الموقع

جهود نَانَا أسماء، بنت الشيخ عثمان بن محمد بن فودي في نشر الثقافة العربية والإسلامية في خلافة صُكُتُو بنيجيريا

سالو الحسن، باحث بجامعة نيامي /النيجر

مقدمة:- تستحق النساء في ظل خلافة صكتو(1) بغرب إفريقيا أن يهتم بهن الباحثون لدورهن البارز في المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية ومساهماتهن في شؤون الخلافة،إيمانا منهن بالمسؤولية التي تقع على عاتقهن والتي تتجلى آثارها جليا في جميع ميادين الحياة . ويهدف هذا المقال المتواضع إلى إبراز مكانة المرأة وجهودها في خلافة صكتو ليكون بمثابة المرآة الشفافة تعكس على جهودهن في شتى المجالات.وقد قسمنا هذا العمل إلى مقدمة وفقرات وخاتمة.

نبذة عن خلافة صكتو ودور العلماء

إن خلافة صكتو(1) الإسلامية التي أسست على يد العالم الجليل، الشيخ عثمان بن محمد بن فودي(1754-1817م) وكانت اللغة العربية فيها لغة التخاطب. وقد  كان جهابذة العلماء في الخلافة خلفوا كمية هائلة لا تقدر بثمن من التراث العربي المخطوط الذي هو شاهد على الحركة العلمية فيها(2) بالإضافة إلى دورهم  البارز في نشر الثقافة الإسلامية والعربية في تلك البقعة الواقعة في نيجيريا بإفريقيا الغربية؛ وعلى هذه الشاكلة ، فإن العلماء في ذلك العصر تطرقوا إلى قضية تعليم النساء في مؤلفاتهم باعتبارهن أساس المجتمع ، ونورد هنا على سبيل المثال لا الحصر أهم الكتابات في هذا الصدد. وقد أشار الشيخ عثمان بن محمد بن فودي في كتابه المعنون ب” تنبيه الإخوان على جواز اتخاذ المجلس لأجل تعليم النسوان(3)”إلى ضرورة تعليم النساء علوم الدين . وأما بنته نَانَا أسماء(4)(1792-1894)م، فتطرقت إلى قضية تعليم النسوان أمور الدين والدنيا في مخطوطها الشهير المعنون ب:”تنبيه الغافلين(5)”والذي خصصته في تعليم المرأة العلوم الدينية وأوردت فيه الحجج والبراهين الداحضة في تؤكد على  مصدافية ما تقوله. وقد أثار كتابها هذا ، في بداية القرن العشرين، اهتماما علميا من قبل الباحثين الأفارقة وغيرهم(6)،وبالإضافة إلى ذلك فإن مؤلفات مريم بنت الشيخ عثمان بن محمد بن فودي وأختها فاطمة بنت الشيخ عثمان بن فودي  كانت موضع البحث والدراسة لدى الباحثين  في الدور الذي قامتا به في المجال الأدبي والسياسي في الخلافة. والمعروف أن أعمال نانا أسماء وأخواتها تعتمد  أساسا على” تعليم النساء والبنات؛ وذلك لأن هدفهن الأساسي هو توجيه الدعوة إلى النساء لاعتناق دين الإسلام ومبادئه بغية تنمية المجتمع”(7). وهذا ما دعت نانا أسماء، بنت الشيخ عثمان بن محمد بن فودي إلى إقامة منهجية التعليم لصالح المجتمع الريفي حيث يتم  تعليم النساء باللغات المحلية والعربية على حد سواء. والملاحظ في شأنها يدرك بكل سهولة  أن شهرتها  تجاوزت حدود بلادها لأنها كانت على اتصال دائم مع الجامعيين في الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء. وفي المجال الثقافي والعلمي فإن آثارها نانا  العلمية  تقدر بحوالي 66 كتابا في اللغة العربية واَلْهَوْسَا والْفُلاَنِيَّة في مختلف معارف الدينية وإدارة شؤون الخلافة.                                                                                        دور نانا أسماء السياسي بالإضافة إلى دورها البارز في تعليم النسوان فإنها تتمتع بتأثير قوي في مجتمعها وخاصة فيما  يخص الخلافة حيث كانت تساند أخاها محمد بلو بن الشيخ عثمان بن محمد بن فودي في إدارة شؤون الخلافة الإسلامية الذي تولاها في سنة 1817م بعد وفاة أبيه الشيخ عثمان بن محمد بن  فودي؛ وقد شاركت نانا أسماء مشاركة فعالة في  نشر الإسلام وثقافته ، وعلاوة على ذلك أصبحت قدوة في مجتمعها وكان عمرها حينئذ لا يجاوز 27 سنة. وقد ورد في الباب الرابع من كتابها ” تنبيه الغافلين”  في بيان المتبعين لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلي: “وهي الإيمان بجميع ما جاء والطاعة له في ذلك والتزام محبته بالاقتداء به في أقواله وأفعاله وأخلاقه وإخلاص النية في ذلك، ومن علامات محبة الرسول صلى الله عليه وسلم امتثال لأوامره  واجتناب نواهيه،  باجتهاد في تصحيح الإيمان وعلم جميع ما  أوجبه الله عليه أولا ثم يلتزم التوبة في كل ذنب ظاهرا وباطنا ليحصل له الطاعة وقبولها….(8) “.

وانطلاقا مما سبق يمكن القول بأن مواقف  نانا أسماء  العلمية وجهودها في سبيل نشر العلم في أوساط النساء جلبت لها  شهرة(9)  في السودان الغربي في القرن التاسع عشر . وقد توفيت عن عمر يناهز 72 سنة  بعد أن قضت حياة حافلة بالخيرات وخلفت تراثا هائلا في  مجال الأدب العربي واللغة العربية وثقافتها . وأما في المجال الثقافي  فإن مهاراتها كانت تثير  إعجاب علماء صكتو وخارجها، نذكر على سبيل المثال لا الحصر وزير خلافة صكتو والحاج محمد مغاجي(10) ووزير جنيد(11) وغيرهم.

من آثارها العلمية

وقد سبقت الإشارة  إلى أنها كتبت في ميادين شتى بحيث يصعب علينا تحديد المجالات التي تناولتها في كتبها غير أنه يمكن القول بأن الكتب التي ألفتها باللغة العربية هي الأكثر إذا ما قورنت بتلك المكتوبة باللغات المحلية.  ولمؤلفاتها(12) مكانة مرموقة في  نشر وازدهار الثقافة الإسلامية في إفريقيا الواقعة في جنوب الصحراء من جهة و دورها الفعال في تعليم العلوم الإسلامية واللغوية. وحسبنا نذكر: تنبيه الغافلين،  والقصيدة من أسماء إلى معلم أحمد الموريتاني، ومراسلات الأشعار بين الشيخ سعد ونانا أسماء، والقصيدة من علي بن إبراهيم إلى سيدتي نانا أسماء ومرثية عائشة .وحسبنا أن نورد هنا مطلع قصيدتها في الرثاء :

قصيدة إلى الله أشكو في الرثاء

إلى الله أشكـو مـن صُنـوف الـبـلابلِ ______________________________

**

ثَوَتْ فـي سُويْداءٍ لقـلـبــــيَ داخلِ _________________________________

لِفقْدِ شـيـوخٍ قـادةِ الـديـن ســـــدةٍ ___________________________________

**

وإخـوانِنـا أخدانِ خـيرٍ ونــــــائل ____________________________

وذكَّرنـي مـوتُ الـحـبـيبةِ من مضى ___________________________________

**

مـن الأخـواتِ الصالـحاتِ العقائل ___________________________________

مـن الصـالحـات القـانـتـات لربِّنــا ___________________________________

**

مـن الـحافـظاتِ الغـيب ذاتِ النوافل ___________________________________

فزادت همومي وانفرادي ووحشـتي __________________________________

**

وسَكْبُ دمـوعٍ فـوق خدِّي هـــواطل ___________________________________

لفقْدي لعـائشةَ الكريـمةِ يـا لهــــا ___________________________________

**

مـن امـرأةٍ حـازت صنـوفَ الفضائل ___________________________________

الخاتمة:-

بعد هذا العرض السريع نكون قد ألقينا الضوء على جهود  العلماء في خلافة صكتو المتمثلة   في دفع عجلة اللغة العربية وثقافتها إلى الأمام ودورهم الرائد في الحفاظ على الهوية الإسلامية عبر تراثهم المخطوط والذي  تزخر به المكتبات الإسلامية في ولايات نيجيريا وخارجها.  كما استطعنا بعون الله سبحانه وتعالى التنويه إلى  جهود النساء في التعليم عبر منهجية تعليمية امتدت من  عاصمة الخلافة إلى القرى والدول المجاورة. ويتضح  لنا كذلك من خلال هذه الدراسة أنه يمكن معالجة العديد من المشاكل التعليمية  والاجتماعية والسياسية  لتي تعترض سبيل الدول الإفريقية الواقعة في جنوب الصحراء بالرجوع والأخذ بما في كتب القدماء.

الهوامش

1- التي ظهرت منذ عام 699هـ ولكنها لم تتسلم مقاليد الخلافة إلا في عام 923هـ، لتتحول من مجرد دولة إسلامية إلى مقر للخلافة الإسلامية ، حتى انطوت صفحتها في عام 1337هـ.

2- سابُو المختار، تحقيق كتاب” تنبيه الغافلين”  لنانا أسماء، بحث مقدم إلى جامعة ميشال دي  منتاي- فرنسا لنيل شهادة التخصص الدقيق الماجستير، سنة 2009-2010 م، ص27-29.

3- د. حسن مولاي، فهرس المخطوطات الإسلامية الموجودة بمعهد الأبحاث في العلوم الإنسانية- مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي- لندن 1425هـ/2004م، الجزء الأول،  ص 273-274

4-  هي نانا أسماء بنت الشيخ عثمان بن محمد بن فودي،درست على يد والدها، وكان لزوجها العلامة غطاط بن ليم تأثير مباشر عليها. لها مكانة  في الأدب العربي النيجيري ، وقد كان لها هي وأختها تأثير ثقافي كبير في لدى النيجيريين خاصة أنها بنت أكبر شيخ ومجاهد في نيجيريا، وعقيلة وزير من وزراء الدولة الإسلامية في صكتو.

5- د. سالو الحسن، فهرس المخطوطات العربية والإسلامية الموجودة بمكتبة أبلغ- النيجر، إصدار: مركز الدراسات الإسلامية والمخطوطات، أكاديمية القاسمي(ج-م)، كلية أكاديمية للتربية، 1435هـ/2014م، ص 145.

6- سابو المختار، تحقيق كتاب تنبيه الغافلين لنانا أسماء، بحث مقدم إلى جامعة ميشال دي  منتاي- فرنسا لنيل شهادىة التخصص الدقيق الماجستير، سنة 2009-2010 م، ص75.

7- المصدر السابق والصفحة.

8- وقد مكنتها هذه الشهرة  من الحصول على لقب”  سرونير مات” أي ملكة النساء.

9- سمبو ولي جنيد: شعراء ولاية صكتو ومدح العظماء من (1804 – 1960) – رسالة ماجستير كلية الآداب – جامعة الخرطوم 1979.

10- لها عدد من المقالات التي نشرتها لها صحف عصرها منها: “تنبيه العاملين”،و “في خصائص سور القرآن الكريم” . ولها كذلك أشعار في الرثاء  والمدح وقد التزمت الوزن والقافية في أشعارها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق