ثقافة النثر والقصيد

بَيْنَ نَشوَةِ الجَذلِ وَذُعر الوَجَلِ

يَحيَى غَازِي الأَمِيريّ

أُحَدِّقُ بِغبطةٍ

بِخيوطِ الشَّمسِ

المُتداخلةِ مَع سحابِ روحِي

المُحلقةِ فِي اعَاصيرِ

بحورِ الخَيال

أَجلِسُ وَحِيداً

بِغُرفتي فِي المُنتجعِ

بشمالِ القُطب

ناظراً مِنْ كوةٍ زجاجيَّةٍ كبيرةٍ

للسَّماء

أَهِيمُ مُحلقاً

بَعيداً فِي الفَضاء

فَتَتَواتَرُ متتاليةً الأَخيلَةُ

أَحثُ الخُطى مَعَها سارِحاً حذراً

يَغصُ المَكانُ

بلوحاتٍ ساحرةٍ لفِردَوسٍ

غايَةٍ بالإتقان

لِمروجٍ شاسِعَةٍ

مِنْ أَزاهيرِ شَقائقِ النُّعمانِ

مُتَنَوِّعةِ الأَلوان

عَلِى مَدِّ البَصرِ رِياضٌ غَناء

وَحقولٌ تلتحفُ بزهُورِ الياسَمِين

تَنتَشِي النَّفسُ

بِعَبَقِ عِطرٍ

أَخاذٌ زاكي

يُذكيه نَسيمٌ عَلِيل.

تُحفَةٌ أُخرى تشدني للمنظر أكثر،

لقطيعٍ مِن الغِزلانِ

يَمرَحُ وَيَنهلُ مِنْ الماءِ الزَلال

المنسابِ مِنْ الشَّلّال

المُنحَدِرِ لجَوفِ النَّهرِ وَالغِدران

جَلَستُ مُحتَرِساً خَلفَ كُتلَةٍ مِنْ الصُّخور

​أرقُبُها خِلسةً مِنْ بَيْنَ الأَشجارِ ​

وَهالاتِ الرذاذِ المُتطايِرة

هَدِيلُ الحَّمامِ

يَشنَفُ الأَذان

يُبهُركَ فِي سِربِ الغزان

رَشَاقةُ القِوامِ

وَخِفَّةِ وَسرعة الوَثب

وَسِعَةِ وَجَمال العيون

وَهِيَ تَرصدُ ما حولَها بِحترازٍ وَإمعان.

أسرابُ الطيُورِ المُحلقةِ

تَسبحُ بصفوفٍ مُنتظمةٍ بَيْنَ الأَرضِ وَالسَّماء

يَنسابُ مِنْ بَيْنَ أفانِين التين

شدوٌّ ساحِرٌ مليحٌ

لكوكَبَةٍ مِنْ العَنادِل

تُخالِطُهُ بِبَهجةٍ

زَقزقةِ العَصافِيرِ وَهِيَ فِي لُجَّةِ حَفلِها الصاخِب

مَا هذا المَشهدُ المُهيب

مُوسيقا تُنَغِم

( لَحن الخُلود)*

قيثارةُ قلبي تَتَرنَّمُ بالشدوِ

(كل ما يدق قلبي بنادي عليك)

اتنفسُ رائِحة خُبزٍ

يَنبَعثُ مِنْ تَنورٍ مَسجورٍ

بجريدِ سَّعفِ النَّخِيل

طارَتْ روحِي مِنْ مَكمنِها

تَطوفُ فِي الفِردَوس

يا لِسِحرِ الجَمالِ

كتلةٌ لضِياءٍ مِنْ بَلورٍ وَنُور

أَمامَ هالَةِ النّورِ

تقفُ واثِقةُ الجِنان

امرَأَةٌ

كَشطبِ رَيحان

مَا هَذا، أهيَّ؟

ملاك أَمْ عشتار؟**

تُخفي شُعاع العُيون

بأغصانِ الآسِ وَالزَيتون

إنَّها تَطِيرُ

مُتَنقِلةٌ بِغَنجٍ

فَوقَ الأَزهارِ تَسير

مِنْ خَلفِها تَنبعِثُ حُزمَةٌ ضَوئيَّةٌ

لِشُعاعِ نُورٍ سنيٍّ بَهيّ

يُبهرُ الأَبصار

وَيَأَسِرُ الأَلباب

بدهشَّةٍ سَألتُ نفسي

بَعدَ أَنْ حرتُ بأَمرها

مَاذا أَرى؟

أَخالَها لَوحةً سِرياليَّةً ساحِرَةً

أَبدَعَها خَيالُ فَنان

بِغِبطَةٍ وَابتِهاجٍ أَطبَقتُ أَهدابَ عَينيّ

لِبُرهَةٍ

عَلَى المَشهَدِ المُدهِش

رُوحِي تَتبَعُ عِطرها

وَأَنا أَحَبو مُتخفياً مِنْ مَكمَنِي

بمُحاذاةِ النَّهرِ

أَنظرُ مَرة أَخرى للمشهدِ

تَختَفي – الملاكُ، عشتار – بِالنّور السّنِي

إلَى أَينَ ذهبتْ؟

لمَ أِعد أرها؟

كيفَ اختفى الضِياءُ بالنّور؟

أَصابني الذهول

أَتبعُ بأناةٍ رائِحَةِ الشَواء

اسمَعُ مِنْ بَعِيد صَوت نايٍّ

يَعزفُ بلَوعةٍ حزنٍ بَليغِ النَّغَم

أصَختُ لهُ السَّمع

أَقتربُ إليه اكثر

ألوذُ بِحذرٍ

بَيْنَ الصخورِ وَأَجمَةٍ مُتشابِكَةِ الأَغصان

مَا هَذا الأَنِينُ المَعجون بالشَجن

اعرفُ هذا النّاي

مَصنوعاً مِنْ شموخِ القصَب

يبثُ نَجواه وَشَكواه كُلَّما جَارَ عَليه الوَصَب

صوتٌ مُدوي لِطَلقةِ صَيادٍ

أَو قَناص

يُعِيدُ صَداها الوادِي بدويٍ وَصَخَب

مِنْ أَعشاشِها – اوكارَها-

تَفرُ الطيورُ فزعةً

مِنْ السَّماءِ تَتَساقط أَمامي

عَشراتُ الطيورِ مُضرجةً بالدَّمِ

بُلبلٌ يَهوي فِي حضني

وَاهن القوى

مُهَيَّضُ الجَناح

فِي عَينيه تَتَلَبَّدُ دُموع الأَلم

المَكان يَضجُ بالاِضطرابِ مِنْ الهَلع

تَتداخلُ اصواتُ الطيورِ وَالحيواناتِ

بِهستريا مِن الفَزع

أَرَى مِنْ بَعيد عَلَى التُّخومِ

سُحب دُخان

وَعدةِ مجاميعٍ مِن الغَّربانِ تَحُوم

جَفَلَ خَافي وَارتَعب

النَفسُ انقَبض

وَدَبَ فِي الأَوصالِ الوَجل

تَمزقتْ وَتَشوشَتْ أَفكارِي

وَأَنا استرجعُ كالمَذعور

رائحةُ العَفَن

فِي الثَكناتِ وَالخَنادق

وَأَصواتُ هُطولِ حمَمِ مَطرِ القَنابلِ عَلَى السَواتر

وَقَرعُ طبولِ الحَربِ

وأناشيدِ الرُّعب

تَبثُ مُزمجرةً صارخةً

مَع أَزيزِ رَصاصِ البَنادق

وَعَسف عُيونِ السُّلطان

وَقسوةُ ذلِّ سنِينَ الحِصار

أَفِيقُ مِنْ خَيالي السارحِ المَصدوم

مُترنحاً

كالثَملِ

– أضغطُ بِكلتا يَدايّ عَلَى صدغي –

صُداعٌ رَهِيب

بصعوبةٍ تَتَحركُ عَيناي

تَجولُ فِي المَكان

يَدي سَريعاً تَذهبُ

لِغَلقِ صَوتِ هَذيانِ الزَّيفِ

لِنَشرةِ أَخبارِ التِلفاز

وَهوَ يَسردُ كعادتهِ

الاِنجازاتِ وَالإصلاحاتِ والانتِصاراتِ

فِي نَشراتِ الأَفِكِ اليَوميَّة.

صَمتٌ موحشٌ

يُطبقُ عَلَى المَكانِ

اسحبُ نَفساً عَمِيقاً

أنظرُ بالمرآة

صورةٌ لِصنوٍ لِي

لَمْ يَزَلْ يَتَعقَّبُ خطاي يُلاحِقُني

عَيناهُ الجَاحِظَتانِ الثاِبتتانِ المُفزُوعتان

تُحدقان بوَجهي

أَزدادُ هلعاً

بصوتٍ عالٍ

احدثُ المِرآة

رافعاً إلَى السَّماءِ يدايّ:

رَبّاه، رَبّاه

حَتى فِي تِيهِ الخَيالِ يَتبَعُني هَذا المَوّال!

حَتامَ أَبقى أَحمِلُ مَعِي

فِي الحلِّ وَالتَّرحَالِ

كُلُّ هذا الأَسَى؟

مالمو تشرين الأول / أكتوبر 2020

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اللوحة الفنية : بريشة الفنانة التشكيلية (ريام يَحيى الأَميري) عنوان اللوحة ( لُعبَة الغميضَة ) أبعادها (90×120) سم؛ المواد المستعملة في اللوحة ( دهان بخاخ على القماش، حبر، أكريلك، ورق من الذهب الخالص)

* لَحن الخلود : فلم موسيقي رومانسي درامي مصري أنتج عام(1952)، بطولة (فريد الأطرش وفاتن حمامة، ماجدة، ومديحة يسرى) وفيه أغنية (شهيرة) تحمل نفس الاسم (لحن الخلود) غناها ولحنها المطرب الموسيقار (فريد الأطرش) كلمات الأغنية للشاعر (مأمون الشناوي)

** عشتار: هي آله الحب والحرب والجمال والتضحية في الحروب في حضارات وادي الرافدين، وكان معبدها يقع في مدينة أوروك (الوركاء) عاصمة بلاد سومر، وهي نجمة الصباح والمساء( كوكب الزهرة) رمزها نجمة ذات ثماني أشعة منتصبة على ظهر أسد، وبيدها باقة زهور.ويقابلها لدى السومريين (إنانا) أطلق عيها السومريون أسم ملكة الجنة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق