ثقافة السرد

رُقيَّة

رمزي القحطاني

عند مدخل القرية التقيا، عبد الله وجمال، صدفة وقت غروب الشمس، كانت السماء ماطرة والأجواء صقيعية، قال عبد الله:
– غدا يجب أن ألقاك، هناك ما يجب أن تعرفه.
– لعله خير. قال جمال هذه العبارة ودلف إلى الطريق المؤدية للمنزل وسط القرية، بينما عبد الله سلك في اتجاه آخر إلى منزله.
وفي صبيحة اليوم التالي تقابلا عند شجرة الزيزفون بعد شروق الشمس، جاء عبد الله يحمل معه إبريق الشاي وفنجانين من الزجاج، جلسا إلى ظل الشجرة يشربان الشاي ويتحدثان حول مواسم البذر والأمطار، وتذاكرا حصاد الغلال للسنة الماضية، كان الجفاف قد ضرب الحقول فقترت الثمار وقلّ المحصول. صمت عبد الله قليلا ثم قال:
– ثمة أخبار جديدة، إنها تتعلق برقيّة، لقد سمعت أنها قطعت البحر باتجاه الغرب، إنهم يقولون إنها سلكت الدرب بمفردها، كانت تحمل كيسا أسود فيه ملابس وبعض الطعام.
– آوه لو أراها، يجب أن ألقاها، لا بد من أن أضع رأسها تحت المقصلة. قال جمال هذا بعزم شديد، كان يتحدث بحزن وغضب في آن معا. ثم تابع: هل تتحدث بجد! أقصد هل أنت متأكد من مصداقية هذا الخبر؟
– نعم متأكد مما أقول، لقد أخبرني صديق أثق به، قال إنه رآها تقطع البحر على متن قارب باتجاه مغرب الشمس، وقد نقدت البحّار أموالًا كثيرة. قال عبد الله هذا ووضع الفنجان فارغا على الأرض.
– الرجل السفاح والمرأة السفاحة، أما الرجل السفاح فلم يظهر في قريتنا لكن السفاحة رقيّة قد ظهرت، وفعلت ما فعلت ولاذت بالفرار، إنها تظن أنها ستفر من العدالة، بل من يعتقد هذا هو واهم. قال جمال هذا وهو يلوح بقبضته في السماء: إن من يعتقد هذا أو يفكر به فقد خانه ظنه وعقله. أعاد هذه العبارة أيضا وصمت.
– لقد فرّت من عدالتك التي لن تطالها الآن يا صديقي، إنها أذكى من الجميع، أخذت أموال والدها المتوفى ونهبت أموال التاجر غيلة وحيلة، من كان يظن أنها بهذه الشطارة!! أخبرني من كان يعتقد أن بوسعها فعل ما فعلته؟ تحدث عبد الله بتعجب شديد، فردّ عليه جمال:
– هل يمكن لأحد أن يتخيل أنه سيرتكب جرما مشهودا وينجو من الجزاء! قلي يا عزيزي جمال هل يمكن أن يذهب دم أروى سدى؟ لقد وضعت رقية في حقيبتها شريطًا من حبوب منع الحمل وأوهمتها أن الحبوب مسكن للصداع، والمسكينة أووووه، المسكينة استخدمت الدواء أمام أخيها الذي ظن أن أخته عاهرة فقتلها، كذلك ما ذنب أبي نضال الذي مات بجرعة قاتلة من الفياجرا؟ وهبت رقيّة زوجة المسكين باكيت فياجرا، قالت لها إنه دواء للأميبيا وإنه يجب عليها أن تعطي زوجها جرعة كبيرة لكي يكون الدواء الناجع لآلام معدته، والمسكين الله يرحمه شرب الموت من يد زوجته بكل رضى وبغدر رقيّة لا باركها الله فمات بين سحر زوجته ونحرها لوهلته.
– رقيّة لن تفعل شيئًا إلا بدوافع يا صديقي، قال هذا عبد الله. فأجابه جمال:
– ليس هناك من دوافع، اللهم إلا أن أروى كانت ستتزوج عن قريب وزوجة أبي نضال تعيش بسعادة مع زوجها.
عندما كانا منهمكين في حديثهما نادى مناد من مكان بعيد أن البحر قد لفظ جثة امرأة إلى الشاطئ وأن جمعا من الناس ذهبوا إليها فحملوها وها هم مقبلون، فهبّ عبد الله وجمال إلى مكان الجمع، وعندما وضعوا الجثة أرضا لمح جمال وجه الضحية فوجده وجه رقيّة بشحمه ولحمه فقال:
– لا إله إلا الله!
– يبدو أن مقصلتك ستصدأ بعد الآن، قال عبد الله هذا مبتسما. ووقف مع الجميع حاملا الضحية إلى المقبرة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق