ثقافة السرد

فصل من رواية “رسائل الدمية”

نبيل قديش

أنت؛ ذلك الذي يظهر من بعيد عند ناصية الشارع، ببدلة أنيقة زرقاء وربطة عنق بنفس اللّون. أنت تهمّ في هذه اللحظة بالذات بارتقاء أوّل درج في الزقاق الطويل، الذي ينهض في زاوية حادّة بعض الشيء، ويصعد في شكل سلّم رصفت درجاته بقوالب من الحجر المصقول. تنظر إلى قدميك، وهما تلمسان على التوالي الدرج، ثم ترفع رأسك وتشيّع بصرك إلى آخر الزقاق؛ حيث ستجد نفسك في بداية زقاق آخر يتفرّع إلى اليمين. تلجه وتوغل فيه بمقدار كتلة صغيرة من المنازل المتلاصقة ، ثم تلج زقاقا آخر إلى اليسار. في نقطة معينة من متاهة الأزقّة، يُفترضُ أن يكون هناك منزل كبير عتيق بدورين، يتكوّن في مجمله من غرفتين واسعتين للمعيشة، وثلاث غرف للنوم، ومطبخ صغير، وحمّام. إنّه المنزل الذي تبحث عنه، أو بالأحرى تبحث عن ذكرى مدفونة فيه. على صفحة الذاكرة تطفو أشياء وتفاصيل تُسعَفُ ببعض منها كتسبقة على الحساب؛ لون المنزل المطليّ بالجصّ الأبيض، وبابه الخشبيّ من الأبنوس، ذو مدقّة في شكل رأس أسد صغير، وشرفات شبابيكه المرصّعة بأصائص بمختلف الأحجام. في إحداها نبتت زهرة أوركيد بنفسجية، تطاولت حتى عانقت إفريز نافذة الطابق الأعلى. أمامه توجد تلك البسطة الصغيرة أو الساحة التي لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، والمبلطة بجليز رماديّ اللون، والتي شهدت أغلب الأحداث. مع تلك التفاصيل يطفو بيت قديم من الشعر لكاتب لم تعد تتذكّره لكنك تترنّم به: “أيتها الدقائق التي مضى عليها عشرون سنة رحّبي بقدومي”. تستمرّ في انتشال كلّ تلك اللّقيات الثمينة، غير أنّك لا تعوّل كثيرا على عطايا الذاكرة مهما كان سخاؤها، لأن كل السنين التي مرّت على الذكرى كفيلة بمحو تلك الآثار وجعل كلّ ذلك يبدو حلما؛ فالزمن طوى كل شيء وما عاد هناك أشخاص تبادلهم أطراف الحديث.
ومع ذلك تستمر في الظن أن ما يراودك كان حلما. أحيانا تخامرك أفكار من قبيل أن ّ ذلك المنزل لم يوجد أبدا، وأن هذه الكلمات هي كلمات شخص آخر؛ كلمات جوفاء باردة. وأنت تذرع هذا المكان المتخم بالذكريات ينتابك إحساس بأنّك لست أنت، وهذه المدينة ليست سوى وهم، وكل الناس الذين عرفتهم قد فنوا.
يقينا البعض منهم لا يزال على قيد الحياة؛ لكن هل سيكون في مقدورهم تذكّر أيّ شيء؟ تنتهي بالتساؤل إذا كان هناك فعلا أيُّ شهود بخلافك أنت. كيف السبيل إلى استدراجهم لاحتلاب الذاكرة؟ الناس ليسوا دائما مستعدين لمؤازرتك حتى بمجرّد التذكّر، خصوصا إذا كانت الذكرى تعنيك لوحدك؛ وحدك دون سواك. أنا؟ أنصحك أن لا تعوّل عليّ بتاتا؛ فالذكرى لم تعد تعنيني في شيء. هي واريتها ثرى الذاكرة، وبوذراع صفحت عنه ولم يعد غريمي. آثرتُ الحياد وما عدتُ أرغب في تحمّل أوجاع الماضي بالنيابة عنك.
لماذا ترهق نفسك وترهق غيرك بالتذكّر أصلا؟ تطرح على نفسك هذه الأسئلة الوجوديّة، والتي ترتقي بك من أسئلة عامّة الناس لتتقاطع مع أسئلة عظماء، وتقول مزهوّا، بعد أن تنبت في رأسك أفكار كالفطر: لعلّ سارتر خامرته مثل هذه الأسئلة، ولما لا كامو أو دي بوفوار، وكيف جابه مثلا سيورين الحنين والذكريات؟
لذلك أنت الآن وحيد. تتوخّى الحذر وأنت تمرق ضمن هذه الأكداس من الخواطر والتفاصيل. تتواصل الذكريات في الخروج عليك مثل وطاويط؛ من فجوات قلعة مهجورة تغرق في العتمة. تمشي بصعوبة مثل رضيع يقوم بأولى خطواته فوق هذا الكوكب الملعون، غير مقدّر لعواقب ما هو مقدم عليه. أنت تشعر بالرهبة فهذه الأرض التي تطؤها هي أرض ألغام خطرة، على الرغم من أنّك تعرفها شبراً شبراً.
أنت متوجّس. ترى ما سرّ ذلك الشعور بالتوجّس حين يفترض بك ولوج منطقة ترقد فوق احتياطيّ هائل من السعادة الخام؟ ألآن المدينة تغيّرت بالمقارنة بما تركته عليها؟ مدينة صغيرة تستظلّ بقلعة رومانية تستقرّ فوق الجبل، ومحطة قطار ترزح تحت غلالة من الحزن، وتبدو عديمة الجدوى في جغرافيا تغرق في النعاس، ولا تفكّر بتاتا في السفر لأيّ وجهة أخرى. ومكتب البريد الصغير بجانب الخمّارة؟ لقد مررت به منذ دقائق وكان مغلقا. ماذا حلّ به؟ وما مصير مديرته مدام “برونات” الفرنسية المولد؟ لقد توفيت المدينة أو بالكاد. في الماضي كانت تنبض بالحياة. في أحلك ساعاتها لم يخفت نبضها مثلما عليه حالها الآن. إنها تحتضر. وهذه الأبنية الجديدة التي أقيمت مكان القديمة، والمطليّة حديثاً؟ إنها بلا روح وكأن قوّة خفيّة أرادت تعقيمها من طاعون ما لوثها؛ إنها لا تعدو أن تكون سوى هيكل كلب محشوّ بالقشّ. ماذا حلّ بالمدينة؟ تراها تعرّضت لهجمة مباغتة؟ أو سيق أهلها نحو معتقلات سريّة وأبيدوا جميعاً؟
أنت قادم إليها بشغف ويبدو أنها استقبلتك ببرود. لقد طوت المدينة صفحة الماضي على ما يبدو، بما فيها ذكراك. كنت تعتقد أنّه بمجرّد أن تطأ قدماك أرضها، سوف تجد سجّادا أحمر مفروش على الأرض احتفاء برجوعك، ووسام شرف سوف يوضع على صدرك، عندما تقف أمام تمثال الذكرى الخالدة. أنت متفائل زيادة عن اللزوم، فالذكرى لا أهميّة لها للمدينة وسكانها. هذه المدينة الصغيرة تثقلها الذكريات وهي تتخلّص من الوزن الزائد حتى لا تنهار. لقد تعلّم العالم أن لا يكون رومانسيا. لا تستغرب فالكلّ يفعل ذلك هذه الأيام. الكلّ يتخلّص من الماضي. حتى باريس، رحبة الصدر، قرّرت بدورها رمي أقفال العشاق التي أثقلت جسر “البون ديزار” خوفاً عليه من الانهيار. طالعك الخبر هذا الصباح وأنت تتصفح جريدتك، فقرّرت أن تهرع لنجدة ذكراك. هل كان الجسر أهمّ من ذكرى حبّ واحدة لعاشقين، أطلاّ ذات صباح ضبابيّ من على الجسر ناحية زوجين متعانقين من الإوز على صفحة السين؟ فماذا لو قرّرت مدينتك بدورها رمي ذكراك المجيدة؟ قلت لنفسك. هذا حال عشاق باريس فكيف يكون الحال مع عاشق منسيّ في مدينة بعيدة منسيّة؟ تساءلتَ في كدر..
أنت أيضا منتبه جدّاً ومستيقظ الغرائز كما لو أنك تستقبل شفرات من جهاز بثّ بحريّ، يبعث بها مراسل مجهول من مكان قصيّ. طبعا العديد من هذه الإشارات مشوّشة ويجدر بك أن ترهف السمع حتى لا تفقدها إلى الأبد، لأنك لو فقدتها سوف تتوه سفينة الذكرى، وسوف تنتهي فقيدة في مثلث بارمودا المرعب. حاول فقط أن تطرد الإشارات الرومانسية الزائدة عن اللزوم حتى يصبح البثّ أكثر وضوحا، فأنت تبحث عن استقبال شفرة محدّدة تتعلّق بذكرى معيّنة على وجه التحديد ضمن هذا المطر الهاطل من الذكريات. أرهف السمع إلى أصوات قادمة من قرار زمن سحيق. ركّز جهاز الاستقبال على صوت معيّن، صوتها هي أو صوت دميتها التي تحملها بين يديك.
كلاّ يا عزيزي. ما كان يراودك لم يكن حلماً. والدليل هو تلك الدمية المبقورة البطن، التي خرجت بعض ألياف أحشائها الصوفية. تمسك مشفقا الدمية المطعونة والشاهدة أيضا على الجريمة. في جيبك حزمة من رسائلها. البعض منها فقدته. ربّما يسعفك الحظ في العثور عليه في المنزل الذي تقصده. على العموم هي متشابهة مع بعض الاختلافات البسيطة. أوراق بيضاء خُطّت عليها كتابة؛ بعضها أُقتلع من مفكّرة صغيرة من النوع الرفيع؛ “سيليكتا” على ما يبدو؛ وهي المفكّرة المدرسيّة الأكثر تداولا في تلك الحقبة. والآخر هو ورق مخصّص للرسائل مؤشر بصور لحمام زاجل، يحمل بمنقاره الأحمر في لون الدم القاني رسالة بيضاء اللون. تمتلئ السطور بخطين؛ أحدهما ذكوريّ بلون السواد، تغلب عليه العجرفة والتسرّع. لكنه جميل على الرغم من ذلك وسهل القراءة. أما الآخر فقد كتب بلون ورديّ رقيق، أصغر حجماً وأكثر كثافة على الورق، وأكثر إتقاناً.
من الوهلة الأولى سيبدو الأمر كما لو أنها رسائل حبّ بين فتى وفتاة. طفلان بالأساس، بالنظر إلى الخط المرتبك والمبتدئ. لكن القارئ للرسائل المتبادلة سوف يكتشف أن الأمر يتعلّق بخطابات بين أنثيين. ما دخلك أنت في ذلك إذن؟ ولماذا تحشر نفسك في كلّ هذا؟ هذا ما سنعرفه لاحقاً، حين نتوغّل بعيدا في ماضيك. لنكتفي الآن بتأمل شكل الرسائل. يتجلّى الفرق في قدر الاهتمام والعناية اللّذيْن أولاه كلّ واحد للخطابات. من الواضح أنّ المرسلة، صاحبة الخطّ الورديّ، اختارت الورق المخصّص للرسائل، مثل كل أنثى رقيقة ومهووسة بالتفاصيل، وتحترز من الهفوات الصغيرة. أما الفتى فقد اختار مزقا من مفكرته وعاء لخطاباته. هذا لا يعني أنه كان ضجراً، منزوعاً من رغبة حقيقية في الكتابة. على العكس، كانت الرسائل تفيض صدقاً، وإحساساً، ورومانسية؛ أشياء أنت أدرى الناس بها. لقد قرأت شذرات منها ليلة البارحة بعد ما عثرت عليها بالصدفة، حين كنت تبحث عن بطاقة أعداد قديمة في محفظة مدرسية من أرشيفك الخاص.
الآخر الذي خلّفته وراءك والذي كتب الرسائل خذلك بطريقة ما؛ قلت لنفسك. ما هكذا تكتب رسالة لفتاة مثلها. بسرعة وعصبيّة أمسكت قلما جافاً. بدأت توشّح الرسالة باللون الأحمر، مبديا عدم رضاك عن بعض الأشياء في الشكل والمضمون. وجدت نفسك تعطيه علامة متوسّطة لا غير. مثلما يفعل أستاذ سيّء المزاج على ورقة الامتحان لتلميذ ذي سوابق. ثم سرعان ما ندمت على تحريف الرسالة. هي تحفة فنية وجب الحفاظ عليها أصيلة كما هي. أصبحت تبرّر تقصيره بقولك إن الذكور يفعلون كلّ شيء بتهوّر وبصلف، ولا يولون التفاصيل كثيراً من الأهميّة. هذا لا يمنع من أن هناك خطأ فادحا ارتكبته، أقصد ارتكبه الفتى. لا أرغب في فضح سرّك منذ الآن في هذه المرحلة الباكرة من الرواية. بل سأتركك تلتقط أنفاسك. سأتركك تتصدّر المشهد وتتقدّم على مهلك. بذلك سوف أقتصر على سرد فقط ما ستفرج عنه أنت من صندوق الذاكرة الأسود، لأنني كما سبق وقلت آثرت جانب الحياد..
الخطأ الذي ارتكبه الفتى كاتب الرسائل فادح كما قلنا، وكان يمكن أن يسقط كلّ شيء في الماء لو انتبهت الفتاة قليلا؛ لو أمعنت النظر في الخطّ ولونه، لو أخضعتك لامتحان صغير، لو طلبت منك أن تخطّ أمامها اسمك على ورق أبيض.
تغلق قبضتيك مع بداية العدّ. تعطي الإشارة لمخيّلة الطفل الشاسعة ليبدأ اللعب. حالما تطأ قدمك الدرج الأوّل، تطلق سراح إصبع، ثم تشيّع عينيك إلى الأعلى، وهكذا دواليك. تعيد الكرّة مع كلّ درج؛ واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة إلى آخر العدّ. تماما مثلما كنت تفعل في ذلك الزمن السحيق؛ درج يتبعه إصبع تتبعه نظرة. أنت توثّق خطواتك كما لو أنك تريد التأكد من أنك تتقدم؛ تقلّص المسافة التي تفصلك عن المنزل. تتذكر أنه يقع على اليمين، في زاوية تقاطع زقاقين، لكن لا تعرف بالضبط في أي مستوى من الدرب. كلّ ما تعرفه أن عددا معيّنا من الدرجات يفصلك عنه من ناصية الشارع. لذلك كان عليك أنّ تعدّ الدرجات باحتراز كبير.
يخامرك إحساس أن عشرات العيون المختبئة خلف الشبابيك، تطلّ من خلال فرجات في الستائر لتتلصّص عليك؛ بالرغم من أن الحيّ شبه خال في هذه الساعة من الظهيرة. في الماضي لم تكن تزعجك أعين الفضوليّين. كنت تفعل ذلك بمتعة كبيرة، حتى أنك في بعض الأحيان تبدع فيه. تتحوّل إلى لاعب سيرك، بهلوان يتسلّق الدرجات على يديه؛ رأسه إلى الأسفل وساقاه إلى الأعلى تصفقان. كنت تقرأ في الوجوه المقلوبة التي تعترضك آيات الدهشة والحيرة. أحيانا كان البعض يصفّق لك. بعض الفتيات من سنّك يلحقن بك ليسلّمنك قطع النقود التي سقطت من جيبك ولم تنتبه لها؛ بينما أنت لا تبالي بالعالم من حولك. أنت تتوخّى الحذر بشكل مفرط للغاية، بينما واصل الآخر الذي كنته العيش إلى آخر رمق، دون خوف أو رهبة، مستمتعا بكل ثانية، بكل دقيقة، بكلّ ساعة في هذا الحيّ. والسبب واضح. لقد كان طفلا.
يقينا لن يخطر ببال أحد أنّ الشاب المشرف على الكهولة، الذي أنت عليه الآن يعدّ الدرجات. عددتها من قبل عديد المرّات؛ منذ أوّل يوم. مائة وخمس وسبعون درجة. ربما تكون مائة وسبع وخمسون. لم تعد تتذكر؛ لأن الأمور اختلطت عليك لكثرة ما أخطأت العدّ. ويبدو أنك تتسلّى بإعادة التمرين الحسابي كل مساء وأنت تعود مجدّدا لتذرع المدينة التي أطلقت عليها أسماء عديدة بخلاف إسمها الحقيقيّ. تدعوها سيرتا، وسيكّافينيريا، وشقبانرية، وفي أغلب الأحيان تكتفي بتسميتها “سيكّا”. هو الاسم المحبّب إلى قلبك. ربّما اقترن بدوره بذكرى. هَهُنا تتوالد الذكريات كخلايا سرطانية تعتمد بشكل غريزي على معادلة رياضية معقّدة جدّا.
وسيكا هذه أطنبتَ في الحديث عنها لصديقك في رسالة بعد أسبوع من وصولك؛ هذا الصديق وعدته أن تبقيا على تواصل على امتداد عطلة الصيف، طبعا بالرسائل لأنه في ذلك الوقت، لم يكن لا الهاتف الجوال ولا الانترنت ولا تويتر ولا فايسبوك متاحا. لم يكن هناك سوى القلم والورق وطابع البريد الذي تريّقه برونات بلسانها الورديّ برغم سنينها الخمسين وتلصقه فوق الظرف وتدفع به إلى صندوق محصول الرسالات لذلك اليوم. لقد وصفت له مدينة أوقعتك في حبّها وكفى. كتبت أنها عبارة عن قلعة رومانية قديمة تنتصب على ظهر جبل الدير، وحولها أي على السفوح تنتشر بنايات بيضاء اللون في قطر عشر كيلومترات على أقصى تقدير. هذا كلّ شيء هنا، وقد يبدو هذا شيئا قميئا وهيّنا بالنسبة لمدينة، لكنك ستكتشف بعد ذلك بسنوات أنها مدينة عظيمة، وأن في هذه الرقعة الصغيرة من المباني الكلسيّة، تكمن أسرار لا تحويها مدينة مترامية مثل نيويروك أو شنغهاي.
حاولت أن تلج الحيّ من مدخل آخر، من طريق مغايرة تبدو أطول ولكنها أقلّ مشقّة، لكنك تعود لولوجه من الشارع الرئيسيّ. لم ترد المجازفة بدخوله من تلك الطريقة الجبليّة التي تحكم التفافها حول المدينة كأفعى. توخّ الصراحة لتقول أنّ تلك الطريق لك معها ذكريات مؤلمة. هي الطريق التي صرعك فيها بوذراع. والأعجب أنكّ اخترتها بنفسك مسرحاً للمبارزة. ما عُدتَ تريد اجتيازها لأنك هزمت فيها ومرّغ أنفك بالتراب.
خطواتك متحلّلة، واهنة، مشدودة بالأثقال. تغمرك موجة من الضجر وأنت تتسلّق الزقاق. تزفر بشدّة من الإعياء، وتتذمر في الآن نفسه. كُفَّ عن التذمرّ. لقد مرّت سنوات عديدة على الهزيمة. ألهذا الحدّ تكرهه؟ كنتما مجرّد صبيّين. وتقاتلتما من أجل مخلوق يستحق الصراع لأجله. لا تنكر ذلك. ألهذا الحد تؤثر فيك هذه الحادثة إلى اليوم. ارفع هامتك. أنت تمشي مقوّس الظهر كشيخ ينتظر أن يتعثّر في حجر صغير ليموت. أنت لا ترى نفسك لكنني ألمحك جيّدا، أراك بوضوح منقطع النظير، لأنني أتابعك من خلال مرصد نصبته هناك حيث يقع موتك الافتراضيّ في تيار الزمن. فطفولتك تقع بالنسبة لي في مكان قصيّ، تلتبس فيه الشهور والسنوات. رأيتك من ذلك المكان الفضيّ الضبابيّ تتقدّم وتقترب حيث يظهر كلّ شيء حولك واضحا. وكأن الأمر يتعلّق بمقدمة لوحة عتيقة، وحيث تميّز العين كل ورقة من أوراق الأشجار، وتميّز في كلّ ورقة عروقها الدقيقة.

روائيّ تونسيّ
الرواية قيد الطباعة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق