ثقافة المقال

فلسفة “النص نص” وحكمة العيش “بين بين”

د. ماهر عبد المحسن

“لِمَ كل شيء بات كنصف كأس، لا فرح كامل، لا حب هادر، لا ود صاف، لا نوم مريح.. نكاد نحيا بنصف روح ونصف قلب.. لا شيء فينا إلا الحزن كامل..
الشاعر/ عمرو ناجي”

كثر الحديث عن الواحد وعن الكثرة، في الفلسفة وفى العلم وفى الدين. لكن ظل الحديث عن الأجزاء قليلاً ومتوارياً. والحقيقة إن رمزية الواحد التي تشير إلى الكمال تجعل حضور هذا الرقم إشكالياً فى حياتنا اليومية. وفى المقابل، تكتظ الممارسات اليومية بالأجزاء العملية من قبيل الربع والثلث والنصف. والحقيقة إن النصف له طبيعة خاصة، لذلك جعلناه موضوعاً لمقالنا الحالي. فالنصف، عندما يشير إلى المنتصف، رقم غير صريح بمعنى أنه لا ينحاز إلى اتجاه بعينه، لكنه يترك، غالباً، أثراً إيجابياً طيباً فى نفوس الناس، لأنه يوحى بالعدل.
غير أن المواقف العملية التي تأتى كترجمة لهذا الرقم تحمل في طياتها قدراً كبيراً من التساؤل ومن الحكمة. فالوقوف في المنتصف علامة على العدل والمساواة، لأنه وقوف على مسافة واحدة من الأشياء. كما أن التوسط فى السلوك يعد عنواناً للفضيلة، حيث اعتبرها أرسطو الوسط بين رذيلتين. وفى الثقافة العربية تعتبر سياسة “إمساك العصا من الوسط” رؤية حكيمة للتعامل مع الأمور الإشكالية، وهى رؤية تجد مبررها فى القول المأثور “خير الأمور أوسطها”. كما تتسق والرؤية الدينية التي تعلي من قدر الأمة الوسط والصلاة الوسطى.
والمفارقة أن التخلي عن الموقف الوسط يكون، أحيانا، مظهراً من مظاهر الحكمة كذلك، عندما ينصحك الحكماء بأن تنظر إلى النصف الممتلئ من الكوب. فنصفا الكوب متعارضين، والنظر إلى أحدهما يوحى بالتفاؤل والنظر إلى الآخر يوحى بالتشاؤم، والحكمة هنا لا ترتبط بالموقف الوسط، لكن بالانحياز لنصف على حساب النصف الآخر.
ويحمل النصف فى الثقافة الشعبية دلالة اجتماعية، بحيث يأتي تعبيراً عن الأمور المتوسطة التي تعلو فوق الرديء ولا ترقي إلى مستوي الجيد، وهو ما يُعبّر عنه ب “النص نص”. والحقيقة إن “النص نص” تعبير موفق عن حياة كاملة لنوع من الناس، يعيش في حالة رضاء، لأنه، بالرغم من عدم قدرته على تحقيق أحلامه كاملة، إلا أنه ينجح في العيش بنحو مقبول. وينتمي جزء من هؤلاء الناس الي الطبقة الكادحة، بينما ينتمى جزء آخر إلى الطبقة المتوسطة، حيث يتطابق اسمها مع مستوى معيشتها وثقافتها.
وفى السياق نفسه يضفى الناس، من الطبقات الشعبية، على النصف معنى قيمياً، فيحكمون على الأشياء غير الجيدة وغير السيئة في نفس الوقت بأنها “نص نص”. والطريف أن “النصف” في الحياة اليومية قد يعبّر عن عدم الاكتمال كما في الشقق “النصف تشطيب”، وقد يصف شيئاً مكتملاً لكنه ينطوي على عناصر غير مكتملة لا تؤثر في تكوينه وعمله، لأنه يعمل وفقاً لهذا التكوين الناقص على نحو ما نجد فى الغسالة “النصف أوتوماتيك”.
وفى المقابل، يستخدم المثقفون تعبير “النصف” كوسيلة لتحقيق الجدارة الاجتماعية للنساء اللائي يلقين العنت والجور في حياتهن من جراء النظرة الذكورية المتعسفة، فيقال في سياق الدفاع عن حقوق هذه المرأة ان “المرأة نصف المجتمع”. كما يستخدمون كلمة “المنتصف” للتعبير عن واحدة من الأزمات الوجودية الشائعة التي تواجه كل إنسان في حياته فيما يُعرف ب “أزمة منتصف العمر”، وهى المرحلة التي يشعر فيها الإنسان أنه لم يحقق كل ما كان يخطط له في الصغر، وأن ما تبقى من العمر لن يكفي لتحقيقه. ويحضر المعنى القيمي للنصف فى خطاب المثقفين عندما يصفون أشباه الموهوبين بأنهم “أنصاف موهوبين”.
والحقيقة أن هيمنة “النصف” فى حياتنا من شأنه أن يدفعنا للتساؤل عن الكيفية التي يمكننا بمقتضاها التمييز بين مواقف الوسط التي تنطوي على حكمة، وتلك التي لا ترقى إلى مستوى الحكمة. ولكى نجيب على هذا التساؤل ينبغي أن نميز أولاً بين الظواهر الإنسانية التي تستند إلى العقل وتلك التي تستند إلى العاطفة. فالعقل بطبيعته يميل إلى التحليل، ولو مرحلياً، وبهذا المعنى يتحول الكل إلى أجزاء، والآحاد إلى أنصاف، وعلى العكس لا تأتي المشاعر إلا دفعة واحدة، فليس هناك نصف حزن أو نصف فرح، وإنما حزن كامل وفرح كامل، هذا علي الرغم من المثل الشعبي البليغ “يا فرحة ما تمت”، لأنه يعبّر عن حالة واحدة فريدة لا تنطبق على معظم المشاعر.
وبهذا المعنى، يمكن لفيلسوف مثل أفلاطون أن يفسر لنا مشاعر الحب بالاعتماد على أسطورة النصفين اللذين افترقا، وظل كل واحد منهما فى شوق للالتقاء بالنصف الآخر. فبالرغم من أن شعور الحب لا يتجزأ إلا أن تدخل العقل لتفسير المشاعر يجعله يقوم بهذه التجزئة كخطوة إجرائية مطلوبة لأغراض الشرح والتفسير. ليس هذا فحسب، بل إن الفن نفسه الذى يعبّر عن العاطفة يمكنه أن يعكس هذا النوع من التجزئة والتقسيم، فيغني وليد توفيق “تيجي نقسم القمر.. أنا نص وانتي نص”، ويغني أحمد الحجار “الفجر لسه بيبتسم بين دمعتين.. الفرح ممكن يتقسم على شفتين”.
فالتفكير فى المشاعر، الذى أداته العقل، والتعبير عن المشاعر، الذى أداته الخيال، كلاهما يمكن أن يلجأ إلى التقسيم من أجل إضفاء المعنى، أما التجربة الواقعية للشعور فلا تتم الا دفعة واحدة، ولا تحتاج إلى برهان عقلي، لأنها تعلن عن وجودها من خلال حضورها الآني المباشر.
وبهذه المثابة، يكون موقف الوسط منطوياً على حكمة إذا كان يهدف ألي التروي والاعتدال، ولا يكون كذلك إذا جاء تعبيراً عن حالة من الحيرة والتردد والعجز عن الفعل. كما يكون إجراء التقسيم سلوكاً حكيماً ومحموداً إذا كانت غايته تحقيق العدل والمساواة، ولا يكون كذلك إذا كان الهدف هو تحقيق التباعد والفرقة بين الناس!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق