ثقافة السرد

الجذور الواهية

بقلم: سمير جمول*

كانت الشمس تميل الى الغروب ,  تلقي بلونها الارجواني على قمم الجبال البعيدة  والأرض يبدو كأنها تتهيأ لموسم  يبشر بعطاء كثير , فرائحة التراب  تدخل قلوب الفلاحين ,  تثير شعورا بالبهجة .ان تلك القطرات  القليلة التي  سقطت بالأمس اعطت الأمل بخير وفير, بعد انتظار صيف طال بحرًه وشح مائه. جال بنظره على المساحات الواسعة التي تشكلت من كل الألوان وكأنها لوحة من الفسيفساء, ما زال صانعها يعدل فيها, يغير من تشكيلاتها, ولم يستقر على رأي بعد..

تراجع قليلا  الى الخلف  مستندا الى جدار الغرفة الترابية غير آبه  بما سيترك  من أثر على معطفه  ذو اللون الأسود المصنوع من الجوخ الفاخر. تمنى  أن يلتصق أكثر، أن يستلقى على ( المصطبة الترابية )  واضعا رأسه  على راحة كفه , ملقيا بكامل ثقله  على كوعه. لم يطل به التفكير كثيرا بل انزلق ببطء واتخذ تلك الوضعية التي طالما حلم بها في غربته. من داخل الغرفة  تناهى الى سمعه  صوت امه تناديه

–  أتريد كأسا من الشاي  ؟ لم يصدق اذناه  فأنصت كاتما نفسه  حتى ما عاد يسمع سوى دقات قلبه .

– هل أحلم ؟؟؟  ويعود الصوت مرة  ثانية  اكثر وضوحا

– أحمد … احمد … اتريد كأسامن الشاي ؟.

–  انه ليس  حلما  انها امي !!!!!نعم …. نعم … !!؟؟  اريده حلوا  ضعي الكثير من السكر. تقدمت تحمل تلك الصينية المصنوعة  من ( الألمنيوم )  كانت تعكس  نور الشمس الذهبي المائل الى الحمرة كالمرآة – كانت أمي  تقول دائما  ان ( صفوة التنور ) هي ما يجعل الأواني ذات بريق جميل – ويبدو انها لم تتخلى عن  ذلك الطقس الجميل في تنظيف الأواني. لم يغير من جلسته, كان يتأمل  تلك القامة الطويلة  الشامخة ابدا  تلك القامة التي عجزت ذاكرته عن استعادة صورتها  مستلقية او نائمة, كانت دائمة الحراك… أما على التنور.  أو تطعم الدجاج.  أو تحلب الماشية.  او في الحقل  تساعد  والده  أما في وقت فراغها  فكانت  تنسج من الصوف  البلدي  ذو اللون الأشقر  الموشى بالبني المائل إلى السواد  ما يقي برد الشتاء.

قدمت الكأس بيديها المعروقتين , كانتا قاسيتين كجذع شجرة سنديان لكنه شعر ان دفئا ادخل الراحة  والأمان الى قلبه  لرؤيتهما, فود أن يأخذهما بكلتا يديه  لتغمرا وجهه الى مالا نهاية. وتعود به ذاكرته الى تلك الليلة  حين كان مريضا و كانت بجانبه تنظر بعينيها اللتين تودان حمل كل الألم  الذي كان يشعر به   فتقترب لتضع يدها على جبهته .  كانت بنعومة الحرير,  كان فيها سحرا يزيل اقوى الآلام و يدفعه ليغمض عينيه  ويحلم بتلك الأجسام  النورانية ذات الأجنحة  تغني له حتى الصباح .

كم تمنى ان تعود تلك اللحظة  فقد كان في اشد حالات المرض  انه بأمس الحاجة  الى تلك اللمسة الآن  ان كل النساء اللاتي  عرفهن في غربته لم تعطه ذلك الشعور الذي تمنى أن يحس به ولو لمرة واحدة  ومن بعدها لن يفتقد أي شيء في الكون .

تركته وانصرفت ملبية نداء والده المريض . كان كثير الطلبات  ملحاحا وخاصة في المدة الأخيرة  بعد ان اصبح مقعدا,  انه لا يحب ان تفارقه , او ان تغيب عن ناظريه  فقد اعتادها , ويخاف ان تبتعد عنه , كطفل متعلق بأمه  , لكنها  لم تكن تتذمر  فهي تدرك بحسها العفوي ذلك  فيزيدها  شعورا بالمسؤولية والتفاني   وإمعانا بتأمين طلباته وإدخال  الطمأنينة الى قلبه. كان الظلام قد حل وغربت شمس ذلك اليوم. السماء صافية  والنجوم اكثر لمعانا ووضوحا, مد يده مشيرا بسبابته يريد ان يعدها  لكن صوتا ناعما استوقفه:

– لانفعل فقد تظهر الثآليل  على يديك ,الاتذكر؟ كم عذبتني عندما ظهرت على يدي, حينها قال الشيخ ابو محمد  يجب ان تأخذي سبع حبات قمح  من البيت دون علم احد, وفي اليوم التالي  وضعها على يدي  بعد ان قرأ عليها بعضا من الآيات  القرآنية, الا تتذكر ؟ ومع كل ذلك لم استفد ارجوك توقف يا أخي  لا تعدها.أحس بالبرد يتسلل إلى جسده, نهض واقفا  وهم بالدخول  الى الغرفة التى كانت تضم جميع افراد العائلة , تغدقهم الحب والأمان . حرك قدماه ببطء شديد باتجاه الغرفة محني الظهر من ثقل وهن سنين امتدت طويلا  كان يستندا الى الجدار بيدٍ اما الأخرى فكانت تلامس فقرات ظهره من فوق معطفه  الذي  نسي ان ينفض ما علق  من تراب عليه. استوقفه احساس جميل حين امتدت  يد ناعمة على كتفه

– احمد اهذا انت ؟ هل عدت؟  … كان صوتا يحمل كل ما في العالم من امان  كأنه نغمة ناي  تصدر عن تلك التلال  ببحتها التي تحمل حزنا  يلخص وحدة الراعي  في تلك الصباحات

–   زهرة !!؟؟ أمازلت هنا ؟! أما زلت في هذه القرية ؟؟ لم تتغيري يا زهرة !!

-انت كيف عدت ؟؟  ولماذا ؟؟

– عدت لأنني اضعت نفسي  عدت ربما اجد بما تبقى لي في هذه الدنيا بعضا مما اضعت

– هل تظن يا أحمد ؟؟

– لقد تألمت وعانيت كثيرا  كنت ابحث عن ذاتي  وأقول سأعود  عندما تكتمل احلامي ,   آمالي  لكن عبثا , ومرت الأيام , وعدت بعد ان يئست  من البحث  هناك في الهواء  عدت ثانية الي جذوري,  علها تورق ثانية .

– لن أصادر احلامك  ولكن من يحملون  تاريخ ميلادك  والذين لم يغادروا  بعضهم حقق  آماله  ومنهم من اودعها  اولاده  اما انت –  صحيح اين اولادك؟؟  … زوجتك ؟؟؟

– بحثت يا زهرة  ولكني كنت كلما تعرفت بواحدة  خلت انني ارى في وجهها نضارة قريتي  وبساتينها  اكتشفت اني واهم  , وأن ما اراه ليس إلا سراب ,  والواحة بعيدة…. بعيدة يا زهرة والطريق اليها وعرة.

بعد ان بدأ الوهن والتعب  يتسريان الى كل ناحية  في جسدي  احتفظت بشيء من قوتي لأصل الى هنا  علي اجد  بعضا من ذاتي التى فقدت  .

–  مسكين يا احمد  لقد فاتك الكثير, وأعتقد ان الوقت المناسب لم يعد بانتظارك  . انظر هناك  لقد غرسنا آمالنا  ورويناها بدموعنا وعرقنا  وحتى ببعض من خلايانا . انظر هناك حيث  تلك التلال والسهول الخضر  لم يكن من  السهل ان تظل هكذا تغلبنا على الكوابيس في ليالينا  وذرفنا الدموع حزنا وفرحا    وتألمنا  وعشقنا  اما انت فكنت عاجزا عن مشاركتنا  حتى في افراحنا  فرحلت هربا  عد  حيث كنت  فلم يعد لك مكان هنا ,  او ابق  لتكن شاهدا…. عبرة لأحفادنا على عقوق الأبناء .

– سادخل ربما احظى  بلحظة دفء في حضن امي

– حتى هذه …لايمكن …. فقد اصبح حضنها باردا لم يقو على الصمود  بوجه صقيع الليالي  الشتوية وحيدا

فاستباحه البرد واغتالته الوحدة  . انها هناك مغروسة  متوحدة مع حبات التراب  عشقها الذي ربطها بحبه الى الأبد  لاتدخل يا احمد  فالجدران متداعية  ابق حيث انت   فلم تعد تمتلك الحق  ان تساهم  في صنع الأمل  والحب بعد ان  توهمت  انك قادر على صنعه هناك

* أديب من سورية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق