قراءات ودراسات

سيّدات القمر: رواية متميزة ترصد تحولات المجتمع في سلطنة عُمان

بقلم: الدكتور محمد سيف الإسلام بوفـلاقـة

رواية(سيّدات القمر) للأديبة العُمانية الدكتورة جُوخَة الحَارِثي،نص متميز،وثري، يكشف النقاب عن جوانب مهمة من مراحل تاريخ عُمان،فقد اهتمت الرواية بإبراز جملة من التحولات ،وبينت اختلاف الرؤى،والتوجهات بين الأجيال المتعاقبة في المجتمع العُماني،ووظفت التاريخ،وبينت بعمق خصائص المجتمع العماني،وأبرزت تحولاته من زمن إلى آخر من خلال الأحداث المتلاحمة،والعلاقات المتشابكة التي تدور في قرية عُمانية(قرية العوافي).
سيميائية العنوان:
العنوان الذي اختارته الأديبة العُمانية جوجة الحارثي لروايتها(سيّدات القمر)،يُحيلنا على دلالات لطيفة،ونلاحظ أنه ينقسم إلى معلمين لغويين:
-المعلم الأول: «سيّدات»،فالشق الأول من العنوان هو نتيجة عملية اشتقاق لغوي أصلها هو الفعل: «ساد» سيادة،وسُؤدُداً:عظم،ومجد، وشرف…
-المعلم الثاني: «القمر»، وهو ينصرف من حيث دلالته اللغوية إلى الفعل «قمر»،وأقمر الهلال:صار قمراً،والقمر:الكوكب السيار الذي يستمد نوره من الشمس،ويدور حول الأرض،ويضيئها ليلاً، و قمرت الليلة قمراً: أضاءت بنور القمر،وقد درج أهل اللغة على ربط«القمر» بالضياء،والإشراق،ولذلك يُقال:وجهٌ أقمر:مشرقٌ،و شبيهٌ بالقمر،والقمِرُ:هو المضيء.
إن مقطع العنوان يتسم بوضوح المعنى،و يُساهم في تشويق المتلقي إلى معرفة المقاصد الجمالية التي ترمي إليها الروائية،لدى توظيفها لهذا العنوان الشائق،وأوّل ما يخالج فكر المتلقي جنوحه إلى أسئلة متشابكة مُلفتة،فالقارئ سيتساءل من هن السيدات،و ما هي العلاقة التي تجمعهن بالقمر،وسيتبين للقارئ بعد تتبع أحداث الرواية أن القمر مجسد في إحدى شخصياتها،وهي امرأة تلقب بالقمر،إذ يتعلق الأمر بشخصية المرأة الجميلة(نجية)،وهي شخصية بارزة،أسندت إليها بعض الوظائف السردية التي تتصل بالمحبة،والعشق،والتحرر.
إن بعض الأفكار الواردة في مقاطع الرواية، لها صلات وثيقة بالعنوان،بل إنها في بعض المقاطع من الرواية ترتبط به ارتباطاً وثيقاً،فالكلمة الأولى في العنوان هي(سيّدات)،والرواية تحتفي بشخصيات نسائية،كما أنها تتوجه في بعض المحطات توجهات رومانسية تتعلق بدلالات(القمر)، الذي له الكثير من المداليل ،والرموز المتعدّدة ، فهو رمز لعالم متغيّر،ورمز للأمل،والطموح، وهو مصدر للتّأمل،ومصدر للمناجاة ، تشبه به المرأة الجميلة،كما أنه مرآة يتصل بجملة من الأساطير،منها أن القمر رمز الأنوثة،وأن الناس هم أبناء القمر.
ولو جنحنا إلى فرضية أن اختيار الأديبة الدكتورة جوخة الحارثي لعنوانها ليس أمراً بريئاً،بل إنها ترمي من ورائه إلى إيصال رسائل معينة إلى المتلقي،حيث يتضافر الشكل، والمضمون في إيصالها،فيمكن القول إن هذا العنوان يؤشر إلى دلالات تتصل بمفاهيم محددة، فاسم السيدة يُطلق عادة على كل امرأة متزوجة،كما يتصل كذلك بالرفعة،والعلو،فهو يُطلق على المرأة ذات المنصب،أو المركز،أو المرأة التي تمتلك صفة رسمية،ومن جانب آخر ،فله علاقة بالسيادة،والملك،ويرتبط بالاحترام،وفرض النفس،ومن بين الدلالات كذلك التي تتصل بالسيدة الجرأة،والشجاعة،فالسيدة هي المرأة الجريئة.
ومهما يكن،فإنّ بنية العنوان لا تحمل في وشيجتها تضاداً،أو صراعاً حاداً،ويتبدى أن من بين الدلالات المتخفية وراء هذا العنوان(سيّدات القمر) هي تلك الصلة الوثيقة،بين مفهوم السيّدات،و معنى القمر،فكلاهما يرتبط بالعلو،والرفعة،حيث إن القمر يُرمز به إلى السمو،والإشراق،ومدار الاهتمام،والتجلي،والوضوح،وهو يحتوي على حرف(الميم)الذي يتعلق بالرفعة،والسمو،فهو حرف السماء، كما يذهب نحو هذا التوجه الباحث إياد الحصني،إذ يدل على كل شيء مادي،أو حسي موجود في السماء،أو آت من السماء،«فإذا كان شيئاً مادياً كانت الكلمة الدالة على اسمه تحوي حرف الميم ،ضمن حروفها للدلالة على أن هذا الشيء من مكونات السماء،مثل:سماء-شمس-نجم-قمر-غيم-أو للدلالة على أن هذا الشيء يأتي من السماء،مثل:مطر-ماء،وكذلك الأشياء الحسية التي يعتقد أنها تأتي من السماء،أي من القوة الإلهية التي في السماء-الله عز وجل-تكون الكلمة الدالة على اسمها تحوي حرف الميم،للدلالة على أن هذه الأشياء تأتي من السماء،والقوة التي داخل السماء،مثل:موت-ألم-علم-نعمة…»)1(.
ومن بين الدلالات الأسطورية التي يمكن فهمها من توظيف (القمر) في عنوان الرواية ،أنه يرمز إلى المرأة،حيث إن هناك أسطورة تشير إلى أن القمر كان فتاة اسمها رابية،و تعيش على الأرض بين أهلها . أحبها رجل الشمس نويل، و لكنها تصدت له، فقرر معاقبتها،ولو جئنا إلى مساءلة كل ما يتعلق برمزية القمر،لوجدنا دلالة القوة،حيث يتبين لنا في رواية(سيّدات القمر)،وجود بعض الشخصيات النسائية اللائي يتسمن بالقوة،ويقررن الانتقام،مثل شخصية(خولة)التي جعلتها الكاتبة في الرواية تنتقم من ابن عمها(ناصر)،و تقرر الانفصال عنه،وهذا ما يؤشر إلى أنها سيدة نفسها،وتصدر أفعالها عن ذاتها بكل قوة،وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن(القمر) يبدأ بحرف القاف،الذي هو حرف القوة،فهذا الحرف يعني القوة،وهو«يدل على معنى القوة،فإن وجد في كلمة،فإن هذه الكلمة تعني أنها اسم لشيء مادي،أو حسي قوي،أي يتمتع بصفة القوة،مثل:قوة-قسوة-قدرة-طاقة-قضاء-قصاص-حق.كما أن الأفعال التي تتطلب لتحقيقها وجود القوة،فالكلمة التي تدل على هذا الفعل تحوي ضمن حروفها حرف القاف،للدلالة على ذلك،مثل:قاتل-قتل-قدر-قمع-قطع-صعق-قص-قضى-قلع-حق-حقق-خنق-قلب»)2(.
و بالانزياح نحو الجانب الأدبي،فإننا نكتشف أن القمر، شكل رافداً مهماً للإبداع لدى الكثير من الشعراء،والروائيين،والعنوان(سيّدات القمر)،كأنه إشارة إلى سيدات عمانيات يحملن المشعل،وهن يتخطين الدروب الوعرة،والشائكة التي تحفل بها تفاصيل الرواية،كما أننا نستشف من العنوان رمزية ترتبط بالحزن،حيث إن القمر يتصل في بعض جوانبه السيميائية بالحزن ،والشجن،ويمكن أن نستحضر في هذا الصدد عنوان ديوان الشاعر السوري محمد الماغوط(حزن في ضوء القمر)،وقد لاحظنا أن الأفكار الواردة في أحداث الرواية لها صلة بالحزن،فقد جعلت الروائية أغلب شخصياتها مأزومة،وحزينة، كما أن توظيف القمر في العنوان له اتصال بالمؤانسة في السهر،إذ أنه المؤنس للساهرين،والعشاق في الليل، فكأن القمر هو الذي يجلب للسيدات الأمن،والطمأنينة بعد رحلة شاقة مؤلمة،ونعتقد أن الأديبة جوخة الحارثي وظفت القمر في عنوانها لترقى به إلى جماليات أسطورية،ورمزية،وروحية موحية،بفضلها يتم الارتقاء من حال الشقاء،والعناء،إلى عوالم تتصل بالنعيم،والسلام.
وأياً ما يكن الشأن،فإننا نرى أن الكاتبة قد وفقت إلى أبعد الحدود في انتقاء عنوان متميز يطفح بالجمال الغامر،و يتسم بكثافة رمزيته، و له أبعاد أسطورية، وإيحاءات عميقة،وهو يتعلق في بعض مكوناته الدلالية،بكل ما له صلة بالعظمة،والإشراق،و له سمات دالة على مظاهر الجمال،والحب، والأمل في الذهنية الشعبية،كما له دلالات تتعلق بالضياء،والنور…

الدكتور محمد سيف الإسلام بوفـلاقـة

سيميائية الشخصيات:
تعد الشخصية الروائية من أكثر المقولات النقدية تشابكاً،وخصوبة،وتشعباً،حيث تلتقي عندها جملة من التحليلات من جوانب شتى،وبمناهج متنوعة،فهي تتلاقى مع تحليلات الدارس البنوي،وكذا مقاربات الباحث النفسي،والاجتماعي،والسيميائي،كما تتفرق عبرها رؤى، ونماذج عديدة،إضافة إلى تباين مستويات حضورها ضمن المحكي الروائي.
لقد حضرت في هذا النص السردي العُماني المتميز،الكثير من الشخصيات،وبدرجات مختلفة، فهناك شخصيات واعية تحظى بامتياز يرفعها عن الهموم المادية،حيث إن همومها تنبع من إيمانها بالتغيير،و من مبادئها التي تناضل من أجلها،ولذلك فهي تتعامل مع الواقع وفق ما يُمليه عليها إيمانها،كما تتجلى كذلك شخصيات عادية يتحكم فيها الواقع الخارجي،والظروف التربوية،والطبقية،فهي شخصيات مسوقة تصنعهم ظروفهم،وتخط مصائرهم.
وحتى يسهل علينا رصد سيميائية الشخصيات في رواية(سيّدات القمر)،وتحديد مدى مطابقة الشخصيات المجسدة،لأسمائها المنتقاة من قبل الأديبة جوخة الحارثي،فإننا نتحدث عنها من خلال تصنيفها إلى مستويين :مستوى تجليات الشخصيات في الفضاء الروائي،ومستوى دلالة اسمها الموظف في العمل الإبداعي،وسنركز على الشخصيات المحورية،والمؤثرة في مسار النص.
شخصية خولة:
تجسد شخصية «خولة» بعض الجوانب الرومانسية التي اتضحت في رواية(سيّدات القمر)،فهي تظهر في الرواية على أنها الفتاة التي تصبر ،وتنتظر فترة طويلة عودة ابن عمها«ناصر»،الذي كان يعيش في ديار الغربة في كندا،ويبدو أنه لم يعرها الكثير من الاهتمام،فقد ارتبط بامرأة أجنبية،وهذا ما ولد لديها نزعة انتقامية،فبعد أن يتزوج ناصر بخولة،وبعد مدة من الزواج، تقرر الابتعاد عنه،وذلك حتى تبين له مدى كراهيتها له،فالمدة التي كان غائباً فيها عنها قبل الزواج، إضافة إلى ابتعاده عنها بعد الزواج،وعدم تقديره لنفسيتها، ولدت لديها كرهاً له،بسبب عدم اهتمامه بها،وهي التي ظلت مخلصة له،ورفضت الزواج من غيره.
ومن بين المقاطع التي بينت فيها الروائية مدى عشق خولة لناصر ،وهيامها به،واسترجاعها لذكريات الطفولة معه، قولها:«مجرد أن خرج أبوها من الغرفة سارعت خولة بإقفال الباب مرة أخرى،ووقفت تتنهد أمام النافذة،وحين لاحظت هطول المطر جلست باتجاه القبلة،وكانت أمّها تردد أن الدعاء يُستجاب وقت نزول المطر.رفعت خولة يديها وكرّرت الدعاء الذي تقوله عقب كلّ صلاة،وحين ينزل المطر،وحين تكون صائمة: (يا ربّ ردّ لي ناصر قبل أن أموت من الحزن)…،كانا صغيرين جداً،يلعبان كلّ عصر مع باقي أولاد الجيران لعبة فِرق:فريق الحيّ الشرقي،وفريق الحيّ الغربي،كلّ فريق يلاحق الآخر في كلّ سكك العوافي وحاراتها،خولة تتجنب زايد الذي يشدّها من ضفائرها ،وتظلّ ملتصقة بناصر أينما ذهب،عادة ما يهربان من اللعبة،ويقفز هو إلى بيت المؤذّن ليقطف لها وردة ورديّة اللون من شجيرة الورد الوحيدة في الحوش،ويدسّها في ضفيرتها… »)3(.
إن اسم «خولة» يعني الظبية الصغيرة الحديثة الولادة،والتي ما زالت ليست لها القدرة على المشي،والظبية يضرب بها المثل في الجمال،والحسن،وقد عهد الدارسون هذا الأمر في الشعر العربي القديم، وهذه الشخصية أبرزتها الروائية على أنها أصغر بنات عزان،وسالمة،فاسمها لم يأت خالياً من المرجع،بل حرصت الروائية على تحديد انتمائها العائلي.
ولو جئنا نسائل هذا الاسم من مستوى آخر، لألفيناه يرسل شبكة من الدلالات إلى بعيد،فهذا الاسم مشحون بالدلالات الجمالية، وهو يُحيلنا تلقائياً من حيث دلالاته اللغوية على الفتاة التي تتخايل بجمالها،وقد ظهرت«خولة» في رواية(سيّدات القمر)،على أنها معجبة بنفسها أشد الإعجاب،ومهتمة بشخصيتها،وقد طبعت الروائية هذه الشخصية بطابع غارق في الرومانسية،حيث يظهر هذا الأمر في مواضع متعددة من الرواية،فعلى سبيل المثال تفصح الروائية في هذا المشهد:«…لم تحصل خولة على خزانة تمتدّ مرآة بطول بابها.مرآتها الوحيدة هي هذه المستطيلة المؤطّرة بالخشب المعلّقة على الجدار قبالة الخزانات،تضطر خولة للوقوف حتى تسرّح شعرها،أو تضع أحمر الشفاه الجديد الذي جلبته لها ميا من مسقط.ما ذا سيقول لها ناصر حين يرى شعرها الطويل الناعم في ليلة زفافهما؟…
تعجب خولة من تحمّل أسماء للملل الفظيع الذي تجلبه هذه الكتب التراثيّة،الكتب الوحيدة التي يمكن أن تقرأها هي الكتب التي تزدريها أسماء،وترمي بها باستخفاف من يدها:روايات عبير.
صديقتها نورة اكتشفت هذه الروايات أثناء زيارة لأقاربها في مسقط،جلبت عدداً منها لخولة فأدمنتها.قصص الحبّ الجميلة في الغابات،والمراعي،والسهول،البطلة الرقيقة الجميلة،والبطل الوسيم القوي.وقبل أن تنام تتخيّل نفسها مع ناصر في الجزيرة الخضراء البعيدة محاطين بالحيوانات،والطيور،والطبيعة الساحرة… »)4(.
كما أن اسم «خولة» يبدأ بحرف الخاء الذي يدل على الكراهية،«وكل ما هو مكروه من الإنسان،فكل كلمة تحوي حرف الخاء ضمن حروفها تدل على أنها اسم شيء مادي،أو حسي مكروه لدى الإنسان،ويعتبره بغيضاً،أو شيئاً سيئاً ينفر منه،ومعنى حرف الخاء مأخوذ من طريقة لفظه فأكثر البشر-حتى غير العرب-يلفظ هذا الحرف بحد ذاته للتعبير على كراهيته،ونفوره من شيء،ويستثنى من ذلك بضع كلمات لا تتجاوز عدد أصابع اليد ،مثل:خير-خبر-خبز-خلق…»)5(.
وقد تبدت شخصية خولة في الرواية،بصفتها فتاة كارهة للماضي،ورافضة للواقع،حيث ورد في رسم الروائية لحوارها مع والدها،بعد أن جاء لخطبتها علي ولد المهاجر،جملة من الأوصاف التي تتصل بنفسيتها،فقد أحسنت الروائية تجسيد بنائها الداخلي:«كانت عينا خولة منتفختين،وأنفها محمراً،قالت لأبيها إنه غادر،غدر بوعده لأخيه على فراش موته،ويريد أن يبيعها لعلي ولد المهاجر…تكلمت خولة بدون توقف،قالت لوالدها أنها لن تسكت كما سكتت ميا حين زوجوها دون أن يسألها أحد رأيها،ميا لم تتعلم،ولكن خولة تعلمت،وستقتل نفسها لو أصرّ والدها على هذا الزواج،وصفت نفسها بأنها منذورة لابن عمها،وأنه منذور لها،ولا يحق لأي مخلوق أن يتجاهل هذه الحقيقة.
عزان استمع لابنته حتى فرغت من حديثها.أحسّ بالألم يعتصر قلبه،لأنه لم يتعرف من قبل على هذه البنت التي لم تكد تتجاوز السادسة عشرة،وتريد أن تقتل نفسها من أجل ابن عمّ لم يُسمع عنه شيء منذ بضع سنوات.
قال لها:لا تخافي يا خولة يصير خير…» )6(.
ويظهر أن هذه الشخصية قد أثرت على والدها في عرض رؤيتها،وفي آخر صفحات الرواية،تُظهر الروائية التحول الذي وقع في شخصية خولة،فنجدها تقطع صلتها بالماضي كرهاً له،ويقع الانقلاب،و تقرر الانفصال عن ابن عمها،وتفتتح صالون تجميل في أرقى الأحياء في مسقط«حين استقرّ ناصر في عمان،وولدت طفليها الأخيرين،وأصبح لا يكاد يخرج من البيت إلاّ للعمل،قررت خولة أن تطلب الطلاق…،كانت عاجزة ببساطة عن احتمال الماضي،كلّ شيء أصبح هادئاً الآن… لم تعد تحتمل الماضي،كلّ شيء فيه يتضخم،ويخنقها…» )7(.
لقد بدا لنا من خلال مقاربة سيميائية شخصية«خولة»،وإبراز بنية دلالة اسمها، كما جاءت في رواية(سيّدات القمر)،أن الكثير من الدلالات التي يحتويها اسمها،تتوافق مع شخصيتها،وصفاتها في الرواية،كما يتفق كيانها الداخلي،مع مظهرها الخارجي.
شخصية عزان:
تأتي شخصية عزان في سياق المسار السردي بصفتها رأس هرم الأسرة،التي تضم ميا،وأسماء،وخولة،وزوجته هي سالمة،وهذه الشخصية تكتسي رمزية خاصة،إذ أنه ينتمي إلى الجيل الماضي،فقد خلعت الروائية على شخصيته لباساً تقليدياً محافظاً،بيد أنه يتحول في بعض محطات الرواية إلى منحرف،فتربطه علاقة مع امرأة متحررة.
إن اسم«عزان» يُفيد في مفهومه اللغوي مجموعة من المعاني المتقاربة،حيث إنه يقترب من العزة،والشرف،والكرم،وهو مشتق من العز،والشرف،وقد أضيفت إليه الألف،والنون،انسجاماً مع اللهجات الشعبية في منطقة الخليج العربي،فهذا الاسم يُقصد به العزيز،والشريف، فعزّ فلان عزا،وعزة:قوي،وبرئ من الذل، وعز الشيء.قل فلا يكاد يوجد،وعزّ عليه الأمر:اشتد،وشق،وأعزّه:قواه،ونصره،وجعله عزيزاً،بمعنى:أحبه،وأكرمه،وعزّزه:شدده ،وقواه،والعزيز: الشريف القوي النادر المثال،والعزة:الأنفة، والحمية، أي أن هذا الاسم له صلة بالقوة ،والغلبة،والانتصار.
يبدو أن دلالات اسم«عزان» لا علاقة لها بالوظيفة السردية البسيطة التي ظهر بها في سياق أحداث الرواية، فالكاتبة تصفه بأنه يسهر مع البدو،ويمضي مع أصدقائه شطراً من الليل في الأحاديث ،والسمر، ولعل أدق وصف ورد في الرواية لشخصية«عزان»،هو الذي سعت فيه الكاتبة إلى رسم البناء الداخلي لشخصيته، عندما كان عائداً من السهرة عند البدو،إذ يتذكر ما مر به،حيث تقول الروائية في هذا الشأن:«لم يعد عزان يشعر بالانقباض في جلسات السمر هذه،ولم تعد تلك السحابة الثقيلة تحطّ على قلبه، كلّما انخرط معهم لتمثل له أن كل أحاديثهم،وضحكهم مجرد لهو دنيوي.لم تعد ذكرى ولديه الميتين تنشب في حلقه كالغصة وسط الغناء،ولم يعد يحسّ أنه مثقل بالدنيا،ويريد أن يتلاشى عن زيفها، لم يعد الإحساس بالفرح إحساساً مذنباً في أعماقه،ولا المتعة سراباً ينبغي عدم الوقوع في شركه.كان يستعيد بعض مقاطع المنشدين،ويحاول ضبط إيقاع قدميه على إيقاع النغمة في رأسه.تراءى له وجه حفيدته الجديدة،لقد أصبح جداً ،وهو في منتصف الأربعين،أحسّ فجأة باللهفة للوصول إلى بيته،والدخول إلى الغرفة الوسطى ليرى وجهها الصغير النائم…» )8(.
لقد كشفت الروائية في سياق إبرازها للتغيرات التي طرأت على شخصية«عزان»عن جرح عميق يعتصر قلبه،وهو فقده لابنه أحمد،الذي ترك غصة عميقة في فؤاده،وجعله يتألم،والتحول الكبير الذي ظهر في حياته، بعد معرفته لنجية الملقبة بالقمر،التي وقع في حبها،وأصبح يتحدث معها،فقد كشف عن جرحه العميق في حوار معها:«همست القمر: (تكلّم أنت،أنت ما تكاد تحكي).تنهد عزان،وبعد هنيهة حكى لها. حكى لها عن جرح بعيد،ولكنه حيّ:ولده أحمد… )9(.
إن الشخصية التي مثلها«عزان» في النص السردي،أظهرته كرجل رقيق،وغير عنيد،فهو صاحب قلب متأثر، ولطيف في تعامله مع بناته،وزوجته،يستجيب للمطالب، ويتميز بالهدوء،و هو عاشق في الآن ذاته لنجية القمر،التي أضحت مؤنسة له،ويقرأ لها الأشعار الغرامية،ويظهر أن الأديبة جوخة الحارثي كانت ترمي إلى إيضاح أنه يعاني من ثنائية في شخصيته،فهو ملاك متدين مع أسرته ،ولا تصدر عنه أية تصرفات غير مهذبة،وسرعان ما يتغير عندما يلتقي بنجية،ويسهر معها ،لذلك فقد وفقت الروائية في إظهار سمات هذه الشخصية من جوانب شتى، من بينها اعتماد جدلية الحب والموت(حبه لنجية،وذكره لموت ولده أحمد)،كما نجحت في تبيين التغير،والتطور الذي طرأ على هذه الشخصية بعد تعرفه على نجية،إذ عبرت الروائية عن هذا التحول بأنه كأنه لم يعرف أي شيء قبل أن يعرفها.
شخصية ميا:
امتزج تجسيد شخصية«ميا» في الرواية، بذكر صفاتها الخلقية،والخُلقية،وهي أول شخصية أبرزتها الروائية في نصها السردي،حيث بدت فتاة عاشقة،ومحبة لشخص اسمه«علي بن خلف»،الذي ظهر بصفته شخصية ثانوية،وهامشية،إذ أنه أمضى سنوات في لندن للدراسة،وعاد بلا شهادة،ولم تُلق الروائية الكثير من الضياء عليه ،كما أنها لم تُفصل في سمات شخصيته،ومن بين الأوصاف التي أضفيت على شخصية «ميا» أنها فتاة استغرقت في العشق،بيد أن الأقدار تجعلها تتزوج من ولد التاجر سليمان،وتطلق على ابنتها اسم«لندن»،حتى تعيد ذكرى علي بن خلف الذي أحبته،كونه درس في لندن ،التي ستظل تذكِّرُها به.
إن السمات العامة لهذه الشخصية ،تبين الوفاء،والإخلاص،والطاعة،وعدم رفضها لطلبات والدتها،وقد أظهرت الكاتبة بلغة صريحة جملة من خصائص شخصية«ميا» عندما تناجي نفسها،وتقارن بين صفاتها،ومواصفات أسماء ،وخولة، فتقول:«من أنا؟ بنت لا تعرف غير الخياطة،لست مثقفة كأسماء،ولا جميلة كخولة،وأحلف لك يا ربي سأصبر حتى شهر عنه،هل ستدعني بعد شهر أراه؟ »)10(.
إن اسم«ميا» ،الذي يبدو اسماً دخيلاً على اللغة العربية، من معانيه في أصوله اللاتينية العظمة،ومن معانيه:المها الوحشية، والغزال الصغير،وهذا الاسم يبدأ بحرف الميم،الذي يدل على كل شيء مادي أو حسي موجود في السماء،أو آت من السماء.
شخصية أسماء:
شخصية أسماء هي الفتاة المثقفة،وتظهر جملة من العلامات التي تبين توجهاتها الثقافية،والمعرفية، منذ الصفحات الأولى لهذا النص السردي،فهي التي تستحضر الكتب،وتطالع باستمرار،وتتابع الشؤون الثقافية،والعلمية، و من بين الصور التي أظهرت فيها الروائية الجوانب الثقافية في شخصيتها،قولها: «في مساجلاتهما الشعرية تردد أسماء أحياناً،أو يردد أبوها أبياتاً غزلية،وتقرأ له دائماً في ليالي الشتاء خاصة من ديوان المتنبي،ويبتسمان معاً… »)11(.
وفي موضع آخر يبرز توقها للعلم، بعد حديث لها مع أمها: «سالمة،وهي تحكي لأسماء عن جدها،لم تعرف كيف تبرر دأب والدها على التعلم،ولكنّ أسماء،التي أحسّت بإحساسه نفسه،همست لأمها: (التوق المحرق للعلم). فهذا التوق أحرقها،كما أحرق جدّها من قبل،رغم عشرات السنوات بينهما»)12(.
إن اسم«أسماء»الذي هو جمع كلمة«اسم»،لعله يُحيل من حيث دلالاته اللغوية على السمو،والرفعة،والعلو،وهو يحتوي على حرف السين الذي هو حرف الإحساس السوي،وكل كلمة تحوي حرف«السين ضمن حروفها تدل على اسم لشيء مادي،أو حسي سوي،أي الاستواء بمعناه الحرفي والمجازي،فإذا كان الشيء مادياً،فهو مستقيم أو مستو،وإذا كان المستوي،فحرف السين يدل على معنى الشيء الحسي السوي،أي الحس السوي،والمقصود بالحس هو حس الإنسان،لذا فحرف السين يدل على معنى حس الإنسان السوي»)13(.
لقد بدت شخصية«أسماء» شخصية سوية،ومطلعة على الأوضاع بعمق،فقد دلت الكثير من المواقف التي اضطلعت بها في الرواية،على أنها متميزة،و لها رؤى عميقة تتعلق بالوجود،والحياة،والعلاقات الاجتماعية،ولديها ميل شديد نحو القراءة،وبعد زواجها من خالد أكملت تعليمها،وحصلت على دبلوم المعلمات بتفوق كبير،وشجعها زوجها على العمل،وحققت نجاحات كبيرة مع أسرتها،وظهرت متوافقة،ومنسجمة مع زوجها الفنان المثقف.
شخصية خالد:
اسم«خالد»مشتق من الفعل«خلد»،يخلد خلوداً،ويرتبط من حيث معناه اللغوي بالدوام،والبقاء،والإطالة،فخلد،يخلد خلوداً: دام وبقي، وخلد فلان،وأخلد: أسن ولم يشب، وخلد بالمكان، وأخلد :أطال الإقامة فيه،والمكوث به ،وأخلد إليه:ركن واطمأن إليه، والخلد هو الدوام والبقاء.
ولئن كانت الروائية قد رسمت هذه الشخصية على أنه فنان،ورسام،ومتعلم،حتى تحقق الانسجام،والتواؤم بينه،وبين زوجته«أسماء»،فإن له في سياق النص السردي صلات وطيدة تتصل بالخلود،والبقاء، والارتباط بالوطن،فخالد هو ابن عيسى المهاجر الذي هاجر إلى القاهرة،وظل مرتبطاً بوطنه سلطنة عمان،و كما تصفه الأديبة في الرواية«خالد فلك مكتمل،يعرف تماماً ما ذا يريد،ولديه كلّ شيء:العائلة المحبّة،والشهادة،وفنّه الذي يقول لأسماء إنّه عالمه الداخلي،وعمله»)14(.
ويُعبر خالد عن هواجسه،واهتماماته في حوار مع أسماء،بعد أن سألته:لما ذا ترسم؟، فيقول: «لأتخلص من الحياة في حدود خيال أبي،و أصيغها في حدود خيالي أنا. منذ طفولتي حتى أوائل عشرينياتي،وأبي يحددني وفق محددات خياله،كانت له طاقته الخيالية الواضحة،وكنت أنا وقود هذا الخيال،وكلّ تصوراته عليّ أن أكون تجسيداً لها. أصبح الفن لي ضرورة كالماء،والهواء،منذ أدركت أنني لن أستطيع الحياة بدون خيالي الخاصّ.الخيال يا أسماء يمنحني قيمة لوجودي،ومهما كان الواقع جميلاً،فبدون الخيال تصبح الحياة ببساطة،غير محتملة»)15(.
يتضح من هذا الحوار أن خالد يسعى إلى تحقيق ذاته،عن طريق الفن،ويربط خلوده بفنه،وقد جسد الارتباط بوطنه، بعد أن كان والده مهاجراً خارج السلطنة،وهذا ما يتصل بالدوام،والبقاء، والإطالة،وهي دلالات اسمه اللغوية.
شخصية نجية:
يتعلق هذا الاسم بدلالات لطيفة، وله مفاهيم شتى ،وتتميز دلالاته بالتنوع،إذ أنه يرتبط بالمناجاة،والتوحد،والتعلق بشيء ما،وله ارتباط بعنوان الرواية(سيّدات القمر) ،فالمناجاة تكون للقمر،وشخصية«نجية»التي ظهرت في الرواية تُلقب بالقمر،نظراً لجمالها الساحر، والنجيّةُ هي المُناجية،وما يُناجي المرء من الهم،ونحوه،لذلك يُقال: باتت في صدره نجية أسهرته،ويُقال ناقة نجية ،أي أنها سريعة، وهذا الاسم ينصرف كذلك إلى ناجاه مُناجاة،ونجاء :ساره،ويُقال بات الهم يُناجيه:أي أنه لازمه ،واستولى عليه،ويُقال:الهموم تتناجى في صدره:أي أنها تُساوره ،وتُغالبه،فهو المُناجي،وهي المُناجية.و لا بد من الإشارة إلى أن المناجاة لا تتم إلا بين اثنين،ولابدّ أن يفهم أحدهما عن الثاني،وهي جزء من الأحاديث الخفية التي كثيراً ما تتم سراً بين شخصين حيين عاقلين،وهذا ما وجدناه في سياق سرد أحداث الرواية،فقد ظلت هذه الشخصية مؤنسة،ومناجية لعزان،وهي التي غيرت حياته إلى عوالم ساحرة،وكانت تناجيه كلما كان يزورها،لذلك فقد تبدى لنا أن علاقة هذه الشخصية باسمها، هي علاقة توافق،وترابط،وتلاحم، ويضاف إلى التأويل السابق أن هذه الشخصية(نجية) ظهرت في الرواية على أنها متوحدة،و مأزومة،وتبتعد عن المجتمع، نتيجة للظروف النفسية القاسية،والأوضاع الصعبة التي مرت بها منذ طفولتها على الرغم من أنها كانت تمتلك المال، وقد تميزت هذه الشخصية،من حيث إن الروائية أبدعت في تقديم صورة مفصلة ،ودقيقة عن تحولاتها من مرحلة إلى أخرى،فبعد حوارها مع صديقتها التي تدعى«خزينة»، نجد الكاتبة تبين لنا أنها عاشت يتيمة،ووحيدة ،ولم تكن تملك سوى شقيقها المعاق الذي كانت تدافع عنه. وقد انتهت هذه الشخصية نهاية غامضة،حيث جاء في الرواية«قال البعض إنها مرضت مرضاً غامضاً تساقطت منه أعضاء جسدها الجميل،وتآكلت قبل أن تختفي،وقال آخرون إنها باعت بيتها وإبلها،واستقرت في مطرح لتتاجر بالمشغولات اليدوية،وقال آخرون إنها جُنّت فجأة فحملتها صديقاتها إلى مستشفى ابن سينا…»)16(.
شخصية سالمة:
لقد اتسمت شخصية«سالمة»،بحضور طافح في هذا النص السردي،وإن لفظ«سالمة» ينصرف في دلالته اللغوية إلى الفعل(سلم)، سلامة :نجا وبرئ، فهو سالم، وهي سالمة، ،ويشير هذا الاسم كذلك إلى السلام الذي هو التحية، و يعبر عن الأمان،ويرتبط كذلك بالشفاء،والعافية،و يُحيل على التفاؤل،والصفاء،والمصالحة،والنجاة من الأمراض ،والعاهات،والله –سبحانه وتعالى-هو السلام،أي أنه واهب السلام،والسلامة،و هو الذي سلمت ذاته،وصفاته،وأفعاله من أي وصف لا يليق بجلاله،وكماله.
إن الحديث عن ماضي هذه الشخصية أظهر علامات،ومحاور تتصل بانتمائها إلى عائلة شريفة،وعالية القدر،فهي بنت مسعود شيخ القبيلة،وهو شخصية بارزة ،ومتعلمة ،وقد عاش متنقلاً بين المراكز العلمية في نزوى، والرستاق ،وشخصية«سالمة» تمثل الماضي بمختلف طقوسه،وتجسد الأمومة بشتى أبعادها،كما يظهر في شخصيتها الحنين،والاغتراب في بعض محطات الرواية،ولاسيما عندما تتذكر والدها،وأمها،وشقيقها معاذ الذي استشهد في حرب الجبل الأخضر،دون أن تتمكن من وداعه ،وقد عنيت الروائية بإلقاء الضوء على ماضيها،كما ركزت على حاضرها بعد زواجها من« عزان»،حيث تذكر الروائية،وهي بصدد إيضاح طفولة«سالمة»،أنها«كانت في الثالثة عشرة حين أوعزت زوجة عمها سعيد أن يرسلها لأمّها،فترك الشيخ سعيد أرملة أخيه تتوسّل إليه لمرة أخيرة قبل أن يوافق على أن تعيش سالمة معها،على أن يبقى معاذ في بيته،فانتقلت إلى بيت خالها لتعيش أجمل سني حياتها ناعمة بدفء أمها،وعطف خالها الذي حُرم من الأطفال،فرحّب بها أي ترحيب… لكن حبور سالمة لم يدم طويلاً،إذ سرعان ما أبلغ عمها والدتها أنه سيزوج سالمة لقريبه عزان،وكان عزان شاباً غراً يكبرها ببضع سنين،ولم تكن أمها راغبة في تزويجها له…»)17(.
وقد عنيت الروائية بتوضيح البناء الداخلي،والخارجي لشخصيتها،حيث تقول على لسان إحدى النساء«بدت لي سالمة امرأة مسيطرة.كان الناس يلقبونها ب(عروس الفلج)،بيضاء ميالة للامتلاء،وجهها مدوّر ببشرة صافية،أنفها حادّ،وعيناها نافذتان»)18(.
وبناء على ما سبق ذكره،فإن الشخصية التي مثلت أمامنا في الرواية،تتوافق مع الاسم المتخذ لها،حيث اكتسبت أبعاداً لها صلة بالسلام،والأمان،وقد تمكنت الروائية من أن تصنع شخصية متوافقة مع دلالات اسمها، في أغلب أحداث الرواية.
خـاتـمـة
لقد تمكنت الأديبة العُمانية جوخة الحارثي من تحقيق جملة من الغايات الفنية،والفكرية،فللرواية دلالة تاريخية،ظهرت عن طريق استلهام الماضي العُماني،وتناوله من خلال منظار متميز،إذ أنها وظفته في إعادة بعث الواقع،وللرواية كذلك قيمة فنية،حيث أبدعت الكاتبة في صياغتها،وحققت مقولة جورج لوكاتش: «ليس إعادة سرد الأحداث التاريخية الكبرى،بل الإيقاظ الشعري للناس الذين برزوا في تلك الأحداث » )19(.
ونشير إلى أن الكاتبة سردت أغلب الأحداث بضمير الغائب،وهو الضمير الأكثر رواجاً في القصة،والرواية،فقد سمح هذا الضمير للروائية أن تكون محايدة،أو موضوعية، أثناء الحكاية،ولم يمنع توظيف هذا الضمير الكاتبة من التغلغل في أعماق شخصياتها،والتعرف على رؤاها،وأفكارها من قبل المتلقي.
وقد انصب اهتمام الكاتبة على شخصيات محددة،هي الشخصيات الرئيسة،أو المحورية، التي تبدت في العمل السردي،بيد أن تركيزها على هذه الشخصيات،لم يجعلها تهمل الغوص في عوالم الشخصيات الأخرى، مجسدة تقنيات سردية شتى،وهذا يدل على مدى تحكمها في تقنيات،وطرائق السرد الروائي الحديثة.
كما حفلت الرواية بإشارات ذكية إلى بعض الظواهر السلبية،والتي يظهر فيها الخلل على مستوى بعض العلاقات الاجتماعية،مثل:النفاق،والعقوق،والتحرر المبالغ فيه،والذي لا ينسجم مع قيمنا الإسلامية،والأخلاقية المحافظة،وقد استمدت الرواية الكثير من جمالياتها من تعبيراتها الدقيقة عن الأحداث،والمواقف،والصور،و تمكنت الكاتبة من ممارسة تجربتها الروائية بنوع من الحياد،مما أضفى على نصها مصداقية ُتقنع القارئ،وأسهمت الشخصيات الروائية التي جسدتها الكاتبة في لعب أدوار معينة،و في تطور أحداث الرواية،وتنوع مواقفها،ووجدنا أنها تتوزع بين شخصيات نامية متطورة،وشخصيات ثابتة،إذ اتضحت الشخصيات النامية في أغلب الحالات من خلال البنات(بنات عزان وسالمة)،فقد تابعنا التطورات التي حصلت، منذ مراحل المراهقة تقريباً(قبل الزواج)،إلى غاية مرحلة ما بعد الزواج،واكتشفنا في سياق المسار السردي المرسوم التحولات التي وقعت.
أما بالنسبة إلى الشخصيات الثابتة،فقد ظهرت بشكل واضح من خلال كبار السن،ولاسيما شخصية الأم،التي لا تتغير في عدة مواقف،بالرغم من تغير الأحداث.
ويتبدى لنا في هذا النص السردي ،أن الكاتبة جوخة الحارثي ،لم تتردد في تقديم التفاصيل الدقيقة عن الأسرتين الرئيستين في الرواية،وقد شكلت بعض المواقف خلفية رئيسة للعمل الروائي الذي قدمته الأديبة،و كانت قرية (العوافي) هي مكان التكوين،والذكريات الجميلة أحياناً،وبقدر ما كانت هذه القرية مكاناً لأحضان العائلة الدافئة،فإنها كانت في الوقت ذاته مكاناً لما سيأتي لاحقاً،من أخبار متنوعة تتصل بالشخصيات النامية،فهذه الرواية تشكل احتفاء بأصوات مختلفة،انطلاقاً من هذه القرية.
الهوامش :
(1)الحصني: إياد، معاني الأحرف العربية،ج:2، منشورات سندس للفنون المطبعية،الجزائر،ط:1 ، 2006 م،ص: 43.
(2)الحصني: إياد، معاني الأحرف العربية،ج:1،ص:31.
(3)الحارثي: جوخة، سيّدات القمر-رواية-، دار الآداب،بيروت،لبنان ، ط:01، 2010م، ص:84-85.
(4)الحارثي: جوخة، سيّدات القمر-رواية- ،ص:86-87.
( 5)الحصني: إياد، معاني الأحرف العربية،ج:1،ص:23.
(6)الحارثي: جوخة، سيّدات القمر-رواية-،ص:80.
(7 )رواية سيدات القمر،ص:218.
(8)الرواية،ص:38.
(9)الرواية،ص:102.
(10)الرواية، ص:10.
(11)الرواية، ص:143.
(12)الرواية، ص:147.
(13)الحصني: إياد، معاني الأحرف العربية،ج:1،ص:41.
(14)الرواية،ص:177.
(15)الرواية، ص:190.
(16)الرواية، ص: 189.
(17)الرواية،ص:157-158.
(18)الرواية،ص:44.
(19) لوكاش: جورج، الرواية التاريخية، ترجمة:د.صالح جواد الكاظم،وزارة الإعلام،بغداد، 1978م،ص: 46.

كلية الآداب-جامعة عنابة،الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق