروف الخارجية المحيطة به من جهة ثم من جهة أخرى قد شق طريقا جديدا بين الأفكار والعقائد السائدة في زمانه والدائرة في المكان الذي نشأ فيه”.
من نتائج ذلك تكون نواة صلبة من الأحكام المسبقة تعتبر المسلم الآخر الجذري للغرب وتعتبر الإسلام دين غير خلاق وغير علمي واستبدادي وتصف المسلم على الإنسان الذي لا إنسانية فيه, ولكن الأغرب من ذلك الصورة السيئة التي رسمها رجال التنوير الغربي عنه وخاصة مونتسكيو وفولتير وماكيافيلي الذي ربط بين انتصاره السياسي ونجاحه في بناء دولة ومهاراته اللغوية والعسكرية والتي لم تتمكن نزعة ما بعد الحداثة التفكيكية من تصحيحها خاصة على مستوى الذاكرة والمخيال الغربي وهو ما تجلى في تزايد موجات الإساءة إلى هذه الشخصية الاستثنائية التي حملت إلى العالم العديد من الفضائل والقيم التي مازلت الإنسانية في أصقاع الأرض شرقا وغربا تهتدي بأحاديثه.
والغريب أن فولتير الذي حارب التعصب واللاتسامح في الكنيسة وفي الشرق قد أبدى موقفا متعصبا وغير متسامحا تجاه الإسلام والنبي محمد حيث شكك في تلقيه الوحي من جبريل ونعت النبي بأبشع الأوصاف في مسرحية التعصب ألفها سنة 1742. لكن هناك مواقف منصفة صدرت عن فلاسفة شاع عنهم الإلحاد والريبية والمادية وخاصة فريدريك نيتشه الذي أعطاه لقب أسد الصحراء الذي مازالت حكمته غضة طرية لم تصبها رياح العدمية، أما ماركس فانه قد كتب:

“هذا النبي افتتح برسالته عصرا للعلم والنور والمعرفة، حري ان تدون أقواله وأفعاله بطريقة علمية خاصة، وبما أن هذه التعاليم التي قام بها هي وحي فقد كان عليه أن يمحو ما كان متراكما من الرسالات السابقة من التبديل والتحوير، إن محمدا أعظم عظماء العالم والدين جاء به أكمل الأديان”.

إن محمد حقيقة تاريخية يصعب إنكارها ومعجزه ليس أمرا برانيا مثل بقية الأنبياء الذين أحيوا الموتى وشقوا طريقا على الماء وفي البحر وبنوا سفنا لينجوا من الطوفان ودخلوا في بطن الحوت وفي النار دون أن يحترقوا وشفوا المرضى وتغلبوا على أمهر السحرة. لكن معجز محمد هو أمر داخلي وهو الوحي القرآني الذي يتضمن بدوره العديد من الإعجازات البلاغية والشعرية والجمالية البيانية والعلمية والفكرية التي تدهش أمامها أشد العقول تصميما.
إن فرسان السلام والتسامح ودعاة الخير والعدل جعلوا من رسالة محمد مرجعيتهم المفضلة حتى وان كانوا من أقاصي الدنيا ونذكر منهم رجل الدولة والسياسي الهندي غاندي الذي ذكر عنه:

“أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر…إن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول مع دقته وصدقه في الوعود وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه وشجاعته مع ثقته المطلقة في ربه ورسالته.”

عندئذ تظل الحقيقة المحمدية قائمة محجوبة قابلة للقراءة المتجددة ويظل فعل الفهم التفسير والتأويل فاعلا فيها دون أن ينتهي طالما أنها تستند منذ البدء إلى نص إعجازي يفوق أي نص لغوي آخر ويفيض على الوجود بسحره وبيانه،لنستمع إلى ما يقوله الشاعر الألماني غوته عن المشاعر العظيمة التي تنتابه عندما يقرأ القرآن:

” كلما قرأت القرآن شعرت إن روحي تهتز داخل جسمي فهو كتاب الكتب واني أعتقد هذا كما يعتقده كل مسلم فلم يعتر القرآن أي تبديل أو تحريف وعندما تستمع إلى آياته تأخذك رجفة الإعجاب والحب، وبعد أن تتوغل في دراسة روح التشريع فيه لا يسعك إلا أن تعظم هذا الكتاب العلوي وتقدسه وظني أن التشريع في الغرب ناقص بالنسبة للتعاليم الإسلامية وإننا نحن أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد وسوف لا يتقدم عليه أحد وقد بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان فوجدته في النبي العربي محمد”.

لكن ما أبعد المسلمين اليوم عن الشخصية المحمدية وما أوسع المسافة التي تفصل بين خصالهم وخصاله، ألا يجب إذن أن نستذكر فعله الحسن وصفاته الحميدة في يوم انبجاسه للوجود حتى يكون نبراسا نهتدي في ظلمة الوقت العصيب الذي نعيشه؟ ألا يجدر بالآخر أن يتريث قبل أن يحكم وأن يدرس ويدقق ويعلم ويرجع إلى المصادر المحكمة وينقد الكتب المتحاملة قبل أن يصدر حكما مسبقا؟ أليس محمد رسول العدل والحرية جاء مخلصا للإنسان من ربقة العبودية معلنا ميلاد العقل ومؤكدا على أولوية احترام كرامة الذات داعيا إلى التحابب بين الناس والتناصح بين الشعوب ؟ ألا يحق لنا أن نقول عنه أنه خير البرية؟
كاتب فلسفي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق