قراءات ودراسات

“هلابيل”.. رواية التاريخ والتصوف والسياسة

بقلم: محمد عاطف بريكي

مع صدور ثالث أعماله الروائية “هلابيل”، يكون الجزائري سمير قسيمي قد كرس اسمه كواحد من أهم الروائيين الجزائريين الشباب، ولعل روايته الجديدة الصادرة منذ أيام عن منشورات الاختلاف بالجزائر والدار العربية للعلوم ناشرون بلبنان، ستجعله أكثرهم إثارة للجدل، بسبب ما تضمنته من تكسير أنيق للتابو السياسي والاجتماعي، بالإضافة لقدرته الفذة في تغيير أسلوبه السردي واعتماده على تقنيات لم تألفها بعد الرواية الجزائرية…

تخوض الرواية في مسألة الحقيقة كمفهوم إلاستيكي ـ زئبقي، يختلف باختلاف وجهات النظر، وكأمانة إنسانية لا يقتضي حملها أي حد كان من الأخلاق أو المكانة الاجتماعية والدينية والسياسية، محيلا في ذلك إلى الحقيقة الدينية التي سبق وحملها رجال لم يكونوا شيئا في مجتمعاتهم التي بعثوا فيها، وبذلك يجعل قسيمي الحقيقة “المنسية” التي كتبها بطله الأسطوري “خلقون بن مدا” عن شيخه “الوافد بن عباد”، تحمل على أكتاف شخصيات اجتماعية منبوذة ومسحوقة، أو هي كما وصفها في عمله السابق “يوم رائع للموت” شخصيات الهامش الاجتماعي.

تبدأ “هلابيل” بفصل سماه الكاتب “تناجي” وهو حديث داخلي بين رجل يدعى “قدور فرّاش” وامرأة سماها “نوى شيرازي”، فصل كتب بأسلوب جمع فيه الكاتب بين الشاعرية والسرد بطريقة مبهرة، أظهر من خلاله قدرة خارقة في التحكم في اللغة وفي مسار الأحداث التي سردها بشكل شبكي معقد لا يهمل أي تفصيلة، كما أمسك بخيط التشويق من أول الفصل إلى آخره، من خلال تقاطع الأحداث وأيضا بفضل دخوله غير الاعتيادي في أول سطر من الفصل ” حين شاهدتهم واقفين حولي لم أدرك أنني مت منذ ساعة، فذكريات لحظاتي الأخيرة انمحت وهم حولي واقفون. سمعت نحيبا وأصوات مبحوحة بالكاد فهمت منها ما حدث، وأن هؤلاء ليسوا سوى بعض من عرفت في سنتي الأخيرة. لم يكن لي بينهم أي قريب، لا أب ولا أم ولا زوجة، أما إخوتي فلا أحسبهم سمعوا بأخباري منذ قررت الانسحاب من حياتهم قبل عام، حين كنت واقفا كهؤلاء أمام قبر أمي أستمع لدعاء الإمام وجميع إخوتي حزانى، أما أنا فقد كنت سعيدا لموتها..كسعادتي الآن بموتي.”. وبهذا صدم القارئ ليضطره أن يتشبث بالرواية حتى يفهم “كيف لميت أن يحكي قصته”.

نقرأ في الفصل الأول حكاية نوى العاهرة وقدور المسبوق قضائيا وشقيقه السايح زير النساء، وعلاقة الحب التي جمعت بين هؤلاء، وعلاقتهم بأبحاث غريبة قام بها السايح ولم ينته منها، ليوصي عاهرته “نوى” أن تسعى بعد موته إلى التعرف على قدور الذي قضى أكثر عمره في السجن وتعلم فيه عصاميا، ولكنها دون أن تقصد تقع في حبه، كما لم تقع من قبل، وتكتشف رجلا لا يهتم بماضيها “المتسخ”، وفي هذا يحيلنا الكاتب دون أن نشعر بتلك القصة الرائعة بين المسيح ومريم المجدلية التي كانت في الأصل عاهرة. الفصل الثاني عنونه قسيمي بـ”هامشان”، وفيهما نتعرف على “بوعلام عباس” سائق التاكسي والشاذ جنسيا، كان قد هاجر من قريته الصغيرة في ولاية الجلفة “بن يعقوب” واستقر في العاصمة، لم يتزوج أبدا بسبب ميوله الجنسية الثنائية، وأيضا لعدم شعوره بالأمان بسبب فشله الاجتماعي والعلمي. كان هذا جار السايح الذي في عز مرضه يطلب منه أن يحضر له ظرفا من “بن يعقوب”، وهو الظرف الذي يحوي أبحاث السايح، والذي يسلمه بدوره إلى نوى التي تحفظه حتى يتسلمه قدور فيما بعد. يعرفنا نفس الفصل على شخصية “حبوب ولد سليمة”، صحراوي عاش معظم حياته في المخيمات، وعلى لسان هذه الشخصية، يصدم الكاتب قراءه بموقفه الراديكالي من الصحراء الغربية فيقول ” لا تذكر “العيون” ولا أيامنا بها، لم تكن لنا وطنا لتصيره اليوم.

كان يقول لي أبي وعيناه على المصحف وكأنه لم يكن يحدثني. لم أجرأ على مناقشته، ولم أكن لأناقشه حول وطن بقدر ما نأينا عنه نأى. فقد عشنا كغيرنا حلم الحرية، ولأجل هذا الحلم قبلنا أن نُحشر في خيم أسميناها حبا أو شوقا بأسماء مدننا التي لم أزرها، وحده أبي من زارها في شبابه، حتى ظهر لنا أننا لم نعد إلا رهائن طمع دولة لا تأبه باستقلالنا أو بموتنا، ودولة تحاول جاهدة أن تمحو ماضينا لنصير لها خزانة تنهب منها ما تحب، ونظام متآمر، ظاهره الرغبة في استقلالنا وسره أن نبقى كما نحن، شعب شتات وحسب.”. موقف سرعان ما دعمه بعد فصول ” لشد ما شعرت أنني اغتصبت حياتي وأرغمتها أن تحبل بي على صورتي هذه، وعوض أن تلدني، أن تضعني، بصقتني كما بصقت السياسة هذا المسخ المسمى الرابوني، وتلك الخيام المنصوبة على غير مرأى البصر هناك في المخيمات، تلك المسماة، شوقا أو نفاقا، بأسماء مدن يذكرها الحلم ذكرى، ويشطبها الواقع من كراسة الحلم.. أي أرض موعودة يريدونها بدون جهد.. يريدونها بالانتظار.. ولكن لا لوم.. كل اللوم على تجار الحلم، باعة الرجاء، هؤلاء الذين حاموا على أقبية الوقت حتى نزعوا من أجندا النائم فجره.. لا لوم.. لا لوم.”.

في هذا الفصل بالذات، يظهر قسيمي موهبة فنية أخرى، وهي تحكمه في الشعر، من خلال قصيد الوافديين المسمى “المبعثية”، وهؤلاء طائفة دينية انتمى إليها والد حبوب، ولها من الطقوس الغريبة ما تجعل القارئ يدهش لسعة خيال الكاتب، الذي ولا بد أنه استعان في خلقها على عديد المراجع الخاصة بالملل والطوائف. ولأن هذه الطائفة اسمها “الوافدية”، فلا بد للقارئ أيضا أن يربط بينها وبين الوافد بن عباد المذكور سابقا.,وجاء الفصل المعنون “بن يعقوب” عكس كل التوقعات، حيث تخلى فيه الكاتب بالتدريج عن الشاعرية واللغة المشتغل عليها التي ميزت الفصول السابقة، ليعتمد على لغة السرد البوليسي التي جاءت على لسان محقق شرطة لم يذكر له الكاتب اسما، وهو في الأصل ضابط شرطة أنزلت رتبته وعوقب بتحويله من العاصمة إلى “الإدريسية” مدينة بقرب “بن يعقوب” قرية السايح، ليستمر السرد بطرق شبكية وتقاطعات أحداث تجمع كل الفصول السابقة بحبكة غاية في الإحكام، حتى يبلغ نهاية القسم الأول من الرواية المعنون “بعد الرواية”.

في القسم الثاني من الرواية المعنون “ملاحق”، يتدخل الروائي ـالراوي، ليبين لنا أن كل ما سبق من وحي خياله، وهكذا يتخلص الكاتب بدهاء من “ورطة” الميت الراوي، ولكنه في نفس الوقت يخبرنا أن قصة من سماهم “حملة الحقيقة”: المسبوق قضائيا، زير النساء، العاهرة، الشاذ والمحقق الفاسد، قصة حقيقية بدليل ما سيرويه لاحقا على ألسن شخصيات أخرى أبعد في الزمن وأكثر قوة في الرواية على غرار سيباستيان دي لاكروا وأحمد بن شنعان والربيع شيخ العوفية والتلي بلكحل وغيرهم، لتبدأ فصول رواية أخرى أغرب من الأولى، توظف التاريخ روائيا بشكل مدهش والكتابات الثوراتية بصورة فريدة، لنجد أنفسنا نقرأ عملا جديدا، يهيم في التاريخ والصوفية والتعقيد. “هلابيل” قفزة رائعة في الكتابة الجديدة، والأكيد قفزة نوعية في مسيرة روائي لا يكف من عمل لآخر على إدهاشنا.. اسمه سمير قسيمي.

كاتب وناقد جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق