ثقافة السرد

فصل من رواية ” كامارادْ – رفيق الحيف والضياع”

الصدّيق حاج أحمد

[[أكادُ أجزمُ سعادة ضيف نيامي – المُخرج السينمائي جاكْ بلوزْ* – أن منظر القمامة و الهواء الملوّث، وحدهما القاسم المشترك بين فقراء عاصمتنا ( نيامي) و أغنيائها. بيد أنّ هؤلاء الأثرياء – سامحهم الله – لو استطاعوا طمس الوصل بيننا و بينهم، لفعلوا.. أنا واثق من ذلك.. و قد ازددتُ يقينا، عندما اخترعوا لهم مؤخّرا أجهزة لطرد البَعوض و إبادته. حيث شفع لهم تذمّر القنصل الألماني من هذه الحشرة التي لا تتذكر مودّتها للإنسان، إلاّ ساعة خلوده للراحة و النوم ليلا. بهذا – للأسف الشديد – أقولها و بكل مرارة: سقطت آخر القلاع بيننا وبينهم سيّدي المتفائل بصورة البؤس.. لقد أجهدتُ نفسي كثيرا في البحث عما يكون قد تبقّى من هذا الفارق..

فلم أحظَ بغير ما ذُكر بادئا، هكذا تهيأ لي الأمر، لستُ أدري.. المهم ما يمكنني القول أخيرا، إن هذين المذكورين هما آخر اكتشافاتي و كفى. قد يُقال على سبيل الذكر لا الحصر؛ من توابع ذلك؛ الموت، لذّة النساء، الذهاب إلى المرحاض – أكرمكَ الله سيّدي – و هَلُمَّ جَرّا.. أجل؛ لكننا حتما لن نخرج من هذه المعركة برأي فاصل، غير واحدة تسرط الأخرى.. لذا علينا أن نقتنع، بمشهد القمامة المتناسل و استشراء الهواء الملوّث وفي ذلك كفاية وبركة.
ليس غائبا عنّي بالمرّة.. أن أصحاب اليَسار من قاطني عاصمتنا، سينتظرون تبرّم قناصلة الغرب كذلك، من تكاثر القمامة و عفونة الجوّ، بشكل مقلق جدّا.. رجاء ابتكار أجهزة دقيقة، تُفَلْتِرُ لهم الأكسجين المستنشق، مع إمكانية إيجاد بديل صناعي للعين دون أن يُرى، يُتيح لهم قلب صورة القمامة المشينة، إلى صورة نابضة بالحياة. لقد بات تعيين سفراء الغرب و الخليج العربي بنيامي، من نميمة زوجاتهم و جلسات عائلاتهم، حتى ساد الاعتقاد عندهن، أن ذلك من قبيل العقاب لأزواجهن.. يظهر لي أن هذا المحو المزعوم لن يتحققَ أو على الأقل لن يحدث في القريب العاجل و في هذا وحده، مدعاة لفرحي و لو بعد حين..
في حيّنا القصديري (Gـــمْكَلي)، الواقع على الضفّة الشرقية الضّاجة من نهر النيجر، لا توجد لنا نوادٍ أو مقاهٍ شبابية نختلف إليها، لدغدغة أحلامنا و عدّ جغرافية بؤسنا، على خارطة هذه الحياة المليئة بالمفارقات؛ بل حتى مطاعمنا في هذه العاصمة العظيمة.. تجدها على قارعة الطرق وأرصفة المباني الحكومية و الوزارات، تطبخ للجوعى بالحطب و يجلس زبائنها الكرام، على مجسّمات الأحجار المكعبة و جذوع الأشجار الأسطوانية، بدل الكراسي!!
النّادي الوحيد الذي كنا نختلف إليه و نلتقي فيه – نحن شباب الحي – خلال أوقات العشيّة لشرب الشاي، هو مجلس (فَضَا). هكذا كُتب لنا أن نعيش سيّدي.. هذا سعدنا.. المضحك فوق هذا، أن صُنّف بلدنا كأفقر دولة في العالم!! على أية حال.. و مهما يكن من أمر، نحن سعداء بهذا الترتيب، رغم وجود اليورانيوم بـ مدينة (أرْليتْ) شَمال البلاد.
في ذلك المساء من 2012، كانت السيّارات قد بدأت تستريح من حركتها الصاخبة بالعاصمة، كما أن جوقة أصوات الباعة و المتسوّلين هي الأخرى، غدتْ تتناقص نواحي (Grand marché)، عدا تلك الحركة المتقطّعة، لأبواق سيارات الإسعاف بالمستشفى المركزي، المطل علينا أصلا.. و الذي يقذف بنفاياته علينا من مؤخرته بلا حياء، إلى كَنَفه فندق (Gaweye)، المصنّف كأفخم فندق في العاصمة و لا حولَ و لا قوّةَ إلا بالله..
كالعادة في مثل هذا الوقت، يكون رفيقنا إدْريْسو.. عاد مبكّرا من عمله لدى أحد التجار، المتمثل في شواء لحم (المايْناما) للسيّاح و الميسورين. الرفيق المذكور عشريني، بشرته سوداء فاحمة، أنفه أفطس، شعره قَطَطٌ، شواربه ممتلئة، بنيته قوية، عروق أوردة ذراعيه ترسم مشاهد متعرّجة.. و لا حاجة لي بمعاودة هذه السيمات سيّدي المُخرج.. في وصف أحدنا – نحن الرفاق – مرّة ثانية كيفما كان الأمر..
هي صفات نكاد نشترك فيها جميعا نحن أفارقة جنوب الصحراء الكبرى، الذين تلتصق بنا صفة الرفيق(كامارادْ)، بمجرد دخولنا أول نقطة حدودية للجارة الشمالية.. نُنعتُ بها و نُسرُّ بلبسها و التطيّب بذكرها؛ بل ذهب البعض لأكثر من ذلك، فوجدوا لها تسويغا لفأمِها رغم أعجميتها.. صاروا يطلقون على الرفاق منا صيغة (ليكامارادْ)، الغريب في الأمر، أن هذا الوصف، يبقى لصيقا بنا حتى في عبورنا لجارتها الغربية.. لستُ مخطئا، إذا قلتُ إنها تركب معنا القوارب و نعبر بها البحر و نتخطّى بها حواجز الأسلاك الحديدية الشاهقة بمدينتي (سَبْتة) و (مليلْية) و يتردد صداها مع من كُتبت له الجنّة منا بأحياء الضواحي الباريسية القريبة منكَ سيّدي..
إن كان من خلاف بيننا – نحن شعب الله المختار – فلا يعدو أن يكون في الطول أو القصر أو ملاحة الوجه مع قلّتها أو استدارته من عدمها و أشياء أخرى تظهر في حينها، لن أغفل عنها.. بيد أن جوهر ما كان يميّز إدْريْسو عنا، هو شعره المفتول المُتَدَلّي كالسنابل، كان يقول لنا دائما:
( إنه مبهور بالمغني الجامايكي “بوبْ مارْلي”!!).
ثمّة أمر آخر يجعل الرفيق إدريسو بدعا عنا و إن كان هذا ينقص من قراريط شخصيتنا – نحن الرفاق – معه، هو بالفعل خفيف الروح، فضلا عن معرفته باللّغة الإنجليزية، التي تعلّمها بأحد المدارس الخاصة، كما أن ضيق ذات يدنا و تفضّله علينا ببعض الأغراض و إغداقه بها علينا، تجعلنا نستعظمه و نستصغر أنفسنا كـ (النيغريلو) أمامه، حتى و إن فاقه أحدنا في بعض المزايا و هذا حاصل بلا ريب..
فمثلا أنا كنتُ بارعا عليه في فقه الأبقار و مِللها و نِحلها.. هل يعرف إدْريْسو أن في نواحي تشاد و السودان، يطلق على الذي يرعى الأبقار اسم (شوا)؟ و ربّ السماء و الأرض لا يعرف هذا.. ثم هل يدرك أن قبيلة (سوري) الإثيوبية، تحرص على تطويل شفاه نسائها لتكثير أبقارها؟ حتى و إن عرفَ بعض الأشياء البسيطة عنها، كمدّة حملها مثلا، التي تكون عادة إما بين تسعة أشهر و خمسة أيام أو تسعة أشهر و عشرة أيام، فلن يفرّق بين العجل و العجلة وقت تكوّمهما على الأرض بعد قذفة الولادة و اختلاطهما بالمخاط.. سوف لن أتكلّم عن التفريق بين عطش هذه الأخيرة و جوعها من خلال خوارها!
هو علم وازن اكتسبته مع طول عهدي ببقرة صاحبتها كثيرا عندنا؛ لكن هذه النَظَارة، كنتُ أقبرها في عميق ذاتي؛ بل أتظاهر أحيانا بالبلادة فيها مع هذا الأخير، عندما يشتدّ بنا الخلاف في أمور الأبقار الأهلية و الوحشية. هو يدرك هذا في عميق قلبه – كما الرفاق – غير أن ما يجعلنا نسعد بهذا التنزيل الإرادي لأنفسنا في الدرجة معه، هو عدم استبداده بنا؛ لأجل ذلك تركنا الأمر لهذا الأخير واسعا.. فضلا عن معرفته بأحوال الناس و سفرياته نحو بوركينا فاسو، التي عاد منها مؤخرا، بفتح مبين لقضيتنا..
أرى هذا الأخير قد أتمَّ رش الماء على أرضية المجلس.. و بالكاد يُنهي بسط الحصيرة السعفية على الأرض، وضعَ صينية الشاي النحاسية المستديرة وسط المَفروش، حيث صُفّت في تلك الأخيرة، فناجين الشاي الزجاجية الشفّافة المقلوبة، يرقد بينها كوب كبير، مقلوب هو الآخر مثلها، رُكن إلى جنبها إبريق حديدي أزرق صادئ لطبخ الشاي. أما السكر و الشاي، فقد احتُفظ بهما في تعليبهما الكارتوني و البلاستيكي، خارج الصينية جهة اليمين. ترقد علبة الشاي المذَهّبة، تبدو أنها فُتحت قبل هذا.. كُتب عليها شاي (AAA)عبدي، مع نجمات ذهبية متراصة، فاتني عدّها.. إلى جنبها كيس السكر الصغير المهرّب من الجارة الشمالية.. يحمل علامة تجارية بارزة لشركة (Cevital) الجزائرية.
الطقس الأخير من تقاليد رفيقنا.. بعد وضع كانون الفحم في أحد الزوايا الخارجية للحصير، هو إخراج مسجّلهم الأسود التليد، ماركة (National Panasonic)، الذي أتى به والده المرحوم موطاري، من (واGــادُوGـــو) خلال نهاية الثمانينيات، قصد تعطير مجلسنا، بسماع أشرطة قديمة الصنع، من ذوات الشريط البُني الذي يُلفّ على عجلتين صغيرتين من المركز، لأغاني مطربتنا الشعبية (فاطي ماريْكو)، التي كنا نرقص على إيقاع نغماتها.. و تمدنا بلحظات حالمة ننسى بها بؤسنا و نقبض فيها على الزمن الهارب، الذي يحلو لنا نَعته، في شريعة فقرنا و ملّة بؤسنا بـ (اِبن الكلب..).
في الغالب – إلا ما ندر – أكون أنا (مامادو) أو كما ينطقه إخواننا العرب (مُحَمّدُ) و نحاول – نحن الأفارقة – أن نقرّبه بـ (ماحامادو)، فدعتنا أعجميتنا إلى حذف (الحاء الممدودة) من وسط الكلمة الأخيرة، ليصير كما اسمي.. قلتُ لكَ سيّدي.. أكون أوّل الحاضرين إلى المجلس، بحكم عملي المسائي الوحيد، الذي كلّفتني به أمي سَلاماتو، مُذْ توفّى والدي، فنَهضتُ بهذه المَهمة، رغم المعاناة التي تلقيتها في سنتي الأولى من هذا التكليف، نظرا لقلّة خبرتي. حيث كان لزاما عليَ إعادة بقرتنا (بَكْتو) الحنّاوية ذات الغرّة البيضاء، كل مساء قُبيل العصر، من مرعى الضّفة المقابلة للنهر و المرور بها حتما على قنطرة النهر مع السيّارات و هو دوام يستغرق ساعة زمنية في أسوأ الأحوال، حتى غاية عقلِها بمَشْكَلِها خلف كوخنا، جهة الشِّمال.
لحسن حظّنا، غُدوّ بقرتنا (بَكْتو) للمرعى صباحا، كان يريحنا منه جارنا (يعْقوبا) مع أبقاره؛ هذا الأخير يتعجّل عودتها منتصف النهار و أمي تحب لـ بَكْتو، أن تبقى بالعشب، حتى ينتفخ بطنها زمن العصر.. و هذه هي المشكلة، التي كانت تقنطني و تخرجني من جلدي سيّدي.. كم مرّة قلتُ لها في تهذّب:
( لماذا يا أمي لا ترجع بَكْتو مع أبقار جارنا و نرتاح من هذا الدوام المسائي الرتيب؟ ) فرفضتْ.. أما عملي الصباحي فسأحدّثكَ عنه لاحقا سيّدي المُخرج.. شريطة ألاّ تستعجل..
ليس لأمي خصاصة ظاهرة تميّزها عن نساء (Gـــمْكَلي)، سوى قرط حديدي دائري مغرز في فتحة منخر أنفها سيف اليمين، قالت لي عندما كنتُ صغيرا (إنها عادة من عوائد نساء قبيلتها (بورورو)، التي تقطن نواحي مدينة (كونّي) و إن معظم نساء هذه القبيلة في حيّنا تخلينَ عنه و بقيّت أنوفهن مثقوبة بشكل منفّر.. عدا جارتها (خديْجاتو) والدة رفيقي إدْريْسو، التي لم يُغرز في خيشومها أصلا، لذلك آثرتْ أن تبقيه بإلحاح من والدي.. بدل ذلك الشكل الدميم من وجوه بعض الجارات، بعد نزعه..).
أما أنا فقد ضحكتُ على نفسي كثيرا عندما رأيتُ وجهي في شظية مرآة صغيرة، وجدتها بدار جارنا موطاري والد رفيقي إدْريسو، قبل موته بسبع سنين، أتصوّر هذا المُحيّا كما لو أني أراه الآن أمامي، وجه شقي رُسمت عليه ثلاث وخزات أفقية على الوجنة اليمنى، ما يقابلها جهة الشِمال، بقدر بنان الإصبع، كنتُ قبل هذا، أتحسّسُ نعومتها و اختلاف موقعها عن باقي ملمس وجهي.. الطريف أني كنتُ أبصرها على بعض وجوه أندادي من قبيلتنا؛ لكن لم يدعوني الأمر للضحك، إلا عندما رأيتها على هذا الوجه الموغل في التطيّر، ثمّة أمر آخر كنتُ مبرّزا فيه عن رفاقي سيّدي.. هو هذه الثرثرة و الفضول المتطلّع، لمعرفة أي شيء..
بعد عشرين دقيقة من مجيئي أو بعدها بقليل بحسب الظروف، يبدأ تقاطر الرفاق الثلاثة تباعا، الرفيق (عُسْمانو) يميل إلى الطول، مفلّج الأسنان، تخلّى عن الصيد مع أبيه منذ سنوات، يعمل دلاّلا بالسوق الكبير، أطرافه طويلة كأنها خُلقتْ لهذا الغرض!!
الرفيق (غاريْكو) ضعيف البنية، ورث التسوّل عن أبيه.. وجهه يثير الشفقة حقا، للأمانة هو يتصنّع ذلك لزيادة مفعول الإنسانية و إيقاع العطب بمعطيه، لا سيما إذا كان من أهل رقائق القلوب..
الرفيق الأخير (ساكو) عريض الجبهة، مقاس مَهوى قُرطه شبر، رؤيته للحياة و ألغازه، توقظ فيك الضحكة و لو كانت نائمة.. أُميّ؛ لكنه صاحب دهاء و بداهة.. يستحضر الشواهد المسموعة بشكل مدهش، متقشّف، غريب الأطوار، يكفي هذا النعت الأخير، أن تذهبَ به سيّدي.. أي مذهب بلا حرج!! تخصّص في جمع الأشياء المستعملة، بواسطة عربة مدفوعة تسمى (تَرْكو) هي على أية حال مربّعة، تركب عجلتي دراجة نارية، كان يحمّل بها من منطقة (زَنْقو)، حيث ترقد مقبرة نفاية المُستعمل و المُستغنى عنه، لقنصليات إخواننا الخليجيين و سفاراتهم..
في الفترة ما بين مجيئي و قبل التحاق الرفاق، يكون الرفيق إدْريْسو قد وضع ورق الشاي مع الماء في الإبريق، حَطّه على جمر الكانون، ليتولى أمر إعداده بكل احترافية رفيقنا غاريْكو، الأخير قطع عليَ حبل شرودي في عدّ أزرار تشغيل المسجّل المتراصة، لحظتها كنتُ تائها في حسابها؛ هذا لفتح الباب، هذا للتشغيل، هذا للتسجيل، هذا للرجوع، هذا للتقديم..
تزامن ذلك الوضع من سهوتي مع سماع تَغْتَغَة الإبريق و هو يفور فوق جمر الكانون، حيث اختلطت رائحة الشاي برائحة الشواء، المنبعثة من الفحم المستعمل، الذي كان رفيقنا إدْريْسو يجلبه يوميا من خردة فحم المايْناما. أشار لي الدلاّل بيده نحو الكانون، فهمتُ من إيمائه، كأنه يقول:
( ناولني الإبريق يا “دودو” ).
بالمناسبة “دودو” هو اسم دَلاَل لي من الرفاق سيّدي المُخرج.. كما قدّمني لكَ صاحب البُشارة – عامل الفندق – إن كنتَ تذكر..
التفتُ إلى جانبي، ثنيتُ قطعة ورق خَلِق، امسكتُ بها مقبض الإبريق الساخن، من على الجمر، ناولته إياه. وضع الإبريق وسط الصينية. رفع غطاءَه، في غمرة تصاعد البخار، صبّ شلالا خفيا من ذلك السّكر الأبيض النّاعم، شكّل مشهد تلاقي شلاّل السّكر، مع البخار المنبعث من الإبريق المفتوح، منظرا مسليا و الله!!
أعاد تغطية البرّاد بكل أناة، رفعه إزاء كتفه، أماله ميلا خفيفا، خرج الشاي مبروما من خرطومه، أقرب ما أُشبّه مشهد هذه اللّوحة البديعة، كخروج ماء المطر الغزير و نزوله من أعلى سطوح تلك البنايات الإسمنتية و العمارات، الذي شاهدناه بمعية بعض الرفاق ليكامارادْ، أثناء رحلتنا الحالمة للفردوس.. بمدن شَمال الغرب الجزائري و الشَّمال الشرقي للمغرب، وصولا بهذه الأخيرة حتى مدينة (الفنيدَق)، عند باب (سَبْتة) قدّسها الله..
قلتُ لكَ سيّدي.. إن ذلك الشاي المتدفّق المفتول، ليبلغ قاع الفنجان الكبير المُسمى الخلاّط، لتتشكّل منه رغوة لامعة، تعلو الثلث الأعلى منه، ليعيد القائم بطقوس الشاي صبّه في الإبريق ثانية، قبل أن يعيد حركة الشلاّل المفتول في الخلاّط، قال لنا رفيقنا الماكر ساكو:
( لكل حرفة ألغازها، التي لا يعلم طرائفها إلا أهلها..).
قبل أن يتم استشهاده بالحديث(أهل مكة أدرى بشعابها)، قاطعه عُسْمانو.. قال له في تهكّم هازل:
( حتى مقابر النفايات، لها تاريخ يا مولانا!!).
تبسّم غاريْكو، استفاق لمعاودة الخلطة الثانية من الشاي، التي يكون قد نساها أو كاد.. أما إدْريْسو فلم يتمالك نفسه ضحكا، حتى شَرِق و غرق في الدموع..
تدخّلتُ لقطع تهكّم الجماعة، محاولا معرفة أسرار حرفة المُنبِّش في الزُّبالة.. عندها وجد ساكو، الجوّ مناسبا لسرد مفاكهته. بلا مقدمات قال لنا:
( إننا نحن دولة “تَرْكو” لكل واحد منا مكانه المعروف من مقبرة الخُردة.. ورثنا هذه الأماكن كما تورث التركة تماما، فبالنسبة لي مثلا، ورثنا أمتارنا فيها بالتعصيب من تركة عمّي “يُوسوفو” الهالك؛ كونه لم يخلف عقبا.. لا سطوَ لأحد منا على جاره، ابتدع لها الآباء، حدودا فاصلة، تراضوا على قسمتها و سجّلوها في رسم محفوظ، استَبْقوا منه نسخة عند كل واحد منهم، هذا نصه المقتضب و معذرة على الاختصار يا رفاق فَضَا:
” الحمد لله وحده..
نزل السيّد البَرَكة فلان بعشرين قامة طولا و تسع قامات عرضا..
شرقه علاّن، غربه “النهر”..
شَماله الزقاق، جنوبه جهة السوق”..).
في غمرة الضحك و التلذّذ بنكهة الشاي العبداوي، تاهت متاعبنا و لأوتنا..
تناولنا ما تبقّى من كؤوسنا، بطبيعة الحال فترة ما بين الكأسين، كانت لـ سماع أغاني (فاطي) و الرقص على إيقاعها.. حمل إدْريْسو شريطا أبيض، طرقه طرقات خفيفة على مُشاشة ركبته، لإزالة ما يمكن أن يكون قد علق به من غبار، فتح باب المسجّل، أدخله فيه، أحدث هذا الأخير صوتا مميّزا عند غلقه. ضغط على زر التشغيل، انطلقت موسيقى (ماريْكو) الساحرة و على إيقاع أغنيتها الإنسانية (Bébé)، رقصنا حتى اغتسلنا من هامشنا المليء بالوجع..]].
(*) المُخرج الفرنسي (جاكْ بلوزْ)، ينتمي لحركة (الموجة الجديدة)، كان قد شارك في دورة ماي 2012 في مهرجان (كانْ) السينمائي، حيث كان يمنّي نفسه بالسعفة الذهبية لهذه الدورة، عن طريق فيلمه الأسطوري (مغارة الصّابوق)، حيث وجد فيلمه مدحا عريضا، من لدن النقاد السينمائيين، ففكّر هذا الأخير، لأن يثأر لنفسه في الدورات القادمة، بفيلم خلاّق، حفر كثيرا.. وجد تيمة الهجرة غير الشرعية للأفارقة، قمينة بهذا الحُلم، فقرّر بداية السفر للنيجر، بغرض رصد الأجواء العامة للمجتمع الإفريقي، في اليوم الأول من وصوله لـ (نيامي) عاصمة النيجر، يعثر على حرّاق كامارادي، اسمه (مامادو)، عاد هذا الأخير، قبل يوم فقط من رحلته الخائبة للفردوس، بعد إخفاقه في اجتياز سيّاج مدينة سبتة، فيلتقي به، و يعرض عليه مفاجأة، لو روى له هذا الأخير، قصة رحلته نحو الفردوس، حيث تبدأ الرواية بتقنية الفلاش باكْ، من يوم عودة البطل.
تبدأ حكاية البطل من هذا المقتطف المنشور، حيث قسّم البطل حكايته إلى فصول، فمرحلة فقره بالحي الشعبي (جمكلي) أعطاها اسم (في القبر) و مرحلة مجيء فكرة الخلاص (الهجرة) نعتها بـ (البعث) و فترة إقناع أمه ببيع البقرة الوحيدة للتزوّد بها في سفره، تسمّى (النفخ في الصور) و خروج الرفاق و وداعهم وسَمَها بـ (المحشر) بينما رمز للمرحلة التي قطعها مع المهرّبين بالصحراء بوصف (على الصراط)، كما نعت المدن التي نزل بها بمدن الأحلام، فعين قزّام (مارسيليا ليكامارادْ)، تَمنراست (باريس ليكامارادْ)، أدرار (روما ليكامارادْ)، مَغنية (مالطا ليكامارادْ)، وجْدة (قبرص ليكامارادْ)، أما الفصل الأخير فعبّر عنه بـ الرّجة الكبرى.

روائي جزائري
الرواية صادرة عن دار فضاءات 2015م

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق