ثقافة النثر والقصيد

زَهْرَةُ اليَاقُوت (I)

شعر: لويز غلوك، ترجمة: وداد الصفدي

– «زَهْرَةُ اليَاقُوت» –

[1]

هل تلك وِقْفَةٌ تليقُ بالزهرةِ حقًّا؟
حينما تَشْرَئِبُّ مثلَ هِرَاوَةٍ إلى حافَّةِ المَمْشَى
أيها الفتى البَئيسُ الذبيح
هل ذاك أسلوبٌ تُبْدي فيهِ للآلهةِ عِرْفَانَ الجَميل؟
ها هي الأزاهيرُ الطِّوَالُ تميدُ من حَوْلِكَ
بيضاءَ الفَسَاتينِ مُلَوَّنَاتِ القلوبِ
وها همُ الفِتْيَةُ الآخرونَ في فضَاءاتِ الربيعِ الباردِ
كُلاًّ يتفتَّحُون، كُلاًّ مثلما تتفتَّحُ أزهارُ البنفسج

[2]

لمْ يكُنْ ثمَّةَ من أزاهيرَ في سَالفِ الزَّمَان
لمْ يكُنْ ثمَّةَ منها سوى أجْسَادِ فِتْيَةٍ مُتَسَرْبِلَةٍ
بالشُّحُوبِ، مُكْتَمِلَةٍ في الخَيَال
هكذا الآلهةُ الحَالَّةُ قدْ تَسَرْبَلَتْ بِسَرَابِيلِ الإنْسِ،
هكذا قدْ تَسَرْبَلَتْ [في الأرضِ] مُفْعَمَةً بالشَّوْق
وفي الحقل، من هناك، في أيْكَةِ الصَّفْصَافِ،
كان الإلهُ أبوللو قدْ أرْسَلَ الرَّسُولَ بعدَ الرَّسُول

[3]

ومن دِمَاءِ الجُرْحِ، قدْ طَفَرَتْ زهرةٌ،
زهرةٌ تُشْبِهُ أزهارَ الزَّنْبَقِ، لكنَّها أشدُّ بريقًا
من أُرْجُوَانِ «صُور»
وكانَ الإلهُ يبكي، ويبكي، ففاضتِ الأرضُ،
فاضتْ بدمعِهِ الشَّجِيِّ.

***

 

Hyacinth (I)

[1]

Is that an attitude for a flower, to stand
,like a club at the walk; poor slain boy,
is that a way to show
gratitude to the gods? White
with colored hearts, the tall flowers
,sway around you, all the other boys,
.in the cold spring, as the violets open.

[2]

There were no flowers in antiquity
.but boys’ bodies, pale, perfectly imagined.
.So the gods sank to human shape with longing.
,In the field, in the willow grove,
.Apollo sent the courtiers away.

[3]

And from the blood of the wound
a flower sprang, lily-like, more brilliant
than the purples of Tyre.
Then the god wept: his vital grief
flooded the earth.

***

(تنويه)

وها أنذا، للمرة الثالثة، أكتب في هذا المنبر الثقافي تنويها آخر خاصا مرفقا بمحاولة ثالثة متواضعة مني في ترجمة القسم الأول من قصيدة «زَهْرَةُ اليَاقُوت» Hyacinth، للشاعرة الأمريكية (الهنغارية) لويز غلوك التي حازت قبل أيام على جائزة نوبل للأدب لهذا العام 2020، حسبما ارتأت لجنة التحكيم السويدية في الأخير. فهنيئا لهذه الشاعرة من الأعماق، رغم كل ما قيل من قول مضاد قد يكون سديدا كل السداد وصائبا كل الصواب، على هذا الإنجاز الشعري الذي يركز بالدرجة الأولى على قول الصامت، أو حتى على الإيحاء به، من خلال الركون اللاواعي، أو شبه الواعي، إلى ذكريات الطفولة خاصَّةً (كما هي الحال في القصيدة السابقة، «الذاكرة الأولى» First Memory)، ومن خلال الركون الأكثر وعيا كذاك إلى ما يتلوها من ذكريات أكبر سنا وأكثر نضجا (كما هي الحال في القصيدتين اللاحقتين، قصيدة «المِقْرَاب» Telescope، وقصيدة «زَهْرَةُ اليَاقُوت» Hyacinth). إن هذا الحدث الأدبي العالمي بالنسبة لسيرة شاعرة من مثل لويز غلوك إنما هو إنجاز فريد من نوعه بكل تأكيد، وإن كان هناك في ذات الآن عددٌ لا يُعَدُّ ولا يُحصى من الشاعرات والشعراء في الغرب وفي الشرق (وخاصة في العالم العربي الجريح والمُجَرَّح، من كل حدب وصوب) ممن يستحقُّون جائزة نوبل بجدارة مماثلة، إن لم تكن بجدارةٍ أفضلَ منها بكثير الكثير. وذلك جلُّه (أو حتى كلُّه) عائدٌ إلى القصد من وراءِ أسأسةِ هذه الجائزة الأدبية بهيئةٍ لا تروق بتًّا للعديد من النقاد الأدبيين والباحثين الثقافيين النزهاء، من المنظور السياسي والمُسَيَّس تحديدا، تلك الأسأسةِ التي أدَّت بعدد ملحوظ من الأدباء والمفكرين العالميين الذين يحترمون أنفسهم (من أمثال المفكر والأديب الفرنسي جان بول سارتر) إلى رفض هذه الجائزة الأدبية الأولى في العالم رفضا قاطعا من حيث المبدأ. وكان لهذا الرفض القاطع في يقين هؤلاء، فضلا عن ذلك، مبرراتٌ مبدئية لا تقل أهمية فيما يتعلق بإنشاء الجائزة المخصوص بادئ ذي بدء، وعلى الأخص فيما يتعلق بكونها وسيلة أو ذريعة (تكفيرية)، في الأصل، من أجل ذلك السعي (التكفيري) لتلك الخطيئة الكبرى التي ارتكبها آلفرد نوبل نفسه، حين اخترع متفجرا ملعونا منذ ولادته سُمي بـ«الديناميت»، متفجرا ملعونا صار شيئا فشيئا، على مرِّ الزمان، السببَ الأوَّلَ والآخِرَ في تدميرِ الإنسانيةِ في الإنسان قبلَ تدميرِ أيِّ شيءٍ آخَرَ!

ولم يكن الحافز الآخر على محاولتي المتواضعة في ترجمة هذه القصيدة الثالثة، في حقيقة الأمر كذلك، سوى قراءتي الأخيرة لمقال الكاتب الصحافي صبحي حديدي المعني، «جائزة نوبل للآداب 2020 للشاعرة الأمريكية لويز غلوك: المنشَدَّة إلى المحذوف والقول الصامت» (إصدار القدس العربي 8 تشرين الأول/أوكتوبر 2020)، وإدراكي الأخير من ثم لمدى تدني مستوى هذا الكاتب الصحافي في حقل الترجمة الأدبية والشعرية على وجه التحديد، خصوصا وأنه الكاتب الصحافي الذي ينظر إلى نفسه، قبل أن ينظر إليه أي شخص آخر، بوصفه «ناقدا أدبيا» و«مترجما محترفا» على مستوى العالم العربي من جهاته الأربع كلها. باختصار شديد، وبأسف شديد، فإن ترجمات الأشعار المختارة للشاعرة لويز غلوك، كما وردت بجهود الكاتب الصحافي صبحي حديدي في مقاله الصحافي البئيس هذا (على أقل تقدير)، إنما هي في الأغلب والأعم ترجمات حرفية بدائية ليس لها إلا أن تُفرغ هذه الأشعار من تلك الروح الشعرية المنشودة إفراغا صارخا وشائنا ومشينا، ولا ريب في ذلك – كما بيَّنتُ، على سبيل المثال الدامغ والملموس، لمن يعنيهم ولمن يعنيهن الأمر، فيما بيَّنتُ في الأخير من ترجمةٍ «حديدية» حرفية بدائية للقصيدة السابقة نفسها، «ذاكرة أولى» (بأل التعريف، وليس بدونها)، ترجمةٍ «حديدية» حرفية بدائية تكلَّف عناءَها هذا الكاتبُ الصحافي (الذي ينظر إلى نفسه، قبل أن ينظر إليه أي شخص آخر، بوصفه «ناقدا أدبيا» و«مترجما محترفا» على مستوى العالم العربي من جهاته الأربع كلها)!

***

وداد الصفدي – فلسطين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

3 آراء على “زَهْرَةُ اليَاقُوت (I)”

  1. أشعر هنا وكأنني أقرأ شعرا عربيا حقيقيا وبلغته العربية الأصلية
    ترجمة شعرية من اللغة الإنكليزية قمة في الرقي والروعة والتألق
    تحية شكر وتقدير إلى الأخت وداد الصفدي

  2. ترجمة شعرية متمكنة ورائعة ومتألقة إلى أبعد الحدود
    وأؤيد بشدة الأخ المعلق رائد الأسمر في كل كلمة يقولها حقا
    كل الشكر والتقدير للأخت الدكتورة آصال أبسال

    1. والشكر والتقدير موصلان قبل كل شيء للأخت وداد الصفدي التي قامت بهذه الترجمة المتميزة رغم الصعوبة الشديدة التي تواجهها في التواصل ؛ لولا جهود الأخت آصال مشكورة في تسهيل هذا التواصل
      (ملاحظة : هذه الفقرة الأخيرة لم تظهر أثناء الإرسال الأول)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق