قراءات ودراسات

ديفيد هيوم الذاكرة والخيال

علي محمد اليوسف

تقديم
من الشائع تقليديا في ادبيات فلسفة علم النفس وفسلجة (وظائف) اعضاء الادراك العقلي أن الذاكرة هي المرتكز التوليدي لافكار الخيال وهي بنك المعلومات المعرفية المدّخرة التي يستلم الذهن منها الافكار الذي لا تكون الذاكرة مصدر تفسير تلك الافكار ولا البت بها التي هي خاصية منطقة معينة خلوية في تكوين الدماغ وليس مهمة الذهن الذي هو حلقة وصل في منظومة الادراك العقلي, ويرتبط الذهن تفكيريا بمناطق مخصصة بالدماغ تحتوي ملايين الخلايا العصبية التي تحمل وظيفة خاصية التفكير العقلي حسب نوعية الموضوع المدرك.
نجد من المفيد تأكيد أن وظيفة الذهن المتداخلة مع وظيفة الذاكرة لا تقوم على تزويد الذاكرة بافكار المعرفة المكتسبة المخزونة فيها للذهن كخبرة متراكمة فقط, وأنما الذاكرة تكون في نفس الوقت هي مخزون وبنك معلومات الذهن التي تمده الذاكرة به على الدوام دونما توقف على شكل ادراكات واردة كاحساسات من موجودات العالم الخارجي وعلى شكل مقولات ارتدادية صادرة عن الدماغ كتجارب معرفية تستقر في خلايا الذاكرة المرتبطة بعمل الدماغ. بعبارة توضيحية ليست الذاكرة حضورا ماضويا لا يحتاجها الذهن في كل الاوقات التي تكون منظومة الادراك العقلي للاشياء شغّالة على الدوام… بل الذاكرة كافكار هي حضور دائم في كل أوقات ولحظات سير عملية الادراك العقلي…ومن التعسف مساواة وظيفة الذهن الادراكية بوظيفة الدماغ الادراكية حول نفس الشيء أو نفس الموضوع في الزمن الواحد الذي يجمعهما معا. ثم وبحسب هيوم الذاكرة ليست مصدر الافكار الخيالية فهذه الاخيرة لها استقلالية عن الذاكرة ولم يوضح هيوم ما هو المصدر غير الذاكرة التي تستقي منه الافكار الخيالية توليدها الذاتي المستقل في الدماغ داخل منظومة الادراك العقلي. ومن نافل القول الاشارة الى أن الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون يؤكد ما ذهب له هيوم أن الذاكرة لا علاقة تربطها بالافكار الخيالية ولا غير الخيالية. ويعتبر برجسون الذاكرة زائدة مصطنعة مقحمة في تفسيرات علم النفس وعلم فسلجة الادراك في الدماغ.

هيوم بين الذاكرة والخيال
يفرق ديفيد هيوم (1711- 1776) بين الخيال والذاكرة قوله : افكار الذاكرة تكون اكثر حيوية من افكار الخيال التي يسمها الخفوت والخروج على الانتظام, وشكل الانطباعات التي أستمدت منها. ويؤكد أهمية تفريق الذهن عن الذاكرة.1
لنا التعقيبات النقدية التالية :
– هيوم يعتبر الذهن حلقة تجريد معرفي ادراكي هي مصدر التفكير بالمدركات الواصلة اليه وليس الادراك خاصية دماغية تختص بها منطقة معينة من تركيبة الدماغ الفيسيولوجية في القشرة الدماغية وتكوينه البيولوجي أو في الفص المخي المسؤول عن ردود الافعال الانعكاسية الارادية منها أو غير الارادية,التي تحتوي ملايين الخلايا العصبية المتخصصة في نوع أو أكثر من المدركات خاصيتها التفكيربالمدركات الواصلة اليها وتصدير مقولات الدماغ عنها في ردود افعال انعكاسية جوابية منقولة عبر الجهاز العصبي ..
فالذهن معنى قصدي تجريدي التفكير غير عضوي في منظومة وظائف الادراك العقلي للاشياء وهو ما يشّكل منطقة التباس في عدم تحديد معنى الذهن وماهي آلية عمله الادراكية؟. وما هي علاقة خاصية الذهن التفكيرية بعلاقة خاصية الدماغ التفكيرية؟. وكيف يتبادلان الذهن والدماغ الادوار في وحدة منظومة العقل الادراكية التي تضمهما معا؟ والتي ينتظمها جميعا قدرة وقابلية الجهاز العصبي الذي يربطها جميعها بشبكة معقدة موزعة على ملايين من الخلايا العصبية العاملة بأعجاز أدراكي يتوقف عنده العقل.
الذهن تجريد معرفي انطباعي وليس جوهرا مهمته التفكيرالمادي بدلا عن الدماغ, فالذهن يستلم ادراكات العالم الخارجي الواصلة اليه انطباعيا عن طريق الجهاز العصبي نقلا عن الحواس وليس من مهمته اعطاء التفسير النهائي عن تلك المدركات بالنيابة عن العقل الذي يحتوي الدماغ وظائفيا بيولوجيا في مهمة تفسير المدركات الخارجية عن الاشياء القادمة اليه والرد عليها عبر منظومة الجهاز العصبي. خاصية الذهن المعرفية التجريدية خاصية تواصل استقبالية فقط لمدركات الواقع الخارجي, وهو ايضا حلقة استقبالية استرجاعية لمقولات الدماغ العقلي الصادرة منه عن تلك الادراكات. بكلمات شديدة الاختصار ليس خاصية الذهن التفكير بل التفكير هو خاصية الدماغ أولا. هنا الذهن من الناحية الوظيفية هو حلقة مهمة داخل منظومة العقل الادراكية لكنه لا يشّكل جزءا عضويا من تلك المنظومة كما هو الحال مع الوعي والفكر واللغة, فهذه التعبيرات الثلاث في الدلالة الادراكية هي حلقات تجريدية معرفية لا يستغني عنها العقل الادراكي لكنها منفردة أو مجموعة مجتمعة ليست أجزاء عضوية تدخل في تشكيلات منظومة الادراك العقلي البيولوجية, كما أن هذه الحلقات الادراكية المهمة ليست مواضيعا يدركها العقل (ماديا) بل هي افصاحات صادرة عن الدماغ تجريديا وتتواصل به تجريديا ايضا داخل بيولوجيا الجهاز العصبي الناقل والمستورد لافكار الدماغ تجريدا مشفّرا.
معاني مفردات مثل الذهن والوعي والخيال والذاكرة التي لا أدراك لها منفردة منفصلة لوحدها عن منظومة الادراك أنما هي جميعها تجريدات ادراكية موقعها وأهميتها مستمدة من تبعيتها لمقولات العقل ووظائف الدماغ تحديدا.
– لا يأخذ هيوم بمقولة الذاكرة هي مستودع تجربة الافكار الذهنية المدخّرة التي يستمدها الذهن منها, فالذاكرة من الناحية الفسلجية المباشرة, هي مرجعية ساكنة بما تحتويه من مخزون الافكار الطبيعية والمكتسبة داخله كتجارب. ولا تتسم بالحركة الحيوية الا متى ما كانت تحت وصاية الذهن عليها بوصاية دماغية وليس وصاية المنظومة العقلية عليها. فمثلا الاحساسات والوعي والجهاز العصبي والذاكرة والذهن واللغة هي حلقات ادراكية تجريدية متداخلة لا تنوب عن وظيفة الدماغ ولا تمتلك استقلالية الانفصال عن غيرها من تجريدات المنظومة الادراكية للعقل.
كما أشرنا في النقطة السابقة كيف لنا التمييز بين ادراكات الذهن عن ادراكات الدماغ؟ وكيف تكون العلاقة الادراكية في تبادل أو تكامل الادوار بينهما؟ وهل في تفكير الدماغ مستقلا ما يبطل تفكير الذاكرة والذهن والوعي وهو أمر يستحيل التصديق به, أو بالعكس هل تفكير الذهن والذاكرة يبطلان تفكير الدماغ جانبا في ادراكهما الموضوع الواحد في نفس زمانية واحدة مرتبطة بمرجعية الدماغ في ادراكه الموضوع نفسه؟ أم تجمعهم منظومة واحدة لا تفهم ولا تدرك باجزائها وأنما تدرك بدلالتها مجتمعة في تحقق عملية الادراك العقلي كاملة.
– الذهن المفكر الصادرعن حيوية الذاكرة وليس الخيال الباهت حسب هيوم لا يعتمد بنك المعلومات المخزون بالذاكرة في التعبير عن مدركاته الواردة له وتفسيرها, بل ولا يحتاج افكار الخيال غير المحدودةعلى شكل تداعيات ليس مصدرها مخزون الذاكرة كما هو الفهم الفلسفي الدارج قبل طعونات هيوم بها. وتمتاز افكار الخيال بالتشتت الادراكي وسرعة تبادل الاتصالات البينية فيها وانحلالها السريع ايضا.. وتغييب هيوم الذاكرة من منطلق هي ليست مصدر افكار الخيال, ولا يوضح لنا مصدر افكار الخيال من أين تأتي؟ فليس من السهولة تمرير مقبولية هذا الاستنتاج دونما أعطاء البديل؟.
– لا يقر هيوم بحقيقة أن الذاكرة تخضع الى تداعيات افكار توليدية تخص مواضيعها ناتجة عنها في تجديد مستمرلتجاربها كخبرات تراكمية في الحياة, كما لا يعامل هيوم الذاكرة على أنها تكوين يتشّكل من الخبرة المكتسبة من الواقع والمحيط, ولا يعتبر الذاكرة تجدد معرفي يستحدث مخزونه من الافكار التي هي خبرة تراكمية من التجارب التي يمر بها الانسان.
الذاكرة صحيح من ناحية التحقيب الزماني بالنسبة لادراكات الانسان للزمان, أنها خبرة ماضية أنتهى زمن حضورها الدائم في امتلاكها افكار تزويد الذهن بطاقته التفكيرية المستحدثة بالزمان الحاضر, الا أن صلاحية الذاكرة تبقى مصدرا فكريا توليديا يتزود منها تفكيرالدماغ والذهن في كل الاوقات والازمان التي تمر بها ادراكات الانسان, ولم يتعامل هيوم مع الذاكرة أنها كينونة مصنّعة متطورة تساير الحياة ولا تقاطع ادراكات الذهن ولا ادراكات الدماغ… الذاكرة بنك المعلومات المدّخرة التي لا يستطيع الدماغ ولا الذهن الاستغناء عنها كخبرة تراكمية من المعرفة. والذاكرة لا تكون مرتهنة لزمان معين محدود في ارتباطها الدائم بعملية الادراك.
– الخيال الذي تكون افكاره ليست مستمدة من الذهن نقلا عن الذاكرة كما يرغبه هيوم في التفريق بين الذاكرة والخيال, هو كي لا يكون الخيال فضاءا مفتوحا على تداعيات تمتلك القدرة التوليدية المتجددة للافكار, رغم ذهاب هيوم الى أن الذاكرة أكثر فاعلية نشاطا حيويا من أفكار الخيال التي ينعتها بالخمول ولا يعتبرها مرتبطة بالتبعية الادراكية مع الذاكرة… وافكار الخيال التي لا يمتلكها الذهن بحكم أن الذهن عضو ادراكي تفسيري للاشياء كما تنقلها الاحساسات عبر توصيلة الجهاز العصبي لها… .
ويعتبر هيوم الذهن ليس وسيلة من وسائل تفكير العقل بل يمثل الانابة الكاملة في تنحيته العقل جانبا عن محيط تفكيره بالمدركات , معتبرا هيوم الذهن هو مصدر معرفتنا الافكار ودلالتها عن العالم الخارجي. وفي هذا يصادر هيوم حقيقتين الاولى خاصية الدماغ التفكيرية التوليدية في أصداره مقولاته عن المدركات الواقعية الخارجية والخيالية الداخلية معا التي هي السبب الاول في تطور وتغيير موجودات العالم الخارجي…والثانية في تبني هيوم الذهن هو مبتدأ ومنتهى عملية التفكير فهو يصادر كيف ومن أين تأتي الافكار الخيالية وما هو مصدرها من غير مدّخرات تجارب الذاكرة التي هي بنك معلومات تزويد الذهن بأفكار الخيال المكتسبة عن خبرة تجاربية. كما أن الذاكرة لا تستوعب الادراكات المستجدة المباشرة الواصلة للذهن عن طريق الاحساسات وليس عن مخزون الذاكرة التي هي مدخرات خبرة متراكمة ليست وليدة الادراكات التي يستمدها الذهن من المدركات الواصلة له حسيّا.
– بهذا المعنى يتوجب أن نتساءل ما وظيفة الدماغ في تفكيره بمدركات الوجود الواصلة اليه؟, ومم يتشكل الوعي الادراكي هل بدلالة الذهن أم بدلالة الدماغ؟ وما هو الموقع الوظائفي الذي يشغله الذهن في سلسلة منظومة الادراك العقلي؟ وهل التفكير العقلي بموضوعات الخيال يتقدم التفكير بموضوعات الواقع الخارجي؟ لا يمكن توفر الاجابة عن هذه التساؤلات المترابطة المتعالقة ادراكيا بالفكر الفلسفي التجريدي الذي يتوجب أعتماده منجزات علم وظائف مكونات الدماغ وعمل كل جزء داخل منظومة العقل الادراكية من الناحية العلمية التي تعتمد منجزات العلم ولا تعتمد مقولات الفلسفة التجريدية التي تجعل الفرد يخلط بين تفكير الدماغ وتفكير الذهن وكيفية ترابطهما ولا يفهم كيفية عملهما كلا لوحده في عملية الادراك في حال جواز فصلهما ولا يفهم آلية حصول الادراك في ترابطهما(الدماغ والذهن) غير العضوي على خلاف ترابط تشكيلات ومكونات الجهاز العصبي بالدماغ وعمله الادراكي… الدماغ عضو بيولوجي والذهن تجريد تفكيري يرتبط به.
– بماذا يختلف الوعي عن الذاكرة وكلاهما حلقتان مجردتان في منظومة العقل الادراكية؟ نحن لا يمكننا الفصل بين علاقة الوعي بالذاكرة على انهما دلالة وظيفية واحدة هي التفكير العقلي غير المنفصل عنهما كليهما. لكن يمكننا تشخيص الاختلاف التفكيري بمدركات الحواس بينهما, فتفكير الوعي هو غيره تفكير الذاكرة باختلاف (زمان) تلقي المدركات وليس في أختلاف (مواضيع) الادراك الواصلة لهما, فما يفكر به الوعي ويدركه زمانا هو ذاته ما تدركه الذاكرة وتفكر به بنفس الوقت الزماني.
اذن كيف يكون هذا صحيحا منسجما حين قلنا يختلف زمن الذاكرة عن زمن الوعي؟ زمان الوعي يكون زمانا ظرفيا مؤقتا زائلا بزوال التفكير بموضوعه المدرك من قبله أي من قبل الوعي, أما تفكير الذاكرة فيكون تحقيبيا معرفيا زمانيا يجمع زماني الحاضر والماضي في كل التجارب التي يدركها العقل في الحياة ويجري تخزينها بالذاكرة التي هي مستودع تخزين معرفي بخلاف الوعي الذي لا يمتلك ميزة تخزين خبرات الانسان المعرفية بل هو يدركها كحلقة توصيل ولا يدركها كمخزون معرفي جاهز في كل زمان, وبذا يكون زمن الوعي هو الحاضر فقط بينما يكون زمن الذاكرة هو الحاضر والماضي وحتى المستقبل من حيث حيوية مخزون الذاكرة لا ينعدم ولا يفنى بتقادم الزمن عليه. مخزون الذاكرة المعرفية هي دلالة التفكير بالماضي وبالحاضر وبالمستقبل. وبهذه الخاصية الخزنية التي تمتلكها الذاكرة ولا يمتلكها غيرها من حلقات منظومة الادراك العقلي, يصبح تفكير الذاكرة لا يقل اهمية عن تفكير الدماغ.
هيوم واشكالية ادراك الفكر والصورة
يثير هيوم اشكالية فلسفية أخرى حول الفكر والصورة في عملية الادراك. فهو يخالف بيركلي الذي يرى تشكيل الفكرة عن الشيء هو أدراك صورته الحقيقية الموجودة في واقع العالم الخارجي في تطابق تام, والفكر المستمد عن شيء متعين مدرك وجودا يطابق الصورة الادراكية عن ذلك الشيء, لذا فالفكرة المعبّرة عن صورة الشيء هي التمثيل الحقيقي لوجود ذلك الشيء كمدرك واقعي. بينما يذهب هيوم أنه لا وجود لافكار عن الاشياء المدركة وأنما الموجود عنها فقط هو (الادراكات) التي هي عماد كل معرفة انسانية. ولا يوضح هيوم آلية حصول أدراكات الذهن بمعزل عن التفكير الصوري لتلك الادراكات في تداخلها مع الفكر واللغة.
الحقيقة الفلسفية – العلمية تشير الى أن الادراكات هي أستقبال صوري ذهني انطباعي لوجود الاشياء بالعالم الخارجي. والآلية المعتمدة في كيفية تحقق الادراك, هو أن صورة تمّثل الشيء بالذهن هو صورة (لغوية) تجريدية وليست صورة مدركة تعيينا انطولوجيا حسيّا. بمعنى لا وجود لادراك لا يعتمد صورة الاشياء الواقعية في تجريد لغوي, فصورة الشيء المدرك لا تعني صورة ذلك الشيء فوتوغرافيا بالتصويرالمنفصل ماديا عن أصل الصورة, بل تعني صورة ذلك الشيء في تجريده اللغوي كمدرك ذهني موجود واقعيا يدركه العقل كموضوع.
رغم أن بيركلي ولوك وهيوم هم فلاسفة مناطقة مثالية تجريبية لا يقرون بوجود ادراك واقعي يسبق الفكر والتعبيرعنه بل بوجود افكار تصورية تجريدية عن الواقع مستمدة احساسيا منه لكن لا تعود ترتبط تفكيريا به…والموجودات المادية هي مدركات حسية فقط, وفي هذه القضية الجماعية المثالية التي أتفقوا عليها بدأ الاختلاف بينهما بالتفاصيل, وقبل قرار أمكانية الفرز من قبلنا بين الصح والخطأ نجد انفسنا ننجر الى طرح تساؤلات مفتوحة النهايات بلا أجوبة شافية مثل كيف ندرك موجودات العالم الخارجي الشيئية وبأية آلية غير آلية الفكرة عن الشيء هي في التطابق مع صورته؟ كيف لنا التأكد بضوء الاختلاف الذي يطرحه هيوم بين الفكرعن الشيء لا يمثل صورته الادراكية,؟ من حيث أننا كنا نسّلم بحقيقة لا فرق بين ادراك الشيء بالفكر الذي هو يعني ضمنا ادراك صوريته المجردة عن واقعيتها, ولا انفصال بين التعبيرين الفكرة والصورة في دلالتهما عن مقصود واحد لمعنى واحد. فادراك الشيئ بالفكر هو ادراك تجريدي صوري له باللغة. وتمثلات العقل لمواضيع مدركاته لا تتم بغير هذه الآلية.
هذه الاشكالية ليست من البساطة التي يمكن حلها فلسفيا بكلمات قليلة. فالذين يقولون اننا ندرك من الاشياء صورتها الواقعية الحقيقية كما هي يكونون على صواب, فادراك موجودات الواقع هو ادراك صور الاشياء التي تغني عن معرفة ازيد منها تختفي وراء ادراك الصورة التي ادركتها الحواس, والذين يقولون بأن ادراكاتنا الاشياء والموجودات حسيا تجريديا صوريا هو غير واقع الصورة المدركة حسيا يكونون على صواب ايضا. فكيف يتم الحسم بين الصواب والخطأ بينهما؟
نجد الحسم يكون داخل تفكير الدماغ وليس داخل ادراكات الاحساسات, فالتفكير الصوري الشكلي الذي يرى في ادراك صورة الشيء هو ادراك لحقيقته الواقعية انما يقوم استنتاجهم على أن كل شيء يجري التحقق من حقيقته الواقعية انما يكون في تفكير الذهن به الذي هو يعطي وحده صورة اي شيء ندرك وجوده الحقيقي.
اما الاتجاه المادي الذي يرى في ادراك صور المحسوسات هو ادراك زائف لمعرفة حقيقة الشيء واقعيا. أنما ينطلقون من انكار لا واقع مادي حقيقي مستقل لا يدركه الفكر صوريا تجريديا ايضا لكن ادراك الشيء صوريا لا يعني معرفة حقيقته الموجودية في الواقع, وكذلك لا وجود لفكر صوري عن الواقع بامكان التفكير التجريدي به وبغيره خلق حقائقه المادية في العالم الخارجي.
وهذا الاختلاف الذي سقناه لم يحل المشكلة بل توضيحها, والحل يكون في اقرار أن كل ادراكاتنا للاشياء هي ليست معارف خالصة موثوق منها عنها, ومعرفة الشيء بالفكر المجرد لا يعني معرفة حقيقته, وكذلك لا يكون الشيء الموجود مستقلا بعالم الاشياء يستطيع التعريف والافصاح الواقعي الحقيقي عن نفسه من دون تفكير عقلي يتناوله. وتبقى معرفة الشيء على حقيقته ليست بالفكر المجرد ولا بالواقع المستقل عن الفكر بل في تداخلهما الجدلي بما يكسب الواقع تفكيرا حقيقيا وليس زائفا في معرفته الاشياء وليس في ادراكها فقط, كما يكتسب الفكر في تعالقه الجدلي بالواقع بعدا تطوريا في مصداقيته التعبير عن الاشياء في حقيقتها المعرفية وليس في وجودها المدرك صوريا فقط. بمعنى جدل ترابط الفكر مع الواقع يعطي الاثنين حقيقتهما المعرفية وليس حقيقتهما الادراكية فقط.
غياب اللغة في مثالية هيوم
ما يلفت الانتباه أن هيوم ومن قبله بيركلي وجون لوك لم يتطرقا مطلقا عن أهمية حضور (اللغة) في عملية الادراك من حيث أن فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات ومصطلح التحول اللغوي ظهرت بدايات القرن العشرين وتبلورت اللغة كمبحث فلسفي حضوري مركزي في النصف الثاني من القرن العشرين, بينما كانت بدايات فلسفة الوضعية المنطقية التجريبية المثالية التي يتزعمها جون لوك وهيوم وبيركلي محسوبة على النصف الثاني من القرن الثامن عشر حيث لم يكن مبحث اللغة قد ظهر ولفت انتباه الفلاسفة بهذا الاهتمام الكبير الذي يشهده تاريخ الفلسفة اليوم. لذا نجد أنعدام أية أشارة فلسفية عن علاقة اللغة في عملية الادراك لدى هيوم وبيركلي وجون لوك ومن قبلهم باسكال ومالبرانش وسبينوزا. فمبحث اللغة كفلسفة اولى بدأ بداية القرن العشرين لدى دي سوسير وفريجة وبيرس وفينجشتين وغيرهم من بعدهم فلاسفة لغة وعلماء. وأحتل مركز الفلسفة الاولى في النصف الثاني من القرن العشرين, مع تنامي الاهتمام بفلسفة العقل والوعي وفلسفة اللغة ونظرية فائض المعنى.
واذا كان أدراك الشيء لا في الفكر ولا في الصورة المتداخلة معه وأنما تتم حسب هيوم بالادراك المجرد الذي لم يوضح كيفية أتمام هذه العملية وبوسيلة ماذا ولا بأية آلية بيولوجية يمكن أن تتم؟ وهل من الممكن فصل الفكر عن تصور الشيء صورة ادراكيا, في تغييب هيوم ترابط الفكر والصورة في تلازمهما الجدلي التعبير في لغة الادراك؟, فالفكر بلا افصاح لغوي والادراك بلا لغة تصورية تقوم على اساس تجريد تعبير اللغة لا يكون لهما معنى.
أدراك صور الاشياء يعني هو تمّثّل تعبيري لغوي ولا يتمكن العقل تجريد الادراكات من مضمونها الشيئي والتعبير الافصاحي اللغوي عنها صمتا بالذهن أو نطقا بالكلام وكلاهما تعبير لغوي صوري داخليا أستبطانيا ذهنيا وتعبيرا لغويا خارجيا في تعبيره عن عالم الموجودات . الادراك المعرفي الشيئي بخلاف هيوم هو صورة الشيء المعبّر عنها في الذهن بتعبيراللغة المجردة, ولا توجد أدراكات حقيقية تنسب للعقل والذهن جزءا منه بغير هذه الآلية التي ذكرناها. وكان بيركلي محقا تماما بخلاف هيوم أن أدراك الشيء يتم وفق تطابق الفكرة عنه مع صورته الواقعية كموجود ولا يمكننا فصل الفكر عن صورة الشيء المدرك رغم نكران بيركلي الشديد لوجود واقع خارجي يدركه العقل خارج الفكر.
كما لا يمكننا فصل العديد من الثنائيات التي تتماسك في المعنى الادراكي مثل عزل الفكر عن اللغة , عزل الوعي عن الشيء, عزل الحواس عن الواقع, عزل الزمان عن المكان, عزل الدماغ عن الجهاز العصبي, عزل التجريد عن الواقع الشيئي, عزل العلة عن المعلول, عزل النطق عن اللسان وهكذا الى ما لا يمكننا حصره من ثنائيات لا يمكننا فهم معنى طرف واحد بغير تعالقه مع وجهه الثاني الذي هو الطرف الاخرالمكمّل له..
نستدرك بملاحظة أخيرة أن بيركلي رغم تأكيده رفضه المجردات في التعبير عن الاشياء الا أن اقراره في مسالة تلازم الفكرة مع الصورة المعبرة عن الشيء تعتبر خروجا منهجيا لبيركلي في أنكاره وجود افكار مجردة تعبّر عن موجودات الاشياء, حتى على صعيد أنكاره تجريد الفكر في التعبير عن جوهر الشيء. وتعتبر أخطاء بيركلي الفلسفية من الامور التي لم تعد بحاجة الى تكرار تفنيدها. ومع كل هذا كان بيركلي ينكر الواقع المدرك كوجود سابق على التفكير, ولم يوّضح من أين تأتي الافكارللذهن خارج تعالقها المادي على أنها انعكاس جدلي مع الواقع.وتبقى مقولته الفلسفية التي رفضها هيوم أن الفكرة عن الشيء هي تمّثّل تجريدي يطابق وجود صورة الشيء في حقيقته الواقعية بعالم الموجودات والاشياء زلّة تفكير فلسفية تحسب صحتها المادية لبيركلي في تاكيد أدانة فهم هيوم المثالي المخالف لها.
هيوم والادراكات
يذهب هيوم الى أن الادراكات المتعاقبة عن موجودات العالم الخارجي هي وحدها التي تؤلف محتوى الذهن وتمنحه وظيفته الادراكية في التفكير.الادراكات لدى هيوم هي ليست الافكار التي يفهمها كلا من بيركلي وجون لوك على انها الانعكاس المباشر لصورة انطباعات الاشياء بالذهن.. عليه كيف يمكننا التمييز بين ادراك الشيء بالذهن, وتكوين الافكار عنه بالذهن أم خارجه بالدماغ؟
هذا التداخل الفلسفي يمكننا حّله من منطلق التفريق بين الذهن والدماغ ووظيفة كلا منهما في عملية الادراك. هيوم يعتبر الذهن مصدر تصنيع الانسان لمدركاته الواردة له من الاحساسات المستمدة من موجودات العالم الخارجي كما يعتبره هو ناتج تفكير الذهن بمدركات الواقع من غير ما تداخل وظيفي يجري بين الذهن والعقل في اصدار ردود الافعال الادراكية عن الاشياء والعالم الخارجي.
الفرق الاولي بين الذهن والعقل هو أن الاول الذهن جزء من تكوينات المنظومة العقلية لا يمكنه مصادرة الكل الذي هو منظومة العقل الادراكية, والذهن هو مجموعة الانطباعات الاولية عن المدركات التي هي تداعيات من الصور, بينما يكون العقل هو المنظومة الادراكية الفكرية لفهم الاشياء والتعامل معها معرفيا على اساس من ادراك فكري وليس ادراكا ذهنيا انطباعيا بالذهن لا يعطي معنى الشيء المدرك حقيقته الصورية الواقعية المجردة في عالم المحسوسات المدركة.
عليه نرى من وجهة نظرنا غير ما يراه هيوم أن الذهن هو حلقة مركزية مهمة في اتمام عملية الادراك داخل منظومة العقل الادراكية, لكنه أي الذهن ليس مصدر فهم العالم بمعزل عن فهم العقل له في ارتباط الذهن به. ونرى الذهن وسيلة محايدة في تمريره مدركات الاحساسات الواردة اليه في توصيله أي الذهن لاحساساته الانطباعية الاولية الى الدماغ عبر شبكة الجهاز العصبي الناقل والمستورد للادراكات الواردة له والصادرة عنه.
المهم التفريق أن الادراكات الانطباعية التي يستلمها الذهن هي ليست الافكار الواردة الى الدماغ للبت بها واعادتها للذهن بعد تفسيرها, العقل الذي هو جزء عضوي منه الدماغ ماهيته التفكير في فهم وتفسير المدركات الحسية الواردة له. وبهذا المعنى يكون الدماغ هو مصدر الاحكام الصادرة عنه في تعبيره عن المدركات بالفكر اللغوي كمقولات عقلية كما يصفها كانط, وهذه الاحكام ليست مهمة الذهن في نقله الانطباعات الاولية عن الاشياء كموجودات متعينة استقلاليا في العالم الخارجي.. الذهن ليس مركز تفكير ينوب عن تفكير الدماغ والمنظومة العقلية الناقلة للادراكات عبر الجهاز العصبي.
الادراكات الانطباعية هي اشارات دلالية أولية تختلف عن الافكارالتي يقوم العقل بتكوينها, وكلاهما الادراكات والانطباعات مستمدتان من مصدر واحد هو واقع العالم الخارجي بجميع تكويناته من الموجودات والاشياء. أما الادراكات هي أنطباعات ذهنية عابرة وليست افكارا جاهزة التعبير عن مدركات العالم الخارجي. الادراكات انطباعات ترتسم بالذهن وتغادره وصولا الى الدماغ الذي يستقبلها كاحساسات مادية عن مواضيع ادراكية مهمته التفكير بها وأعطاء ردود افعاله عنها.
تراكم الادراكات بالذهن لا تمنحه خاصية قابلية الاستحواذ على عملية التفكير التي يمتلكها العقل منفردا وخاصية دماغية بالتحديد كجزء من العقل ولا يمثل الدماغ العقل كاملا كمنظومة ادراكية.. وكل مدرك حسي ومنقول عن الجهاز العصبي الى منظومة العقل الادراكية ينتهي بالدماغ ولا ينتهي بالذهن الذي هو توسيط في منظومة العقل الادراكية. لذا تكون الادراكات الواصلة الى الذهن هي انطباعات تجريدية أولية اكثر من تجريدية الافكار العقلية, وهذه الانطباعات الادراكية لا يستطيع الذهن التعبير عنها بالتصورات اللغوية, بينما يستطيع الدماغ العقلي تحويل مجمل الادراكات الواصلة له الى تعبيرات (لغوية) ينقلها الجهاز العصبي للذهن والوعي للافصاح عنها افكارا لمدركات مادية.
علي محمد اليوسف /الموصل
هامش :1. وليم رايت تاريخ الفلسفة الحديثة, ت:محمود سيد احمد, مراجعة وتقديم امام عبد الفتاح امام , ص 210

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق