قراءات ودراسات

الصورة الشعرية في ديوان بقايا امرأة

محمد رمضان الجبور*

ربما كان أكثر ما يميز الشعر عن الفنون الأدبية الأخرى الصورة الشعرية ، بل قد تكون الصورة الشعرية السمة الأبرز من سمات العمل الأدبي ، وواحدة من المقومات الجاذبة للمتلقي ، ولا شك أن هذه الأهمية جعلت من النقاد يولونها الأهمية القصوى في دراساتهم النقدية فديمهم وحديثهم .
يقول الدكتور عبد القادر القط في كتابه (الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر ) تحت عنوان الصورة الشعرية ” الصورة في الشعر هي (الشكل الفني) الذي تتخذه الألفاظ والعبارات بعد أن ينظمها الشاعر في سياق بياني خاص ليعبر عن جانب من جوانب التجربة الشعرية الكاملة في القصيدة ، مستخدماً طاقات اللغة وإمكاناتها في الدلالة والتركيب والإيقاع والحقيقة والمجاز ، والترادف والتضاد ، والمقابلة والتجانس وغيرها من وسائل التعبير الفني “
ولا نريد الاسترسال في حديث النقّاد وعلماء البلاغة في الحديث عن الصورة الشعرية ، ولكن ما يهمنا في هذا المقال القصير أن نلج إلى ديوان الشاعرة الدكتورة كريمة نور عيساوي (بقايا امرأة ) فمن المميزات التي تشد انتباه المتلقي في هذا العمل الأدبي الجميل تلك الصور التي رسمتها الشاعرة بمهارة وإتقان ففي قصيدة (أرجوحة الحلم ) نرى صور شعرية عديدة ، فعنوان القصيدة يحمل في طياته صورة شعرية جميلة ، فالحلم اصبح له أرجوحة دلالة على تأرجح الأحلام وعدم ثباتها وتغيرها وتبدلها وكأن الأحلام في أرجوحة تعلو ثم ما تلبث أن تهوي من جديد ، ثم تتوالى الصور الشعرية في القصيدة ، فالليل ستائر للنجوم ، وروابي الأمل ، والعشق ملاذ ، والفرج حفنة أمل ……
“(أرجوحة الحلم)
أرجوحة الحلم
تنسل حروفي من أوتار الكمنجات
وتغوص في نوتات الكلم
الليل ستائر النجوم
للقابعين على روابي الآمل
ينسجون معنى للوجود
العشق ملاذ الهاربين
المكلومين
الغائبين
الباحثين عن النور ،
الفرح حفنة ألم
في طريق النازحين،
الابتسامة ماء عيون
تجرح ثغر المحبين”
لثقافة الشاعرة الدور الأكبر في رسم الصور الشعرية ، فالشاعرة قد أغنت قاموسها الثقافي بألوان عديدة من الثقافات ، الثقافة الدينية ، والتاريخية ، والأسطورية وغيرها من الثقافات ، وسوف نمر مرورا سريعاً على بعضها ، ففي الثقافة الدينية نرى أن الشاعرة قد تأثرت بالكثير من الديانات في شعرها وقصائدها ، ففي قصيدة (الخطايا) نرى بوضوح تأثر الشاعر بالديانة المسحية ، فالألفاظ والمفردات المستخدمة في رسم الصور الشعرية من الثقافة المسيحية ، صكوك الغفران ، التراتيل ، ترانيم الرهبان ، المصلوبين …وفكرة الصلب ، تظهر في أكثر من قصيدة ، سوف نمر بها
“كل الطرق تؤدي إليك
الآهات الضباب مزلجة
شهقة عاشق الروح
تحتضن صكوك الغفران
تتوسل على أعتاب
ترانيم الرهبانتراتيل الورد الأخير
تقبع داخل الحرف المعدوم
المسجون في محراب العشق
يتنفس أكاليل التضحيات
يعلم أن العشق دروب الغارقين
في محبرة الحرف،
المصلوبين على عمود اليراع
اليتيم “


هناك مفردات لها الحظ الأوفر في قصائد الشاعرة د. كريمة عيساوي ، النجوم ، الليل ، القمر ، السماء ،الأحلام ، والموسيقي ، ومن هذه المفردات جاءت الصور الجميلة في قوالب بلاغية ، كان له التأثير المباشر في ذائقة المتلقي ، وقد تجتمع كل هذه المفردات في قصيدة :
ففي قصيدة تخوم الوجع تقول الشاعرة :
“في ليلتي هاته
طرقت باب القمر
سافرت في أوردة النجوم
أجمع تخوم الوجع
التي سكنت ألوان الصبابة
أصقل وجه السماء بحروف الآنين
تتعانق عقارب الزمن
وتعلم أن لا مكان
للعودة”
فالشاعرة تحكي عن الألم والوجع ، وعادة ما يتذكر الإنسان أحزانه وآلامه عندما يطرق الليل أبوابه ، وهي قد اختارت ليلة ، وراح تبث أحزانها ، فتطرق باب القمر ، ثم تسافر في أوردة النجوم ، تصقل وجه السماء بحروف الأنين ، صور شعرية متتابعة يلحق بعضها بعضاً ، فيشعر المتلقي بالنشوة ، فما أشد وجع شاعرتنا وهي تسافر في أوردة النجوم ، صور شعرية مستحدثة ، فهي ولادة ثقافة عميقة امتلكتها الشاعرة .
وغي قصيدة (سعف الذاكرة ) تختار الشاعرة صورة فنية للعنوان لتعبر عن الذاكرة التي أصابها القدم واليباس ، فمعنى كلمة سعف هو ورق النخيل اليابس لقدمه ، فالعنوان يشكل صورة فنية ذات دلالة عميقة ، توحي بما في داخل النص ، ففيها أجنحة للنسيان ، وهناك حروف مسافرة ، وشراشف قصيدة …والكثير من الصور الشعرية التي تناسب المعنى الذي أردته الشاعرة ..
” سعف الذاكرة
تمض ي صورتك المضببة
على أجنحة النسيان
تبقى الآحجيات
تغزلها العجائز
أساطير لآخر الزمان
سألت النقط
المبعثرة….
على جنبات
سعف الذاكرة
أين حروفك المسافرة
أما
آن لها أن تعود ….
لسيدة الزمان… ؟
علها غابت بين دفتي السحاب
تنسج منها شراشف قصيدة
أنهكها السهاد
تقضم الليالي”..
في كل قصيدة من قصائد (ديوان امرأة ) نرى الألم الذي يصاحب الشاعرة ، فتعبر عن ألمها بصور فنية عديدة ، ونرى الشاعرة رغم شبابها تتحسر بطريقة أو أخرى عن العمر المهدور ، عن السنين التي ضاعت ، ويصاحب هذا الحزن الكثير من المفردات التي تتناول الموسيقى ، فالموسيقى ومفرداتها لها النصيب الأكبر ، فكثيراً ما نلمح مفردة الكمنجات ، الناي ، وهذه الآلات الموسيقية قد تكون الأكثر رواجاً في وطننا العربي الكبير لتعبير عن الحزن ، فالشاعرة حزينة على هذا العمر المهدور ، وتعنون القصيدة بسنابك العمر المهدور ، فالعمر كالخيل في السرعة ، فاختارت الشاعرة مفردة تناسب السرعة والقوة – سنابك- ، وتخلل القصيدة الكثير من الصور الفنية التي كان لها الأثر البليغ في المتلقي ، خيول الألم ، ريح الأنين ، حبر الدموع ….وغيرها من الصور الشعرية والفنية في القصيدة

“سنابك العمر المهدور
سرج خيول الألم
لتسابق ريح الآنين
سهام الحنين
سأظل شهيدة …
تغتسل بحبر الدموع
تكفن بحرير القلب الموجوع
تخلد ذكريات القصيدة …
على سنابك العمر المهدور،
تمش ي على أشواك قلبك
تسقي رضاب الشفتين
من علقم أقبية سيول الذاكرة
التي زينت قبرها الممهور
بسنابل الشعر المنثور
ورتقت عيون الكفن
بتراتيل وترانيم الشجن
فقد غابت الكمنجات”
كثيرة هي القصائد في ديوان (بقايا امرأة ) تنتصر فيها الشاعرة للمرأة ، ففي أكثر من قصيدة نرى المرأة والأنثى في صور عديدة ، ورغم الحزن الذي يلف أجواء القصائد ، إلا أن حضور المرأة هو حضور الفرح والتاريخ ، فالأسطورة التي لا تنتهي هي المرأة ..هي الأنثى ، فرغم الصعاب التي تواجه المرأة إلا انها تقف في وجه العاصفة والريح دون أن تهتز .
فقضية المرأة حاضرة دائما في أفكار الشاعرة ، وفي ثنايا قصائدها ، ففي أكثر من قصيدة في ديوانها جاء العنوان مقترناً بالمرأة أو الأنثى ، من هذه القصائد قصيدة بعنوان لأني امرأة تقول فيها :
“لأنني امرأة
سأولد مع إشراقة كل صباح،
مع ترتيلة كل صلاة،
سأولد من حنايا روحي المهترئة،
سألمم بقايا أشلائي،
ورماد احتراقي،
وأزرعها زنابق تفوح بالحياة من جديد
ولأني امرأة
سأمش ي على ضباب الشباب
ألون عتمات السحاب
أرسم صباحات قرمزية
تشع بآمال نورانية
أخترق بوتقة الكسوف
أقطف سنابك الخسوف
سأتحصن بكل ابتهال وترتيل
وأحقق المستحيل”
ولفلسطين الحبيبة حظ وافر في ديوان شاعرتنا د. كريمة عيساوي ، فهي لم تنسى أن تطرز أحدى فصائدها الجميلة للفتاة التي وقفت في وجه العدو الصهيوني منافحة ومدافعة عن قضيتها ، عهد التميمي، هي ناشطة فلسطينية ضد الاحتلال من مواليد قرية النبي صالح، برزت إعلاميًا منذ كانت يافعة من عمرها، أثناء تحديها لجنود من الجيش الإسرائيلي الذين اعتدوا عليها وعلى والدتها الناشطة ناريمان التميمي في مسيرة سلمية مناهضة للاستيطان في قرية النبي صالح الواقعة غرب رام الله، في آب 2012، في مشهد تناقلته وسائل إعلام .
عهد أنثى وقفت في وجه من يحملون السلاح والعتاد ، وقفت لتقول كلمة حق في وجه من اغتصبوا الأرض وقتلوا الإنسان ، فخلدتها في شعرها بقصيدة بعنوان كستناء برية تقول فيها :
“كستناء برية
صوتك يا عهد أيقظ
بعضي الثاني …
القابع في ماخور
الإنسانية الغائبة،
يركع … يزحف … يتمرغ في تراب
سيدة الأرض ،
أمام لبؤة شقراء،
اغتسلت بزيت الزيتون
وتعطرت بالزعتر
مزقت عرجون الخوف
وكشفت تجاعيد الخيانة،
تمشي رافعة سَعفها للسماء
كبرياء كستناء برية …
نهلت من عروق فلسطين الآبية،
تحتضِن قبة الصخرة
من مُقل الأعداء
ترفع الصبي
وبنزفه تزركش
القصيدة” .
ثقافة الشاعرة واطلاعها على كل ما يدور حولها في هذا العالم الواسع ، أغنى فكرها ، وجعلها تتقن ما تقول بلغة سلسة جزلة ، حتى جاء ديوانها لوحة فنية تبعثرت في حواشيها الألوان الجاذبة ، فكان لكل فصييدة من قصائد ديوانها طعم ولون خاص ، فقد امتلكت شاعرتنا كل الأدوات الفنية التي تجعل من ديوانها منبراً يعلو الصوت منه .

ناقد من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق