حوارات هامة

الروائي إبراهيم سعدي: الرواية الجزائرية المنشورة في فرنسا أرقى من مثيلتها المنشورة في الجزائر !

حاوره: أزراج عمر

الروائي الدكتور إبراهيم سعدي مبدع جزائري طليعي وبارز، أصدر عددا معتبرا من الأعمال الروائية والدراسات في مجالات الفكر والأدب كما له ترجمات من الفرنسية إلى العربية. ويشرف حاليا على تحرير مجلة الثقافة التابعة لوزارة الثقافة الجزائرية كما يرأس قسم الفلسفة بجامعة تيزي وزو. وفيما يلي نص الحديث الذي جرى بيني وبينه حول بعض قسمات تجربته الإبداعية..

كيف تقدم نفسك للقراء العرب إنسانا وأديبا ومثقفا أكاديميا؟

سؤال صعب في الحقيقة، لأنني من الذين لا يحبون الحديث كثيرا عن أنفسهم. على كل، أنا أستاذ بجامعة تيزي وزو منذ سنة 1982، وقد اشتغلت بمعهد اللغة والأدب العربي إلى غاية 2008، وبعد ذلك تحولت إلى قسم الفلسفة الذي فتح في السنة الجامعية 2009- 2010. رغم تكويني الفلسفي، إلا أن جل إنتاجي يتعلق بالأدب، إبداعا ونقدا. وقد نشرت إلى حد اليوم سبع روايات، ومؤلفا يضم مساهماتي في مجال النقد الأدبي يحمل عنوان “مقالات ودراسات في الرواية” يضم عموما مجمل ما نشرته في الصحف والمجلات أو شاركت به في الملتقيات في مجال الأدب. وقد اشتغلت أيضا في الصحافة، إذ تعاملت لمدة حوالي ثلاث سنوات مع الملحق الأدبي” آفاق” التابع لجريدة ” الحياة” اللندنية، وكذلك مع جريدة “الشروق” الجزائرية لبضع سنوات أيضا حيث كنت أنشر مقالات أسبوعية حول المجتمع الجزائري والمجتمع العربي عموما في الثقافة والمجتمع والسياسة، جمعتها في كتابين أحدهما يحمل عنوان “مقالات ودراسات في المجتمع العربي” وآخر بعنوان “مقالات ودراسات في المجتمع الجزائري وثقافته” سينشر لاحقا. كما أنني قمت ببعض أعمال الترجمة، إذ ترجمت “صيف إفريقي” لمحمد ديب من الفرنسية إلى العربية وكتابا لمولود قايد حول تاريخ البربر، إضافة إلى ترجمة نصوص دراسية في مجالات مختلفة.

لديك سبعة أعمال روائية مطبوعة في الجزائر ولبنان، فما هي العناصر الأساسية الممثلة لتجربتك الروائية؟ ثم أين تضع هذه التجربة كإنجاز فني ضمن المتن الروائي الجزائري المعاصر؟

هذا سؤال صعب للغاية، لأنك تطلب مني أن أتحول إلى قاريء لأعمالي ودارس لها. والحال أنه ليس من المؤكد أن الروائي يصلح بالضرورة لأن يدرس أعماله. يمكن أن ندرس ونقيم أعمال غيرنا، لكن ليس إبداعنا نحن. لا أدري إن كنت تستطيع أنت مثلا أن تدرس نصوصك الشعرية. قد تستطيع ذلك في النهاية، ولكن من المؤكد أنها ستكون مجرد قراءة ممكنة بين قراءات أخرى، ولعلها لن تكون أفضلها. على كل بالنسبة لي، أشعر بأن الأمر صعب بعض الشيء، وأعرف أنني سأكون دارسا سيئا لأعمالي وكثيرا ما اكتشفت وأنا اقرأ ما كتب عني أو أستمع إلى محاضرة أو شيئا من هذا القبيل عن أعمالي أشياء لم تخطر في ذهني، عرفتني بنصوصي وجعلتني أكتشف مناطق كانت خافية عني تماما. دون شك أن إنجاز الإبداع وقراءته شيئان مختلفان تماما ودون شك أيضا أن الروائي لا يعي العمل الذي ينجزه وعيا كاملا. لا بد أن نأخذ هنا بعين الاعتبار دور اللاشعور في إنجاز العمل الروائي والأدبي عموما. أعتقد أن أي دراسة في هذا المجال تتطلب وجود مسافة معينة تفصل بين الدارس وموضوع الدراسة، إلى جانب الموضوعية، وهذا ما لا يتوفر عندما نحاول أن نبدي رأيا حول نصوصنا نحن. على كل فإن هاجسي الأول كان دائما هو أن أكتب نصا جميلا أكثر منه أن أعبر أو أنقل رسالة، فالعنصر الجمالي هو الذي لا بد منه ليتحقق النص كأدب، أما المعطيات الأخرى فهي متغيرات، رغم أهميتها بالطبع. لم أقع في إغراء الإيديولوجيا في يوم من الأيام. والجمالية بالنسبة لي لا تتمثل فقط في اللغة كما يرى الكثيرون، بل إن اللغة رغم أهميتها ليست غير عنصر من بين عناصر أخرى تساهم كلها في خلق النص الجميل، كالشخوص والبناء والفضاء والتشويق والحكاية وغير ذلك. الرواية كل معقد ومركب وعضوي. الرواية بالنسبة لي هي الحياة، فالحياة تعاش ولكنها تكتب أيضا، وعندما تكتب الحياة تأتي في شكل رواية. ولا أريد أن أخفي عنك أنني لا أحس بأنني حققت إلى حد الآن مبتغاي جماليا. لا أدري في الحقيقة أين أضع تجربتي ضمن المتن الروائي الجزائري المعاصر. دون شك أنني جزء من هذا المتن وتجمعني به صلات متنوعة بحكم الانتماء إلى نفس المجتمع وبالتالي إلى نفس التجربة تقريبا، يعني إلى مؤثرات اجتماعية وسياسية مشتركة، لأن الروائي قد يستعير تقنيات وأساليب ورؤى من مجتمع آخر، لكنه لا يستطيع أن يستعير مجتمعا غير المجتمع الذي يعيش فيه. لكن بالتأكيد أنه إذا كانت تجربة المجتمع الجزائري وتجربتي الشخصية داخل هذا المجتمع قد تركا بصماتهما في نصوصي، لاسيما على صعيد المحكي عنه، إلا أنه من حيث الخصائص الأدبية البحتة فقد تأثرت أساسا بالأدب العالمي.

في الجزائر عدد من الروائيين بالفرنسية وباللغة العربية. هل يمكن أن تعقد لنا مقارنة بين الاثنين؟ ثم هل تعتقد بأن الرواية العربية لا تزال أقل فنية من مثيلتها بالفرنسية؟

يمكن القول إنه على صعيد التيمات لا يوجد فرق بين الأدبين، فكما قلت لك في الجواب السابق لا يمكن للروائي أن يستعير مجتمعا آخر غير مجتمعه يكتب عنه. وعندما نتحدث عن الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية يجب التوضيح أن منها ما ينشر في الجزائر ومنها ما ينشر في باريس، وهذه الملاحظة في غاية الأهمية بالنسبة لي. لأن ما ينشر في فرنسا موجه إلى قارئ غير القارئ الجزائري، وهذا بالتأكيد يترك أثره على ما أسميه نبرة النص وإيديولوجيته، ذلك أن القارئ المستهدف يؤثر قبليا على النص تأثيرا مهما. فالروائي الجزائري الذي ينشر في فرنسا يأخذ بعين الاعتبار ذوق القارئ الفرنسي وتوجهاته المختلفة، بما في ذلك الإيديولوجية، يعني أفق انتظاره إذا ما شئنا استعمال هذا المصطلح المستعار من نظرية القراءة، وذلك قصد نيل رضاه. وأنا لا أقصد هنا بالضرورة القارئ العادي فقط، بل أيضا المختصين منهم من نقاد وإعلاميين. يبدو لي وكأن الأدباء الجزائريين الذين ينشرون في فرنسا يعيدون إنتاج الصورة التي يحملها الغرب عنا. إن الغرب وفرنسا بالذات لا تريد لنا أن نكتب أدبا جيدا وانتهى الأمر، أو أن نكتفي بالكتابة بلغتها فقط، لا يكفي ذلك، بل لا بد وأن نكتب وفق الرؤى والإيديولوجيا التي تنظر إلينا من خلالها. وهكذا يدخل الأدب الجزائري إلى فرنسا دون أن يمارس عليها أي تأثير غير الذي يخدمها. استطيع أن أذكر لك أمثلة، لكن أعتقد أن المجال لا يتسع. أما الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية المنشور في الجزائر فهو في الحقيقة لا يختلف في شيء عن الأدب الجزائري المكتوب باللغة العربية، فهما متوجهان إلى القارئ الجزائري، ومن هنا تقاربهما. وهما يعانيان من نفس المشاكل من تهميش وغياب المقروئية وما إلى ذلك. أما على صعيد القيمة الفنية الخالصة فيبدو لي أن الرواية الجزائرية المنشورة في فرنسا أرقى من مثيلتها المنشورة في الجزائر سواء العربية منها أو الفرنسية.

قلت مرة لكاتب جزائري بأنكم جيل بلا نقاد، أو لنقل أجيال بلا نقاد. لماذا هذا الغياب للنقد رغم وجود عشرات الجامعات بالجزائر وبها أقسام منشغلة بنظرية الأدب ، منها نظرية الرواية؟

المشكلة أن النقد الجامعي يبقى حبيس جدران الجامعة، وموجه للاستهلاك الجامعي، ويظهر في شكل رسائل جامعية لا تنشر أوفي مجلات توزع داخليا وبكميات محدودة أو في الملتقيات. إننا لا نجد له أثرا في وسائل الإعلام مما يجعل تأثيره محدودا جدا على الحياة الأدبية والثقافية عامة. ومما ساهم في هذه القطيعة أن النظرية التي يرتكز عليها هذا النقد، وهي النظرية السيميائية أساسا، تعتمد على مفاهيم وتقنيات تجعل هذا النقد عاجزا على الوصول إلى جمهور عريض أو حتى على مجرد إثارة اهتمامه. ثم إن النقاد الجامعيين قليلو الاهتمام بالنصوص الإبداعية، بل يمكن القول إنهم لا يتابعون عموما الحركة الإبداعية في الجزائر، إن لم نقل يجهلونها، على الأقل بالنسبة للكثير منهم، فهم يهتمون بالنظريات أكثر بكثير مما يهتمون بالرواية كنص إبداعي ينبغي ولوجه ومعرفته عن كثب، الشيء الذي حال دون أن يكون لهم وجود في مجال نقد النقد أو تقديم إضافة ما على صعيد النظرية الأدبية لأن هذا يتطلب تعاملا مستمرا و حثيثا مع النصوص الإبداعية التي تمثل الواقع الأدبي الحي والذي يستقي منه النقاد الغربيون، من ناحيتهم، نظرياتهم. وإذا أضفت إلى ذلك أن وسائل الإعلام لا تستعين بخبرات النقاد الجامعيين، نفهم لماذا يبدو لنا و كأن الجامعة لا تساهم في الحياة الأدبية عندنا. لكن هذا لا يمنع من القول في الحقيقة أنه خارج النقد الجامعي لا يوجد نقد أدبي في الجزائر، لأن النقد الأدبي الصحفي لا يمكن الحديث عنه، فهو ببساطة غير موجود.

ألاحظ بأنك كاتب ومثقف تبتعد عن الأضواء. هل يعود ذلك إلى تكوينك الخاص أم أنك تهرب بجلدك من كرنفال الحياة الأدبية الجزائرية التي تقوم أساسا على العلاقات العامة؟

أمر حاليا بمرحلة تيه إن جاز التعبير، يضاف إلى ذلك أنني أعيش بعيدا شيئا ما عن العاصمة التي تحتكر الأضواء ككل عاصمة. والحقيقة أنه من المفروض أن الكاتب عندما يكتب نصا يكون قد قال كل ما عنده وأنجز ما هو مطلوب منه، لكن الحقيقة أن ذلك لا يعني شيئا في نهاية المطاف. لقد قال رولان بارت أن المؤلف مات و الحقيقة التي ألاحظها في الجزائر أن من مات هو النص. لقد أصبح البطل هو شخص الكاتب أكثر منه نصه. الروائيون الجزائريون معروفون أكثر من نصوصهم. الإعلاميون عندنا يتحدثون عن الروائيين، أو بالأحرى عن بعضهم، لكنهم لا يعرفون عادة نصوصهم لأنهم ببساطة و كقاعدة عامة لم يقرأوها. عندما يكون الشخص أشهر من نصوصه فهذا يعني أن هناك مشكلة. من هو الأدب؟ هل هو النص أم شخص المؤلف؟ في نهاية المطاف المشكلة هي مشكلة المقروئية، عندما لا تكون هناك مقروئية، كما في بلادنا، ينصب الاهتمام على الشخص و ليس على النص. ويضطر الروائي أن يمارس التمثيل. ويصبح الأدب نوعا من الفرجة. ويصبح الأدب علاقات عامة، كما قلت.

أنت تمارس تدريس الفلسفة وتحمل الدكتوراه في هذا الحقل المعرفي. ألا تعتقد بأن ضحالة معظم الأدب الجزائري يعود إلى فقر المعرفة بالفلسفة؟ ثم ما مدى استثمارك للعلاقة المتبادلة بين الرؤية الفلسفية و بين فن الرواية؟

لا أعتقد أنه توجد علاقة بين التكوين الفلسفي وضحالة أدب أو قوته، حسبما أعتقد. ولو كان الأمر كذلك لكان كبار الفلاسفة من كبار الأدباء. رغم وجود علاقة معينة، لا يمكن هنا الدخول في تفاصيلها، بين الأدب والفلسفة، فإننا أمام مجالين مختلفين في نهاية المطاف. عندما نكتب رواية يجب أن تكون غاية في ذاتها وليس أداة لخدمة إيديولجيا أو التعبير عن أفكار فلسفية أو أشياء من هذا القبيل. يجب أن نحترم الأدب، يعني أن ندرك خصوصيته. ولذلك فإن تكويني الفلسفي لم يترك بصماته على أعمالي، حسبما أعتقد على الأقل. لكن من المؤكد أن كل عمل أدبي يحمل بعدا فلسفيا، لأن النص يفكر، يفكر عبر شخوصه وأحداثه و لغته و كيانه ككل، ولكن النص الإبداعي لا يفكر على طريقة كانط أو هيغل، وإنما على الطريقة التي بعيش بها الناس الحياة في الواقع.

ما هي مشاريعك الأدبية وماذا تعمل الآن؟

لديّ رواية تحمل عنوان “الأعظم” وهي تبحث عن ناشر في الوقت الراهن. وأشتغل كذلك على رواية ستكون، إن شاء الله، رواية بولييسية، لكن أحس بأنني ما عدت أملك الوقت الكافي لإتمامها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق