ثقافة السرد

فصل من رواية: خلافُ المقصود

أحمد عمر

بعد أن مثّل تلميذان من تلاميذ صفنا الأشاوس مسرحية قصيرة، في قاعة الدرس، اتخذنا قرارنا العتيد. لم تكن مسرحية بالمعنى المدرسي، كانت حوارا من درس التربية الإسلامية عن أمثولة التعاون بين كفيف وأعرج تعاهدا على افتراع دربهما في الحياة، الكسيح صار عينين للكفيف و الكفيف أمسى رجلين للأقلز، تحولا كائناً واحداً. ضحكنا عندما ركب عدنان قومي في دور الكسيح على كتفي شيركي  ومشيا عدة خطوات في الصف بين المقاعد،في فرجة كبيرة .تندَّرنا عليها زمنا. كان في الاختيار خطأ لم ينتبه له المعلم الشمالي ذي اللهجة القاسية، كان ينطق القلم “كلم”. فلقبناه بالأستاذ ” كلم “. العكس كان أصوب فأمينو أقدر على حمل عدنان الصغير الحجم من شيركي.

تناوب التلاميذ على أداء الدور دون حفظ، يمسك كل بكتابه ويتلو الدور تلاوة ركيكة.. فنضحك من المسرحية الجادة التربوية التي انقلبت كوميدية، فيما بعد شاهدنا فلما هنديا بالأبيض والأسود عن صديقين مثل بطلي (درس التربية الإسلامية). صديقان؛ أعرج على عكاز وأعمى  يتوسل بالغناء. كان عنوان الفلم دوستي. انتهى الفلم الذي حاز 28 جائزة دولية، نهاية سعيدة، أما الممثلان الواعدان (سونيل كومار و سودهير كومار) فقد قضيا في حادثة سير مأسوية فكان فلمهما الوحيد. وقتها برقت في ذهننا فكرة تمثيل فلم هندي، مثلناه بعد سنة أو اثنتين من عرض المسرحية المضحكة، قضيناها في الإعداد و”السكريبت”.. الفكرة كانت فكرة شيريكي ..رحَّب الزملاء بالفكرة. أين سنمثل الفلم؟.. سنمثله في كرم الحاجة شمسة، جدة محمدي شمسة، محمدي زميلنا ينسب إلى جدته لشهرتها بالمزاح الفاضح. صباحا تتجول شمسة في السوق والعرصة، وحول أكوام البطيخ الأخضر والأصفر والأحمر.. عالية الصوت، تشتري حاجيات ابنها الحاج وديع، الأبن الأصغر الذي تعيش في كنفه. عجوز فاضحة تسبّ كالرجال وتشتم شتائم قاذعة تشيب من هولها الولدان. الذكور والإناث، الولدان والبنات، يسبوّن بلا وازع في ضفاف الخابور، الكل يشتمون، لو لم يشتموا لانفجروا قهراً، أنزه الشتائم و ألطفها هي نعت المسبوب باقتراف فعلة أوديب.

ثمة شتيمة ابتكرها أحد “الأمم “..يقول الشاتم للمشتوم:

أمي أمك وأمك أمي (…) أمي

فيرد عليه المشتوم: بل أمك أمي (…) أمي!!

أعوذ بالله..كأنَّ الله خلق الأمهات دريئات للشتائم المقذعة! كأنه خلقهن  جوكاستات!

على سبيل المثال، كان سالار يؤدي فقرات تمثيلية، يندّد فيها بالاستعمار (الحمار) على مسرح سينما الأحلام في النهار، لصالح المدارس. طلب سالار من الجمهور في أحد الأعراس السكوت ليقول كلمة العرض المندد بالاستعمار والرجعية والإمبريالية ويحيي الأشتراكية، فلم ينصت إليه أحد. ترجّاهم، توسّل إليهم، لم يسكت أحد، و استمروا في اللغط، فصرخ: أعزائي أبناء الشر موطوءة الكرام، لطفا السكوت ..

فسكتوا جميعا استجابة لندائه الحنون الطافح بالحكمة والموعظة الحسنة!

شتائم يسمعها المتصوفون التقاة، أتباع الطريقة النقشبندية، فيستعيذون بالله من غضبه، حانت القيامة، سينزل الرب علينا كسفاً أو يجعلنا كعصف مأكول أو يرسل علينا طيراً أبابيل ترمينا بحجارة من سجيل..بافي جمو يطلب من ابنه جمو أن يدبّك على ظهره، ويلين عظامه،  فيستجيب الولد ويدبّك الولد دبكة “الكوفندة”،  وهي دبكة برع مطرب الأعراس اسماعيلكي في تأجيجها بالأفراح وهز الأكتاف وحك الخصور، وابتزاز الروبيات من جيوب الدابكين المذارعين للبنات.

يدبك الأبن على ظهر أبيه المتيبس من تعتيل أجولة القمح، يدبّك بقسوة لحل لعقدة أوديب عله يحطّم ظهر والده، فيصرخ الأب من الألم: يا مقترف فعلة أوديب كسرت ظهري، دبّك بنعومة وكأن تمشي على بيض، على زجاج مكسور.. كسرت ظهري. فيما بعد حلّ العذاب والرجز.

الشتائم تجعل الحياة القاسية ممكنة .

أين سنصوّر الفلم يا أمم؟ سنصوّره في كرم شمسة، فالطبيعة هناك ساحرة في الربيع، رومانسية، شاعرية مثل مروج كشمير، وخلفنا على الهضبة التركية الناهضة على الحدود، صورة عملاقة لكمال أتاتورك، مرسومة على الهضبة بالحجارة المرصوفة، صورة أتاتورك، العلماني الذي حرق عمائم طرابيش الترك وألبسهم برانيط غربية وهو يسدد بندقية عملاقة إلى..الله، حاشا وكلا، في السماء.

كانت فعلا بندقيته مسدّدة إلى الله عز وجل؟ أتاتورك هو الذي قضى على الدين الحنيف في تركيا وجره إلى الأقبية والأزقة.

القول للأستاذ سعيد مريد أبي الأعلى المودودي في داموعا والذي له حكاية طويلة. كنّا ثماراً هندية خالصة، بعض الشباب تأثّر بنجوم الأفلام الهندية وبعضهم انبهر بالأئمة الهنود المسلمين مثل أبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي بعد ترجمتهما إلى العربية.

قرب الكرم يجري نهر الخنزير في دربه الأفعواني الملتوي ثم يقوم برقصة مولوية في بركة “نوالا عنتر” ثم يتابع طريقه إلى السبخات البعيدة في الهور، هرباً من تبولنا فيه، أو من حجارتنا الرجيمة أو من شتائمنا في أمه.. .. اختيار مكان التصوير (اللوكيشن) كان الخطوة الأولى، لم يكن في الكرم درج، في كل فلم هندي درج كبير ينزل منه أبو البطلة ليقول للبطل الذي جاء يخطب ابنته بغضب: ميري كوج نهي. رافضاً تزويج ابنته من الفقير العكروت ابن الحثالة، الأوديب، الذي سيكتشف في آخر الفلم أنه أبن حسب ونسب، فيعتذر منه أبو البطلة، ويجمع كفيه علامة الاستغفار ثم ينحني على قدم البطل معتذراَ باكياً.. سنستغني عن الدرج مع أننا يمكن أن نؤدي هذا المشهد في بناية صالحي متي ذات الطوابق قيد التعمير… الكوخ يا أمم، الكوخ ضروري، في كل فلم هندي ثمة كوخ في منطقة بعيدة خارج المكان، كوخ أقصى في يوطوبيا، كوخ جميل فيه موقد دافئ، يلجأ إليه البطلان بعد الأغنية ليحتميا من العاصفة ثم يشعر البطلان بالحب، كما حدث مع شامي كابور في فلم جنكلي (الجلف). لاحقته سيرابانو إلى أن وقع في حبها، وكما حدث في فلم ارادهانا (عبادة) فوقعا في الحرام، اقترنا أمام الإله كرشنا لكنّ الزواج يجب أن يتمّ أمام المجتمع، وبعد سبع دورات حول النار المقدسة، وبعد أن يعين جبينهما ببقعة سيدوري الحمراء، حملت سفاحا واضطرت إلى الهرب إلى مدينة بعيدة بعد موت الأب الطيّار في حادث، لتربي ابنها كخادم بعد أن قتلت شقيق المخدوم الذي حاول اغتصابها، ولتنطبق الدراما على المواصفات البوليوودية. غنّى مانوج كومار في ارادهانا أغنية كاما سوطرا تفوح بالرغبة والشبق في الكوخ الذي لجأا إليه هو والحبيبة الخفراء شارميلا تاغور:

روبه تيرا موستانا

بيار ميرا ديفانا

دول كوي هم زينا هو جايي

راني نشيلي

موستي سماهي

اجي نيشمي

سار جياهيي

ايي شرابي موسم بهتايي

اكوس اكي

مليكي هي ايسيس

ديسي نهوكي

دهوهي موجيي

روك رهاهي

هم تو زمانا

توي هي رهنا

باس نه أن

روبه تيرا موستانا

بيار ميرا ديفانا

أغنية ساحرة لو سمعتها شمسة العجوز السبعينية التي بلغت سن يأسين،  لخلعت حبل دكة سروال الحياء، مع أنها بلا حياء ولا دكّة. مرة هجاها حجي كورمي، بائع الأقمشة، عيّرها بقلة الحياء، و بيع الأقمشة تسمى عندنا مال فاتورة ولعلها مأخوذة من مانيفاتورة، فزعقت فيه: تسبني، تعال، فلم يأت، فقصدته، وخيمت على رأسه وهو مقرفص على سجادة الصلاة التي أداها أمام باب محلته، ووضعت رأسه تحت جلابيتها وقالت؛ تفرّج على السينما، أردفت: هل أُحضر لك برو حتى يشغّل الفلم؟ ما رأيك بكاميرتي يا متورم القدم؟

اخرج حجي كورمي رأسه وهو يشتم ويلعن وينذر لله انه سيحجّ مرّة ثانية حتى يغسل ذنبه الجديد.. المتندرون قالوا: أخرج رأسه هرباً من رائحة الصنان، فلم أسود و..أسود.آخرون قالوا بل هربا من أشواك العوسج حول (الموقد) الذي بلا أثافي. لكنّّ تعبيراً آخر سار بين الركّبان والمشيّان و القعدان، وهو أن الحاجة شمسة التقطت للحجي كورمي (صورة).. ويعود سريان هذا التعبير إلى أنً جلابية الحاجة شمسة تشبه عباءة كاميرا جانبير السوداء التي تتدلى من ذيل كاميرته المطلة بعينها الوحيدة العوراء على شارع المخفر، والثاني أن جلابية شمسة تخفي كاميرا حقيقة من صناعة البارئ المصور، وقد صورت أربعة أبناء لهم ما يقارب الثمانين حفيداً من الجان المصوّرين.. أحد هؤلاء الأحفاد “النوابغ” هو جمالو الذي  سيصير خيّال الجاغوار، لاحقاً بعد سبع وعشرين سنة .

سألنا جانبير عن وظيفة عباءة كاميرته التي تصوّر بالأبيض و الأسود فقال:

التصوير آلة قتل.

قتل؟

أوحى الله إلى جانبير فقال: نعم قتل، إنها تطلق أشعة خفية ورصاصات قاتلة تقصّر العمر.

قال أمينو: نحن نعرف إنها آلة تخليد لا قتل وتقصير عمر يا سيد جانبير؟

جانبير: حسناً سأشرح لكم، ألا تلاحظون أن المتصوَر خائف ومذعور، أليس الخوف من علامات الموت، من إشارات القتل، من دلائل حضور عزرائيل بالبدلة العسكرية في المشهد؟

لورانس تدخل: من قال إن ملك الموت يرتدي بدلة عسكرية؟

أشفق جانبير علينا من حصرم حكمته الحامض، ففسّر لنا ضاحكاً:

يا رؤوس العجور، لكاميرتي عباءة لأنها آلة تلصص وتجسس، العباءة للمصور الذي يتجسس على المتصور؟ انه يخجل من تلصصه على مذعور فيتلثم.. هل فهمتم؟

– يتجسس عليه في الشارع والناس غادية رائحة!! أخي رح بع بضاعتك في مكان آخر، نحن مثقفون وشاهدنا أفلاماً بعدد شعرات رأسك؟

قال جانبير بنبرة الملهم: نعم في الشارع، التجسس لا يكون دائماً في غرف مغلقة، أسوأ التجسس ما كان من عينين لا من عين واحدة، كل تجسس مشين ولا تجسس حسن، التجسس منهي عنه في آيات الذكر الحكيم.

لكنَّ (الأعين الساهرة) تتجسس على الرعية كلها بأكثر من مليوني عين، وتقبض أجوراً مجزية على تجسسها يا سيد جانبير؟ والأعين الساهرة كناية للكاتب الحلبي وليد إخلاصي، ابتدعها في الزمن العربي الاشتراكي تقية، في إحدى رواياته. والكناية رومانسية خالصة تعريفا، وكأنّها عنوان باب من أبواب صفحات المراهقين والعشّاق في مجلات الفن ونجوم السينما.

عفواً هذا خلط في الزمن فالأعين الساهرة لم تكن قد تحولت إلى مؤسسة ساحقة في زمن جانبير والكاميرا ذات العباءة؟

العذر من القراء الأمم؟

انتشرت ظاهرة التصوير بكاميرا شمسة ذات التنورة السوداء و اللثام الأسود، في داموعا. كثيرون احترفوا مزحة التصوير، إلا أمينو، وذلك حتى لا نكتشف حجم “كاميرته” الحقيقي؟

الغريب انه سيصبح في شبابه مصوّرا فوتوغرافيا!

أمينو مثل أقرانه هاجر إلى أوربا في موسم الهجرة إلى الشمال، هاجر بالطريقة التقليدية إلى هولندا ثم مشياً إلى ألمانيا، لكنَّ ألمانيا لم تقبل به، يئسَ بعد سنتين، فخطرت له فكرة، هو مصاب بمرض جلدي صدفي، أخذ كردياً مقيماً مجيداً (لغة الكفار) كي يترجم له وبدأ يتوسل الكنائس، كما في فلم ماسح الأحذية..انظروا يا أشراف قوم ابن مريم، لم تمنحني حكومتكم اللجوء مع أني مضطهد اشدَّ الاضطهاد في بلادي، المخابرات تتجسس علينا وعلى عورات أمهاتنا وعلى أحلامنا، لا أحد يجرؤ على السعال، نموت من الجوع، انظروا أنا مستحق للجوء، مضطهد سياسياً و..جلدياً؟ لكن حكومتكم خائفة من أن أعديهم بهذا المرض؟ هو مرض غير معدٍ. اطمئنوا وطمنونا عنكم.

سألوه: ما دينك؟

ـ أنا مسلم، لكن القرآن الكريم الذي نزل على نبينا من ربنا وربكم ورب البشر.. ذكر عيسى 33 مرة بالاسم والكنية ونبينا أربع مرات أما موسى فذكره كثير أيضا؟ نبيكم هو بطل في الأديان السماوية كلها.. هو الآن حي في السماء وسيعود إلى الأرض ليخلصها من الشرور، إسلامنا يعتقد بهذا الاعتقاد.

لتصوير فلمنا يلزمنا: وشاح، ساري، أو ايشارب، خواتم، خلاخل..لا داعي لكل هذه الإكسسوارات يا أمم، يلزمنا:عربة، حنطور وحصان.الأفلام الهندية تحرص على مشاهد الخيول. الخيول رمز القوة والشباب والجمال. الدراجة رمز الطبقة المسحوقة، السيارة رمز الثراء والترف، لدى ناطور الكرم أبو سينو  (كديش) متقاعد و عربة لنقل أكياس القمح و صناديق العنب، ستؤدي الغرض و إذا احتجنا إلى مشاهد سباق، فالكديش أو الأتان يفي بالغرض. الإضاءة، هي أنوار الطبيعة من شمس وقمر وإذا صادفتنا شمسة فقد تضع رؤوسنا تحت جلابيتها الخالدة. يلزمنا من يؤدي شخصية المهرج، ففي كل فلم هندي مهرّج تابع سنّيد، وهو غالباً مسلم، المسلمون هم الطائفة الثانية في الهند، نسبتهم 12 % بعد انفصال باكستان، قبلها كانت أكبر طبعاً، ويجب إرضاء جمهورهم، غالباً اسمه محمود أو ديبو، وقد يغنّي مثل الأبطال، عادة يرتدي ثياباً مضحكة، ويؤدي حركات بهلولية، ونادراً ما كان المهرِّج سيخياً كما في (أمسية في باريس).. المهرّجون كثر.. اقترح أحدهم “خصية الهر” لدور المهرّج، اسمه شربل ولقبه خصية الهرّ، والسبب أنه يقترب من آذاننا ويقول بنبرة مكسرة قالباً حرف السين إلى حرف الثاء: ” كُنْ بَسيكْ”.

هاهوذا (بافي ملا).. ما الذي جاء به إلى الحقول؟ تراهنون يا أمم أنه سيقبل بالتمثيل معنا، سنمنحه دور المهرّج.

ـ لن يقبل

ـ تراهن، الرِّهان كيلو من الكباب

جائزة كل الرهانات في بلدتنا هي الكباب، نتراهن على هطول المطر بالكباب، على وقوع المعارك بالكباب، على عمليات الثأر بالكباب، سيقتل ابن عمشة حزني أم لا؟ سيقتله؟ لن يقتله؟ تراهن على كيلوين من الكباب، اللحم المطبوخ والمسلوق عندنا فجل، عندما يتبل و يسمّق ويشوى على أسياخ الحلبي جتا يغدو لحماً شهياً. أما الانتخابات المعروفة النتائج فلا رهان عليها.. نقطة آخر السطر.

أبو الملا يقضي سحابة نهاره في السوق، وغيمة ليله في السينما والمقاهي، إنه فتوّة من نوع مختلف، قوته في طرافته العجيبة، إنه معمل طرائف عفوية، يرسل نوادره دون أن يدرك طبيعتها وأثرها وتينها وزيتونها. يقولها بدم بارد وسليقة طليقة ويسهر الخلق جرّاها ويختصم….، يقولها بصوته المغصوص. واحدة من أشهر نوادره الفظيعة أنه عاد إلى دارته القريبة مرة من القشلة، ثكنة العسكر الترك العثماني سابقاً، فانتبه إلى أخته التي ترتدي بنطلونا من بنطاطيل الجينز الضيق، إلى حد بدا وكأنه جلدها الثاني، فقال لأخيه بدم بارد:

ـ يا توأم روحي.. ذوّبنا أحذية الجلد “الدباس” على أبواب مدرسة زنوبيا للبنات ولنا أخت لها كل هذا الجمال! انظر إنها “شقفة” تطيّرالعقل! إنها مثل هيما ماليني يا توأم روحي!

كانت أخته فجلاً، باذنجاناً اسود، بطاطا، والآن، في بنطال الجينز هي كباب؟

تابع بافي ملا دربه بعيدا عنا، في رأسه موال، لابد انه قد تخوزق في ” كباب” مدرسة زنوبيا التي ينتظر على بابها ليحقق أهدافه في الحب والحرية والتضامن والأشتراكية!

من أطرف ما وقع له، أنه كان ساهراً على الجسر فمرّ به رئيس المخفر بسيارته وكاد أن يدعس قدمه.. عاتبه أبو الملا الذي لم يفاجأ، أبو الملا لا يفاجأ أبداً، لو جاء عزرائيل في بدلة عسكرية لقال له:

أهلا يا أمم، تأخرت عليّ يا توأم روحي

المهم أنّ أبو الملا قال للشرطي: مهلا يا أمم.. سحقت قدمي..هل تظن نفسك في باخرة ألمانية؟

وهي واحدة من شطحاته وعباراته غير المفهومة.

توقف الشرطي الذي لم يفهم شيئاً من عبارته الكردية ونهره قائلا:

قم من هنا يا ولد.

نظر إليه أبو الملا الذي لم يفهم من عبارته العربية إلا كلمة (قم) والتي تعني في الكردية، بضم القاف، الرمل. فأجابه ببردوه المعتاد: الرمل في النهر.

كان أهالي بلدتنا يستخرجون الرمل الحجري الناعم من قاع النهر. كثيرون كانوا يقضون عاصفة نهارهم في الماء، حفراً وغسلاً للرمل من الطين الممزوج به.. سأله السامعون: من هو الشرطي الذي زجرك يا أمم؟

فقال: لا أعرفه.

ـ يعني لهجته، أنت خبير باللهجات، هل هو من المدن أم من الأرياف أم من أهل البلاد التي يثمر فيها شجر الزيتون عنباً؟

قال ببرودته المعتادة وبرمية من غير رام: لهجته عبرية يا توأم روحي.

من كان يصدق أن أبو الملا سينزح إلى الشمال. هاجر إلى السويد ، بعد سنة اتصل بأهله يطمئنهم بأنه حصل على اللجوء، استغرب الأهل. كانت مضائق اللجوء قد بدأت تضيق في نهاية التسعينات، لكن ليس إلى الدرجة التي وصل إليها بعد أحداث 11 أيلول- سبتمبر، كان يتصوَّر أنه ما أن يقول لممثلي الحكومة الأوربية إنه كردي حتى يفرشوا له البساط الأحمر. الأكراد مضطهدون. نقطة آخر السطر.

ـ كيف أقنعتهم أنك مضطهد يا بافي ملا؟

أجاب: طلبت من أخي فلمز أن يضربني ضرباً مبرحاً، بعد شهر ذهبت إليهم، فزعوا من آثار التعذيب على ظهري فوافقوا على منحي اللجوء!

صحيح أن الجَلْدَ الذي نلته كان خمس نجوم إذا ما قورن بتنكيل “الدبابير” بنا على الطالعة والنازلة. المهم نجحت الخطة!

الكرم مكان ممتاز وروائي أيضا فقد شهد كثيراً من الجرائم و المعارك على حدود الأراضي ومناوشات العسكر الترك مع المهربين، في الليل خاصة، حيث يختلط أزيز الرصاص بصياح بنات آوى. بيانو ضخم لدى رشيد ابن مدير الناحية، كما نسمع. لكنه لا يشترك في أحلامنا ومغامراتنا وأفلامنا، يلعب مع إخوته في حديقة البلدية الكبيرة، الحديقة الوحيدة في داموعا. هناك سيارة دوزوتو متهالكة مهجورة قد تنفع لتصوير مشهد أغنية، طيور الهزار متوافرة في الربيع، الطيور كثيرة هناك..الدرّاج و القبّرة والتي تي والهدهد والورور والنمنمة وهزاز الذيل، وفي الشتاء تعبر الشحارير مؤذنة بدورة حياة جديدة..حليّناله.اعترضنا من مشاكل وبقيت القصة، السيناريو، القصة واضحة يا أمم: يقع البطل في حب البطلة، و يذهب ليخطبها فيرفض الأب ثم يوافق بعد إلهام من الإله كريشنا، لكنّ أم الأب المدعوة إلى العرس تفسده عندما تكتشف أن لأم البطل ماضيا اسودا، فتقلب العرس فوقاني تحتاني، يعود البطل بالخزي ويشرد عن أمه الغارقة في البكاء والعار احتجاجاً على سلوكها في الماضي الشائن، انه ابن أمه؟ لا أب له. يقضي البطل المجلل بالعار وقته في الحانات والملاهي ثم يرتكب جرماً باعتدائه على زوج قاس يتعرف إليه في حانة.. صاحب الحانة يقسو على الراقصة، و ينهاها عن إرضاع ولدها، يريدها راقصة وحسب، فينتخي البطل، ويضربه، فيقاد إلى القضاء، في معظم الأفلام الهندية المحكمة تعيد الحق إلى صواب الشاشة الحلم. يمثل أمام المحكمة، ويسرد حكايته للقاضي فيكتشف فيه القاضي ابنه، لكنه لا يبوح له بالسر، يبرئه ثم يدعوه للعيش معه، في أحد الأيام يكتشف الابن صورة أمه في أحد قواميس مكتبة القاضي فينهض غاضبا ليفضح الأب الذي تحتفل به المدينة في حفل رسمي، يأتي البطل إلى الحفل ويعمل له فضيحة بجلاجل فيهدئه الأب ويكشف عن موضوع الحفل.. إنه بمناسبة إقامة نصب تذكاري لأمّه المضحّية التي افترق عنها لأسباب قاهرة، يتعانق الأب والابن، يصفق الجمهور، تكون الأم في هذه الآونة خادمة وتتعرض لصنوف العذاب من سيدتها ثم تفاجأ بتمثالها في أحد الأيام فتقصد دار القاضي و يلتم شملّ العائلة ثم أغنية الختام والسلام وغالبا ما تكون أغنية المقدمة.

قال غلام محتجاً: ولكن هذه حكاية فلم ارادهانا يا أحمدي رش.

انه يسبّني ….سبّني الأوديب ابن الأوديب.

عموماً وافق الشباب على السيناريو الشفوي، قصة ممتازة لن نؤلف أفضل منها و لو شاركنا مانو كوبال وشمسو جافد في التأليف.هل نطلب مساعدتهما؟ اعتقد أنهما مشغولان بامتحانات الكفاءة.

كنا منتبيهن إلى حماقات وكبائر منطق السرد البوليودي، أخطاء كثيرة نتساءل عنها فلا نجد جواباً، الفلم الهندي مليء بالأخطاء والأخطاء السردية. الغلط التقني الوحيد الذي كان يسخطني هو آليات الغناء، أحياناً يغني البطل أو البطلة على منصة و أمام فرقة موسيقية، وهذا معقول. وأحياناً أخرى يغني وحده والطبيعة تعزف له كل تلك الألحان! كيف صار هذا؟ يمكن اعتبار المشهد خيال العاشق كم قرأنا لاحقا… وأحياناً يغني البطل في مواقف صعبة كما في فلم (لعبة الأيام) فالبطلان الصبيّان يغنيان وهما يهربان من نمر!  وسؤالي هو من أين جاءت الموسيقى؟ تفكّر مانو كوبال مليا فوجد جواباً: أليست الأغنية حلوة يا أمم؟

قلت مقلداً بافي ملا: نعم إنها شجيّة يا توأم روحي

إذاً لا تسأل يا أمم..المهم أن تستمتع

مانو كوبال أردف: أخي الهنود عندهم بعض الـ.. و أشار إلى صدغه، لو كانوا منطقيين تماما لما عبدوا الأوثان من دون الواحد الديان؟

نقفته بسؤال جديد:هل تشرح لي يا أمم أين بدّلت زينات أمان ثيابها؟ بدلتها عشر مرات في أغنية واحدة؟

قال: هل سمعت بالكواليس؟

ـ لماذا نستمتع بالخيالات المنعكسة في الصفيحة رغم الصهد والحر؟

يفكر: هذا لأن صورة الكائن أحلى من الكائن نفسه.أبهت خيال أحلى من أجمل واقع.

لماذا عندما يتعارك شامي كابور مع بران ينتظر كل منهما لكمة الآخر؟

ـ لن أجلس معك في السينما بعد الآن، أنت تفسد علي متعتي.

بقي الآن تحديد وقت التصوير واختيار أهم عنصر في التصّوير: من سيمثّل دور البطلة؟ تعبنا حتى اقتنع موريس بأداء دور بران المجرم في الفلم مع أن السيناريو الشفوي لم يكن يحتوي على عنصر الجريمة، عنصر الشرّ. الشرّ عنصر ثابت وأساسي في الأفلام الهندية، بقي الأمر الأصعب: تحديد دور البطلة، وهو أصعب من تحديد حارس المرمى عندما نلعب كرة القدم، الجميع يرفضون لعب دور حارس المرمى، فالكولار لا يلعب، لا يركض، لا يناور، يتلقى التقريع و “يأكل” الأهداف، نقول “أكل” ونحن نؤدي بأيدينا حركة جنسية شاتمة. في النهاية نختار أضعف اللاعبين لدور حارس المرمى. اقترح “غلام” “صاحبا” لدور البطلة، اختيار صائب لا تشوبه شائبة، فصاحب ولد مهذب، مؤنث السلوك، نظيف “كربوج ” كما تلقبه الآنسات سوزان وسامية ودلال، دقيق الأنامل، يتكلم حبّة حبّة لا رشاً مثلنا كمتهم يدفع تهمة سرقة البطيخ من البساتين. من سيقنعه يا أمم؟ هناك تلميذ آخر يصلح لدور البطلة. ابتسمنا بخبث، رشيد ابن مدير الناحية، بنت في إهاب ولد، لكن من يجرؤ أن يؤدي أمامه دور البطل، أي بطل يجرؤ على ذلك؟ نعود إلى صاحب، صاحب ايضاً محميّ ومدرّع برقابة الأهل جيداً، تعبنا حتى أقنعناه بالتمثيل. هو دوماً برعاية زوج أخته الحزبي، الذي يراقبه ويثقفه ثقافة سياسية موجهة، الولد الوحيد الذي يحفظ أسماء سياسيين ويرسم رسوماً كاريكاتورية على دفاتره المدرسية: نيكسون بأنف طويل وجورج شولتز مثل دراكولا، غولدا مائير كحيزبون.. رسوم يقلدها من الصحيفة الحكومية.. اقترحنا على صاحب الفكرة فابتهج، سيمثل معنا في فلم قد يجتاح شباك التذاكر، اكتشفنا أن تحديد دور البطل لا يقلّ صعوبة وإن لم يكن بصعوبة دور البطلة، الجميع يريدون أن يمثلوا دوره، عملنا اقتراعات على طريقة زعيمنا الشعبية التي يفوز فيها بنسبة 99 %. أخيراً رسا الاقتراح على أقوانا لا على أوسمنا، رسا على غلام. مبروك.. هنا احتّد الكربوج صاحب، فقد فهم أنه مرصود لدور البطل باعتباره الأوسم في الصف، البطل مشروط بالوسامة.صح يا أمم. وهو فعلاً يشبه النجم الهندي ريشي كابور، الخالق الناطق الذي يخلق من الشبه أربعين، 39 منهم حرامية شكل بالفطرة.

صاحت الأمم بصوت واحد كما في النشيد الصباحي: أيوه صح.

حاول غلام إقناعه: يعني معقول يا جناب “صاحب” أفندي أن تمثل دور البطل ويمثل غلام.. هذا العفريت، الخريطة، الخربعبل، المارد، الشيطان، دور البطلة؟

قال صاحب: أنا مستقيل

غلام حل المشكلة حلا أدهشنا؟

غلام صاح: تعال يا سوراج افندي، أنا موافق، سأؤدي دور سادهانا.

قلت مصححا: ليست سادهانا إنها شارميلا تاغور.

تدخل صاحب: بل إنها النجمة ممتاز.

تراهنون.

سيبدأ التصوير بأغنية الفلم الأولى كما في فلم عبادة، الأغنية في الفلم الأصلي يؤديها الممثل راجيش خانا قائدا سيارة جيب، بينما شارميلا تاغور مسافرة في القطار.. القطار يسير بموازة الطريق والبطل يغنّي أغنيته العذبة، واحدة من أعذب الأغاني الرومانسية في الأفلام الهندية. فلم ارادهانا أطلق نجماً جديداً في الهند وضواحيها اسمه راجيش خانا:

ميري سبنو ايي غيتو ما ي غيتو

جليا أو جليا

بيار كليا

ياهو كليا

سب رنك رليا بوس رها هي

بول سي كلكي

باس ادل كي

بول سيملكيي

جين اييي

أو سبتس موجي سر باي كيتو

أي روكومت تاني ايي كيتو

ميتا جي زنداكيني سب أي كيتو

جليا أنت جليا

كياها برودا

اشق دليكا

اوركي سيتي

ايي جاييي

وضعنا آلة التصوير وهي صفيحة من صفائح الحلاوة مفتوحة من الأعلى، مغلقة من الأسفل، مثقوبة في أحد حيطانها، تعمل حسب قانون الضوء الفيزيائي الذي ينصّ على:

إذا وضع جسم مضيء أمام ثقب حجرة مظلمة، وجهها الخلفي لوح من الزجاج الشفاف أو شاشة ووجهها الأمامي مثقوب في الوسط فإن الشعاع الضوئي الصادر عن الجسم (الممثل ) يظهر مقلوباً على الشاشة، ولما كنا نغمد رؤوسنا مقلوبة في الصفيحة فإن الصورة تظهر منصوبة عادلة.

نستر الجانب الذي ستظهر عليه الصورة مقلوبة بورق أبيض مقوى كالشاشة، تظهر صورة كبيرة أو صغيرة حسب قرب الصفيحة من الممثلين، نضع رؤوسنا فيها كما يضع النعام رأسه في الرمل أو كما يفعل مالك الحزين في القربة طويلة العنق في الحكاية الشهيرة.  الشمس ضرورية، في الليل حاولنا التصوير ففشل. الله اكبر. والله اكبر ترجمتها في المصطلحات السينمائية: بدأ التصوير.. يعني “اكشن”..المشاهدة تتم بالدور كل واحد يضع رأسه في الصفيحة ويغطيها بقطعة قماش ويتفرج قليلاً ثم يعلق رأسه في الصفيحة كما علق رأس الثور في جرَّة الحكاية، جاء دوري يا فرج الأتان.. انتظروا قليلاً.. فقط مشهد آخر يا متوَّرم القدم.. يماطل المتفرج إلى أن نخرجه بالقوة الشعبية. كبّرنا فبدأ غلام يغنّي بلا موسيقا:

ميري سبنو أي غيتو ماي غيتو

جليا أو ي جليا

و يقفز غلام وينطّ حول صاحب مثل شامي كابور في فلم (جنكلي)

وصاحب ينهره: انقلع من هنا.حقير، ابن كلب، متورم قدم.

الممثلة الهندية تتدلل على البطل، تتمنع وهي الراغبة، لكنََ صاحب غاضب جدا.

تمام رائع. برافو (تعلمنا هذا الإطراء من الآنسة سوزان)

يتابع غلام الغناء و حسينو يدقُّ على صفيحة و موريس يصفر ولورانس يضحك:

ميري سبنو ايي غيتو ماي غيتو

هجم صاحب على العلبة الصفيحة ورفسها بقدمه، فشجََ رأس المصور المتفرج. سينما بمتفرج وحيد، شجَّ رأسي، المفروض أن ترفس غلام  لا المصور. أفسدت تاغور خانم المشهد، سنزيد لها الآجر، لكنّ التصوير توقف وتلتها آلات العزف سكوتا..وقف صاحب محتجا: هذه خيانة..انه يؤدّي دور البطل.. لم يكن هذا اتفاقنا ..العقد باطل.

حاولت إقناعه: لم ترفضين يا شارميلا خانم.. عفوا لمَ ترفض يا صاحبي، انظر “أم كامل” أليس رجلا؟ غوار الطوشة كم مرة أدّى دور امرأة في أفلامه الضاحكة؟ ألم نشاهد معا فلم (امرأة ساكنة وحدها)؟ خليّك مرناً و اشتراكيا..إنه تمثيل، تمثييييل يا توأم روحي.

بادر غلام مبادرة خبيثة وخلاقة فوضع قميصه على رأسه على هيئة ايشارب و قال: حسناً أنا البطلة..تعال وغنِّ لي يا مانوج كومار أفندي. وافق صاحب وبدأ يغني، أنهى وصلته بلا حماس، فرد عليه غلام بالمقطع نفسه، فتوقف التصوير مرة ثانية برفسة أخرى على رأس صفيحة المصور، فصرخ أمينو من الألم.

صرخت: خير.ما الخبر هذه المرة؟

صاحب: أخي إنه يؤدي حركات بطل لا بطلة؟

أردف صاحب ساخطاً: أنا مستقيل.. ابحثوا عن ممثل غيري.

معه حق، كان واضحاً أن دور البطلة لا يوافق غلام ولو لبس حمالات صدر و مايوهاً كمايوه فيجنتي مالا في أغنية فلم سانغام، التنكر بهيئة ممثلة لا ينفع مع غلام. نقطة آخر السطر.

لا يوجد أحد منا لا يشبه بطلا هندياً، سراج يشبه جيتندرا، غلام يشبه شاشي كابور، موريس يشبه راج كابور، أمينو يشبه بران (مع بعض التنزيلات) هكذا حظّه: نواسيه: بران وسيم.. لا تحزن.. الله يخلق من الشبه أربعين. ليس ذنبنا أن يشبه مجرماً..لورانس يشبه الممثل بسواجيت بطل فلم خطوبة لكنّ على سمار..صاحب يشبه الممثلة مالا سيني.. أما أحمدي شيركي فلا يشبه أحداً !.. واحسرتاه.. ابحثوا لي عن شبيه يا أمم ؟.. اخترعوا لي شبيهاً ؟..يواسيني صاحب، الموضوع سهل: يفصّل لي شبهاً: تشبه ديبو

ـ ليس بيني وبينه أي شبه يا كبشي. ثم انه ليس بطلا .. ديبو مهرّج؟

ـ بل تشبهه .. انظر أرنبة أنفك مثل..

ـ أنا محتج.. أنا ايضاً مستقيل.

سقط (الكاست) وأخفق فلمنا ولم نعد إلى تصوير أفلام هندية، كل الأفلام التي مثلناها لاحقاً أفلام رجالية خالية من النساء، أفلام كاوبوي، رعاة البقر القاتلون بأصوات مسدساتهم الغريبة” قديشووون، قديشووون ” التي لا تشبه أصوات مسدسات آبائنا( آباء أصحابي) الذين يسرفون في إطلاق رصاصاتها على السماء، في حفلات الأعراس. تعبيرا عن وصولهم إلى العرس، ما أن يصلوا ساحة الدبكة حتى يمتشقوا مسدساتهم وتبدأ الحرب الوهمية ضد الجان، لا أحد يطلق لهم واحدة وعشرين طلقة مدفعية رئاسية فيطلقونها لأنفسهم.. هم ايضاً يمثلون أفلامهم الخاصة بهم..يطلقون خراطيش من الرصاص ولفافاتهم في أفواههم كما في رعاة البقر الذين تلتصق بشفاههم لفائف الدخان الأبدية: رعاة البقر يولدون مدخنين..

في طريق العودة من الكرم استمرَّ غلام في استمالة شارميلا:

ميري سبنو ايي غيتو

جليا أو جليا

يستمرُّ صاحب في رفس الصفيحة حتى تحول شكلها المكعّب إلى شكل لا هيئة هندسية له، إلى ما يشبه الورقة “المجعوكة” باليد.

في الطريق يعتذر غلام من صاحب بتقبيل يده، يقبلها قبلاً خبيثة، يكاد فيها يرشف يده، فيكتشف صاحب خبثه من ضحكنا ويرفس المصور، لا يقدر على الحمار غلام فيرفس البردعة! فيما بعد استسلم صاحب لغلام منقلباً على موقفه الرافض بخبث مقابل، أو ما تصوره خبثاً يعادل خبث غلام، حاول أن يقلب المشهد: تعال قبّل يدي أيها الخادم، تعال يا غلام، رضي كلاهما بدوره الذي تخيّل نفسه فيه، غلام يقبّل يد شارمييلا بولع وشهوة وصاحب يمنح يده “لخادمه الذليل”.

عدنا من الحصاد بتلك التمثيلية.

مصائر أبطال فلمنا كانت تراجيدية، فقد هاجر صاحب مبكراً إلى الشمال، ووضح أنه مستقر في النمسا، هاجر قبل أن تغدو الهجرة إلى الشمال موسما، هاجر معظم أبناء جيلي. في زيارة للمطرب الكردي رمو عفدي حكى لنا أنه أجرى عملية جراحية في النمسا على يد واحد من أبناء البلد اسمه صاحب جيلكي . رفعت يدي مستوقفاً حديثه، طلبت منه إعادة لفظ الاسم، استفسرت منه: هل هو شاب وسيم يشبه ريشي كومار؟ فنهض و أحضر صوراً من خزانة، وقال: خذ هذه صورته وهذا أنا على السرير؟

يا الله! إنه هو فعلا! لم يكن يعرف عنوان صاحب فأعطاني عنوان أحد زملائه في المشفى الذي يعمل فيه، فأرسلت إليه في اليوم نفسه رسالة، أذكِّره بنفسي، اسمي احمد شيريكي، الذي كان يزرّق من البرد ويحمّر من الخجل و يسوّد من الذل..هل تذكر أيام الربيع التي رحلت، الرسالة عادت إليّ بعد ثلاثة أشهر لأنها أرسلت بالبريد المضمون، عادت نفسها كما ذهبت، ففي ذلك الزمن الرومانسي كان البريد مضمونا حقا وفعلا.

ميري سبنو ايي غيتو ماي غيتو

جليا أو جليا

أما غلام فسألت عنه طويلا حتى اهتديت إليه، كان قد انتقل إلى مدينة عين سيجة، دلوني على بقالية أبيه الأحدب، تعرّف إلي، تعانقنا، ترحم على والدي، ذكر كثيراً من محاسن أبى المرحوم وأنسه، في الثالثة عصراً ظهر غلام محروق العنق والرأس.. غليظ الشاربين، بارز الصدر..أم غلام كانت تضع وسادة تحت ظهر مواليدها الذكور حتى تعلو صدورهم مثل جؤجؤ الطائر، تعانقنا..دعاني إلى البيت … لم تعرفني أمه عندما قدّمني إليها، فذكر لها لقبي الشهير بين الزملاء: إنه جوكو يا أمي.

عرفتني فقبلتني، التقيت بغلام مرة ثانية بعد ثلاث سنوات، كان مشوّها هذه المرة.

كان غلام من أنصار الحزب الكردي الثوري الاشتراكي الستاليني وقد أشعل النار بثيابه احتجاجا على اعتقال الزعيم الكردي وزجّه في السجون التركية، سمع الخبر في الليل وبدلاً من أن يشعل لفافة الدخان كما يفعل معظم الغاضبون، وقليلي الحيلة، أشعل النار بنفسه!

قال له الأصدقاء: كبشي.. الأكراد الذين احرقوا أنفسهم في أوربا أبلغوا الإعلام، فصوّرهم، حرقوا أنفسهم على الملأ، فالغاية إعلامية، أنت أحرقت نفسك أمام نفسك؟

كادوا يشتمونه، لكنهم أشفقوا عليه.

قال من وراء لثام الضماد: لم أكن قادراً على فعل شيء سوى حرق نفسي.. قائدي أسير و أنا ساكن؟ المنية ولا الدنية. والله هو إعزّ من أبي؟

بلغ عدد الذين أضرموا النار في أجسادهم ستين نفراً، جاهدوا بأنفسهم من اجل القائد الكردي الأسير، وإذا أضفنا إليهم المحروقين المجهولين أمثال غلام، فقد يصل العدد إلى ثلاثة أضعاف. مأساة السينما المحروقة، التي راح فيها أكثر من ثلاثمائة ضحية، تكررت مع سبق الإصرار هذه المرة.

خصية الهرّ أضحى مطرباً مثل أجداده الغجر، يغنّي في حفلات الكرد أغاني راقصة، فتنطلق شرارات من أكتاف الراقصين المكافحين في هز جذوع أجسادهم وإسقاط ثمارها وذنوبها، حالته في الريح.

حسينو صار موظفاً في فضائية كردية، يتلو الأخبار، ويحللها، ويتصل بزملائه نجوم الأفلام الهندية السابقين المشتتين في بقاع أوربا؟

شقيق أمينو، مانو كوبال الثاني، نبغ نبوغاً كبيراً، كان يتأخر عنا بصف ويحاول اللحاق بنا كي يشاركنا ملاحمناالسينمائية، فنزجره ونضربه لكماً ورفساً فيعود… كَلِف مانو كوبال الثاني بالسينما، وعندما كبر التحق مثل معظم أبناء جيلنا باليسار، انضم إلى منظمات فلسطينية يسارية، يريد استعادة القدس مثل جده صلاح الدين، لكن تحت راية حمراء..رشحه الحزب الشيوعي الوحدوي الأعظم لدراسة الطب فرفض: لن أدرس غير السينما، قالوا له: الطب حلم الجميع..أنت غريب والسينما من حظِّ المواطنين وحدهم.أصرَّ: لن ادرس غير السينما

ـ لن يقبلوا بك.

أصرَّ: لن ادرس غير السينما

أضمر في داخله أمراً: حسناً سأقبل بالمسرح.

قبلوه في المسرح فتسرب منه إلى السينما فيما بعد.

تقدّم إلى مسابقة طويلة أذهل فيها اللجنة بأجوبته، كان في المرحلة الثانوية مشغوفا بأفلام بازوليني وهيتشكوك وبرغمان..يستدين ويسرق ويستأجر أفلاماً من المدن البعيدة ويكتري أجهزة فيديو وينكبّ عليها تملياً ودرساً. نجح وصار مخرجاً إمبرياليا كبيراً وحاز جوائز عالمية خالية من الأملاح المعدنية..أفلامه كوابيس لا أحلام يقظة مثل الأفلام الهندية.. ثلاث عائلات يعيلها الآن، وهو في منفاه الاختياري الإمبريالي في سويسرا!

أنا وحدي بقيت على العهد القديم، مكرهاً لا بطلا. اخصي الذباب وأحاول سدّ ثقب الأوزون بالأحلام، واخرج في مظاهرات عفوية فادياً ( إياه) بالروح والدم وأندب فردوسي المفقود واستمر في البحث عن أصدقاء الصبا وخلان الوفا..خاصة سوزان.. المرأة الأولى…لم أكن أعلم أني سأصير متهماً بريئاً، وعاشقاً مجروحاً، وبطلاً مهزوماً،  لفلم بلا متفرجين، بلا شباك تذاكر، فلم ليس له مخرج سوى القدر و…الحكومة.

قاص وروائيّ سوريّ

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق