قراءات ودراسات

المحاكاة في الفنون الأدبية بين الصّدق والكذب أهم مشكلات النقد الأدبي ( الشّعر العربي نموذجاً )

حسين محي الدين سباهي*

كان النقد الأدبي عند العرب فطريّاً ينقاد لإحساس مُجمَل بقيمة الشّعر أو بمكانة الشّعراء، ويتناول الصياغة الخارجية والمعاني الجزئية، ويُبيّن مكانة الشّعراء بالمقارنة النسبيّة أو بالتفضيل المُطْلق والحكم بالتفوّق . وقد كان بمجمله سطحيّاً لا يخلو من أوهام كما لا يخلو من صواب.. وبقي النقد الأدبي لديهم على مرّ العهود معتمداً على الإحساس الفطري وقد أخذ في التطوّر وجنح إلى شيء من الدّقة، وحاول تحديد بعض خصائص الصياغة والمعاني.. واعتمد على تراث العصور السابقة وعلى ثروة الحركة الجديدة، منبعثاً عن نزعة اللغويين ونزعة الأدباء ونزعة العلماء والمتأثّرين بالمعارف الأجنبية. والنقد الأدبي عند العرب هو فن دراسة الآثار وإظهار قيمتها والتمييز بين الأساليب المختلفة.. وإنّنا سنتتبّع هذا الفن في أطواره التاريخية ومظاهره في الأدب منذ نشأته إلى اليوم، مسجّلين الأصول التي اتّخذها النُقّاد في كلّ عصر أساساً لأحكامهم… ونحن اليوم أمام مشكلة.. من أهمّ مشكلات النقد الأدبي عموماً وليس العربي فحسب، وهي مشكلة الصدق والكذب في الفنِّ عموماً وفي الشِّعر خصوصاً.. أي هل ينبغي أن يكون الشّعر صادقاً وكيف ؟ أم أنّه لا ينبغي أن يكون صادقاً ولا يُشترط فيه أن يكون صادقاً ؟ وكيف ؟ .

كيف نوفّق بين التعبير عن الشّعور أو عن الفكر وبين الصّدق في هذا التعبير أو الكذب ؟

تلك مشكلة شغلت أذهان النُّقّاد قديماً وحديثاً ، وهي مشكلةٌ نَبَعَت من وجود المجاز في اللّغة ، والمجاز كما نعلم هو انزياح الكلمة عمّا وُضِعت له في أصل اللّغة ، يعني الكلمة توضع في أصل اللّغة لشيءٍ محسوس ، وإذاً فهو محسوسٌ مرئيٌّ معلوم لكن مع الأيّام وجدوا أنّ الأفكار والأحاسيس أكثر من الأشياء الموجودة ، فاضطرّوا إلى المجاز ، ووجدوا أنّه لا يمكن التّعبير عن إحساسنا بالطبيعة أو بالأشياء أو بالوجود دون مجاز .

فإذا كانوا قد وضعوا مثلاً الضحك للإنسان ، و وجدوا أحياناً أنّ شعوره بالطبيعة يشبه شعورهم بالضّحك فخلعوا هذه الكلمة أو انزاحوا بها من موضعها في اللّغة أو من خصوصيّتها بالإنسان إلى أيّ مظهرٍ من مظاهر الطبيعة ، فقال الشّاعر مثلاّ :

أتاك الرّبيع الطّلق يختال ضاحكاً

من الحُسن حتّى كاد أنْ يتكلّما

من أين جاءت كلمة المجاز؟:  ( من جاز ، يجوز ، إذا اجتاز من موضعه إلى موضعٍ آخر ) ، فعندما أكون على ضفّةٍ من ضفاف نهرٍ وأمضي إلى ضفّةٍ أخرى فأنا أجتاز النّهر ، وفعلي هو مجازٌ يعني أن أنتقل من مكانٍ إلى مكان ، إذاً انتقلت اللّغة من موضعها الأصلي إلى موضعٍ آخر. ومراقبة هذا الانتقال تسمّى في اللّغة المجاز، وهو أكثر ما يظهر في الاستعارة، لأنّ التّشبيه ليس مجازاً.

ففي التّشبيه أقول: ( هذا يشبه هذا )، فأنا إذاً لا أنتقل أو لا أنقل الكلمة من موضعها ، لأنّني أقول هذا الشيء كما هو يشبه هذا الشيء كما هو … لكنّ الاستعارة تنقل الكلمة من موضعها ، فتقول : ( أصبحت بيد الشّمال الرّيح ) ، وليس للرّيح يدٌ ، فأنا استعرت اليد للرّيح .. إذاً كلّ استعارةٍ مجاز، أمّا التّشبيه فليس مجازاً.

تخبّط النّقّاد بين القول  :

( إنّ الكذب غاية الشّعر وإنّ الصّدق غاية الخُلُق )

وهنا لا بدّ من توضيح مشكلة التعارض بين الشّعر والخُلُق.. ففي الحالة الأولى هل نقول إنّ الشّاعر عندما قال: ( إنّ الرّبيع يضحك )، هل هو كاذب أو ليس بكاذب ؟

عند المناطقة ، هذا القول كاذب من النّاحية العقلية، لذلك قال ( الفارابي ) : ( الأقاويل الشّعرية كاذبةٌ دائماً ) ، فكلّ قولٍ شعري مجازي كاذبٌ لابدّ ، لماذا ؟: الخبر عند المناطقة قسمان ( إمّا صادقٌ وإمّا كاذب )، والكلام خبرٌ وإنشاء ، فأيّ خبرٍ يحتمل أمرين : يحتمل أن يكون صادقاً ويحتمل أن يكون كاذباً ، فإن قلنا مثلاً : (السّماء ممطرةٌ )، ماذا يحتمل أن يكون هذا الكلام ؟ يحتمل أن يكون صادقاً ويحتمل أن يكون كاذباً ، كيف نتأكّد ؟

إن لم يُطابق الواقع الخارجي، فسنقول إنّ هذا الخبر كاذب، وإنْ كانت السّماء ممطرةٌ فعلاً فسنقول إنّ هذا الخبر صادق.

إذاً، عندما يقول الشّاعر: ( السّماء تضحك ).. ماذا يحتمل هذا الكلام ؟ هل يحتمل الصّدق ؟ ، هو لا يحتمل إلاّ الكذب، ولأنّهم رأوا أنّ أكثر الشّعر مجازاً لذلك قالوا:

الشّعر نوعٌ من الكذب، وإنّ جماله يكمن في أنّه كذبٌ ، لأنّه لو كان صادقاً لكان كلاماً عاديّاً أو كان قد طابق ما في القاموس مثلاً وليس فيه فضل ن لكنّ لأنّه خالف اللّغة وانزاح بها فهو جميل أو طريف أو جديد ، لذلك قالوا لا بأس بأن يكون الشّعر كذباً ، بل لابدّ أن يكون كذباً.

إذاً الشّعر قولٌ كاذب، ولأنّه كاذب فهو جميل .. هذا الأمر فيه لَبس، لأنّ الذين قالوا إنّ الشّعر كاذب، كانوا يقولون إنّ الإنسان ينبغي أن يكون صادقاً ، فإذاً :

الإنسان عندما يكون شاعراً يكون أدنى من الإنسان عندما يكون صادقاً، فإذاً.. الصّدق غاية الخلق ، والكذب غاية الشّعر ، وبهذا فالكذب ضدّ الخلق ، ومع ذلك فهو مقبول ، ولذلك قالوا : لا بأس أن يكون الشّاعر كاذباً وأن يكون فاحشاً أيضاً ، فلا يُطلب منه أن يكون صادقاً ولا أن يكون أخلاقياً ولا أن يُعنى بأيّ شيء سوى الشّكل ، لأنّهم مضطرّون إلى ذلك كما توهّموا ، فلا يمكن أن يكون الشّعر صادقاً لأنّه لو كان صادقاً لكان كلاماً عاديّاً ، فإذاً هو كاذب ولأنّه كاذب ينبغي أن نحتمل منه الكذب والمجون والفحش .

يقول الجاحظ :

( من الخبر ما ليس صادقاً أو كاذباً )

ولم ينتبهوا إلى قولٍ لبعض المناطقة ، وقد أظهر الجاحظ خصوصاً وهو كما نعلم منطقيٌّ معتزلي، حيث قال: ( ليس ينحصر الخبر في صدقٍ أو كذبٍ فحسب، هنالك من الخبر ما ليس صادقاً وليس كاذباً في آنٍ معاً ) ، أي لا نقول إنّه صادق ولا نقول إنّه كاذب ، وهذا هو الصّواب ، كيف ؟

ما القول الذي يحتمل أن يكون صدقاً ويحتمل أن يكون كذباً ؟، إذا قلنا، مثلاً: (السّماء ممطرةٌ )، ونحن نعتقد أنّ السّماء ممطرة، هذا القول يكون صادقٌ عندنا، وكاذبٌ عند غيرنا، أو إذا كنّا قد قلنا هذا الكلام مع أنّنا لا نعتقد بصحّته ..فهذا القول ليس بصادق ولا بكاذب، فهو خيالٌ فحسب، يعني عندما أقول: 0 الرّبيع يضحك )، فقولي ليس صدقاً ، لكنّه ليس كذباً أيضاً ، لماذا ؟: الربيع مبتدأ، وأخبرت عنه ب( يضحك )، لو أنّنا أردنا أن نأتي بقولٍ مرادفٍ ل ( يضحك )، ماذا نقول ؟ ،

الشاعر يريد أن يقول: إنّ الربيع بهيجٌ، مُزهرٌ، مُشرقٌ، تفتّحت فيه الأزهار وأثمرت الثمار، وتعدّدت فيه الألوان، فهو في حالته التي هو عليها يشبه حالة الإنسان وهو يضحك وليس عابسٌ أو باكٍ.. ومن ثمّ استعار الضحك فقال: الربيع في هذه الحالة كأنّه إنسانٌ يضحك، فاستخدم ( يضحك )،  ففي هذه الحالة لو أنّه قال ( الرّبيع مُزهرٌ )، أيّهما أقوى في التعبير عمّا يريده الشّاعر ؟ … بالطّبع ( يضحك )، لأنّ (يُزهر ) تعبير طبيعي عن نموّ الزّهر ، لكنّ التعبير عن الرّبيع وعن حالة الشّاعر وإحساسه بالربيع يستوجب من الشّاعر أن يستخدم ( يضحك ) .

فهو في هذه الحالة يُعبّر عن إحساسه كمتلقٍّ في أنّه ابتهج وضحك سروراً بالرّبيع ، وعن الربيع نفسه وكأنّه ينشر الابتسامة في الوجود .. إذاً في هذه الحالة ( يضحك ) ليست كذباً ، بل على العكس تماماً هي أقوى من الحقيقة ذاتها ، فالخيال هنا أقوى من الحقيقة فهو صدقٌ و زيادة ، وهنا تجدر الإشارة أنّ هذا القول ليس كذباً لأنّه يُعبِّر بصدق ، فهو يُعبّر تعبيراً أدقّ عمّا يريده الشّاعر فهو أصدق وإن كان ظاهره كاذباً ، وليس حقيقةً لأنّ الرّبيع لا يضحك حقيقةً ، وهنا نقول الظاهر كاذبٌ فقط والباطن صحيحٌ صادق ، وهذا الكلام ليس بصادق ولا كاذب .

ويقول قدامة بن جعفر :

( أعذب الشّعر أكذبه ، والشّاعر ليس يوصَف بأن يكون صادقاً ، ولا مانع من الفحش في الشّعر لأنّ المهمّ هو الشّكل)

فهذه النّقطة هي التي ضيّعت النّقّاد وأدخلتهم في متاهاتٍ كثيرة .. حيث زعموا كما قال قدامة : إنّ أعذب الشّعر أكذبه .

يعني أنّ الشّعر الذي ليس فيه كذب – وهذا ليس مقتصراً على المعنى الفنّي فقط ، وإنّما بالمعنى الخلقي والديني والمعنوي أيضاً – فهو ليس بشعر ، لماذا ؟ : لأنّهم يريدون أن يعبثوا وأن يلعبوا وأن يبهجوا الأسماع بالمبالغة .

وأخطر ما قام به قدامة أنّه زعم أنّ القول ( أعذب الشّعر أكذبه ) ، هو مذهب اليونانيين أي مذهب ( أرسطو ) كما يزعم ، وهذا خطأٌ فادحٌ ، لأنّ اليونانيين كما نعلم لم يسمحوا بالكذب إطلاقاً ، لأنّ شعرهم بالأصل شعرٌ فكري يحضّ على الأخلاق ، وشعرٌ موضوعيٌ ومسرحي يصوّر بالحياة .

ما الذي سمح به أرسطو ؟

سمح بالمبالغة ، والمبالغة غير الكذب ، حيث قال ( أرسطو ) : ( عندما نصوّر الشّجاع لا بأس أن نصوّر البطل بطلاً عظيماً لكي نحضّ على البطولة ، فلا بأس أن نبالغ في البطولة والكرم والوفاء والصدق ، يعني لا بأس أن نبالغ في الأخلاق لكي تصل إلى المُتلقّي كما هي ، لأنّ المُتلقّي عادةً يستقبل الأمور أقلّ ممّا هي في الواقع ) .

لكن أبداً لا يمكن أن يكون اليونانيون قد قالوا : ( إنّ أعذب الشّعر أكذبه ) ، وهذا ما زعمه قدامة الذي جنى كثيراً على النّقد العربي .

ومضى يقول أيضاً : لا بأس أن يكذب الشّاعر في بيتين متتاليين ، فيقول مثلاً : ( أنا كذا في بيت ، وأنا لست كذا في بيتٍ آخر ) ، طبعاً هذا يقتضي أن يقول  ، أنّ على الشّاعر ألاّ يبالي بالمعنى إطلاقاً ، ولا بأس أن يكون فاحشاً لأنّ الفحش ربّما يثير المُتلقّي أحياناً ، فلا بأس أن يكون كاذباً أو فاحشاً أو ماجناً ما دام يحافظ على الشّكل ، فإذاً أهمل قدامة المضمون نهائيّاً ، ورأى أنّ الشّعر كذبٌ محضٌ وفحشٌ ومجونٌ لا يُلام الشّاعر عليه ، فليس من مزايا الشّاعر أن يُقال إنّه صادق أبداً .

وهنا علّق على أبيات ل ( امرئ القيس ) الذي يقول :

ولو أنّ ما أسعى لأدنى معيشةٍ

كفاني ولم أطلبْ قليلاً من المال

ولكنّما أسعى لمجدٍ مؤثّلٍ

وقد يدركُ المجدَ المؤثّلَ أمثالي

يعني لو كان يسعى لحياةٍ عاديّة لكفاه القليل من المال ، ولكنّه يسعى إلى المجد كما يزعم ، ثمّ يقول في بيتٍ آخر وهو يطلب أو يسأل :

فتملأُ بيتنا إقِطاً وسمناً

وحسبكَ من غنى ً شبعٌ وَرِيُّ

والأقِط ( هي الجبن ) ، ففي البيتين السّابقين يقول : أنا أسعى إلى المجد ولا يمّني المال ..

وهنا يقول : أنا لو كان عندي جبنٌ وسمنٌ لكفاني ذلك ولم يهمّني شيء ، وهذا تناقض ، لكنّ قدامة يقول :

هذا ليس تناقضاً ، فللشّاعر أن يتناقض أو يكذب وأن يدّعي وأن يبالغ وأن يفعل ما يريد شريطة أن يجيد الشّكل أو السّبك أو الألفاظ .

وهنا مثلاً نحن لا تعنينا جودة الخاتم من حيث المادة وإنّما ننظر إلى نقشه فقط ، وهذا ليس بصحيح طبعاً لأنّ النّقش الجميل لا يكون على مادّةٍ تافهةٍ أصلاً ، فلا بدّ أن يكون النّقش الجميل على المادّة الجميلة أو الثّمينة .

الآن عندما يكون الشّاعر كما زعم قُدامة كاذباً ولا يُبالي بالمعاني ،  بأيّ شيءٍ سيهتم ؟

بالشّكل فقط ، والطّريق أمام الشّكل مسدود لأنّ اللّغة العربية لها نظام محدّد ولها استعارات محدّدة ، فحتّى الاستعارات الجديدة لا يقبلونها كما نعلم وكما هو لدى ( أبو تمّام ) في ( ماء الملام ) …

إذاً ..قالوا للشّاعر : عليك بالشّكل – والشّكل ضيّق – فصاروا يسرقون ويُبدّلون بالأفكار والمعاني والألفاظ كنوعٍ من الاحتيال لكي ينفذوا من القيد الحديدي الذي وضعه لهم النّقّاد .

ولا بدّ هنا من الإشارة ، إلى أنّ الشّعر ليس كذباً طبعاً ، الشّعر صدقٌ في الشّعور أو في الفكر يٌعبَّر عنه بثوبٍ يبدو كاذباً أي بالخيال ، فالخيال وسيلةٌ للتّعبير عن الصّدق .

فعندما أقول : ( الربيع يضحك ) ..فأنا أصدق من أن أكون قد قلت : ( الربيع يُزهر أو يُثمر ) .. وهذا يعود بنا إلى القول :

الشِّعر ينبغي أن يكون صادقاً لكي يعبّر عن فكرٍ إنساني أو عن شعورٍ إنساني ، ولو عبّر بثوبٍ كاذبٍ أو خيالي ، لكنّهم كانوا ينظرون إلى الشّكل ،وبما أنّ الشّكل كان خياليّاً وعنهم يُعتبر كاذب فإذاً اعتبروا الشّعر كاذباً أيضاً ، لم يكونوا ينظرون إلى المضمون ، وهذه هي المشكلة .

ابن طَباطَبا  يقول :

( الصّدق في التشبيه وفي المعاني )

ولمّا قضينا من منىً كلّ حاجةٍ

………………………………..

ابن طباطبا ، كان يقول :

إنّ التشبيه ينبغي أن يكون صادقاً ، وكيف يكون التّشبيه صادقاً ؟

إذا كان المُشبّه به قريباً من المشبّه ، وهذا صدق جزئي أي في جزئيّات الشّعر .. لكن كيف في الشّعر كلّه ؟

وهنا يعود ابن طباطبا فيقول : إنّ عليه أن يقترب من المعاني والصدق في التشبيه … فكلامه كان غامضاً فيه إشارة إلى الصّدق لكنّها ليست واضحة ، لأنّه يؤكّد قوله أيضاً بأن الشّعر ينحو الصّدق في المعاني لأنّ المعاني مرآة الصّدق في الشّعر …

ولا بدّ من  القول هنا أنّنا لا نفهم من كلامه نصّاً صريحاً على أنّ الشّعر ينبغي أن يكون صادقاً ، ولكن فيه كلامٌ على استحياء .

ابن سنان يقول :

( يُستحسَن وضع ( كاد ) للتّخفيف من أثر الخيال )

حيث قال : إنّه لا يقبل قول : ( الرّبيع يضحك ) .. فهو يعتبرها كذب ، وبالمُقابل هو يَستَحسن أن يضع الشّاعر ( كاد ، يظنّ ، يشبع ، لعلّ ) لكي يخفّف من دعوى الكذب ، ولذلك أشار إلى بيت ( البحتري ) الشهير ك

أتاك الرّبيع الطّلق يختال ضاحكاً

من الحُسن حتّى كاد أن يتكلّما

أين الشّاهد هنا ؟ .. الشّاهد كاد أن يتكلّما ، فابن سنان قال : ( حتى كاد أ، يتكلّم ) أجما من 0 تكلّم ) ، لأنّ ( الرّبيع يتكلّم ) فيها شبهة الكذب مباشرةً ، أمّا ( كاد أن يتكلّم ) فهي تُشعِرنا بالشّيء دون أن تنصّ عليه .. فهل رأيه هذا جيّد أو مُستحسن ؟

الجواب موجودٌ في البيت نفسه ، فالشّاعر ناقض نفسه عندما قال : ( يختال ضاحكاً ) ، لماذا لم يَقُل الشّاعر ( كاد الرّبيع يختال ) ؟ .. أيهما أجمل ( أتاك الرّبيع يختال ) أم ( أتاك الرّبيع يكاد يختال ) ، بالطّبع الأقوى والأجمل أن يقول ( أتاك الرّبيع يختال ) .

ثمّ هناك ملحوظة علينا تذكّرها دوماً : لا ينبغي على النّاقد أن يقول لشاعرٍ .. قُلْ كذا ولا تَقُلْ كذا ، لأنّ هذه ليست مسؤوليته فالنّاقد ليس واعظاً أو خطيباً .

وهنا ( يختال ) جميلةٌ في موضعها ، و ( كاد يختال ) جميلةٌ في موضعها ، فالشّاعر يعرف كيف يضع الكلام ، أمّ الناقد فهو الذي يعرف متى ينبغي أن يوضع الشيء ؟

وكلّ ( عِلْم الجَمال ) يُلخّص في كلمة ( وضع الشّيء في موضعه ) .. فكلمتي تكون جميلة عندما أنطق بها في اللّحظة المناسبة ، ولا تكون عندما أنطق بها في وقتٍ غير مناسب ، والتّصرّف والسلوك وكلّ شيءٍ إن لم يوضع في موضعه في اللّحظة المناسبة ينقلب خطأً .

فهنا أيضاً ( الرّبيع يختال ) جميلة ، فلو قال : ( الربيع يكاد أن  يختال ) و ( يكاد أن يتكلّم ) لقُبحَ البيت .. ونذكر رأي ( الجرجاني ) وهو : لو أنّنا نثرنا البيت وشرحنا معناه سيصبح غير جميلٍ لأنّ الكلام لن يوضع في موضعه الخيالي الإيحائي .. وهذا يعني لو قلت الآن : ( أقبل الرّبيع وقد أزهرت ثماره وفاحت روائحها وطار شذاها حتّى تبيّن لي أنّ الرّبيع يشبه الإنسان وهو يضحك ) ، هل يكون هذا الكلام في جمال البيت السّابق ؟

هناك فرقٌ كبيرٌ بين أن أشرح وأوضّح وأعيد الكلام إلى أصوله وبين أن أنطق بالاستعارة على أصولها ، فتكون الاستعارة صحيحة وليست كاذبة .. والخيال يعبّر عن الصّدق لأنّه وسيلة ، فالمضمون هو المُهم .

ابن رشيق يقول : ( الكذب يُحسِّن الشّعر )

ابن رشيق هو أغرب النّقاد على الإطلاق في هذا الموضوع ، فهو لم يكتف بأن يقبل الكذب وإنّما قال : (  بأنّه يُحسّن الشّعر ويُحسّن الخُلُق أيضاً ) .

فكان يتحدّث عن الفرق بين الشّعر والنثر ، وكان يريد أن يضع حدوداً للشّعر وحدوداً للنثر .. حيث في البداية بدأ بالمفاضلة بينهما ، أيّهما أفضل ؟ ، فقال الشّعر أفضل ، لماذا ؟

قال : لأنّ الشّعر يُحسّن الكذب ، يعني يكفي أنّه يجعل الكذب جميلاً لكي يكون أفضل من النّثر ، وليس ذلك في الفنّ فقط بل في الخُلُق أيضاً .

ومن ثمّ يقول : إنّ ( الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ) قّبِل عُذر ( كعب بن أبي زهير ) في قصيدته الشّهيرة ( البردة ) عندما أتاه معتذراً تائباً منكراً ما كان قاله في هجاء ( الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ) ، فبرأيكم لماذا قبل ( الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ) عُذر كعب وتوبته ؟

لأنّ الإسلام يجُبُّ ما قبله ، وليس لأنّ الإسلام يقبل الكذب في الشّعر كما زعم ( ابن رشيق ) في أنّ ( الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ) يرى أنّ الشّعر كذبٌ لا قيمة له ولا يبالي به ، ومن ثمّ فلم يحاسب ( كعب بن زهير ) ، وهذا ليس بصحيح على الإطلاق .

فمُحالٌ أن يقبل ( الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ) كذب الشّاعر في إنكاره فعلاً أو قولاً أبداً ، لكنّه قبله مسلماً مُعتذراً تائباً ، فالإسلام لا يبالي بما كان من الأفراد قبل إسلامهم .

والأغرب من ذلك رأي ( ابن رشيق ) في قضيّة الإفك ، عندما اتُّهِم ( حسّان بن ثابت ) بالخوض في حديث الإفك ، فزعم ( ابن رشيق ) أنّه قد اغتُفِر له ذلك لأنّه شاعر ، ومَعاذ الله أن يُغتفَر له ذلك لمجرّد أنه شاعر .

فكان ( ابن رشيق ) يقول لكلّ شاعر : ( اكذبْ وافعلْ  ما شئت ، لأنّه سيُغفَر لك وكأنّك من أهل بدر ) .. وهذا ليس بصحيح ، لأنّ الشّعر لا يغفر للإنسان ذنوبه ولا عيوبه ولا كذبه .. لكنّ ( ابن رشيق ) ظنّ أنّ الشّعر يغتفر الكذب حتّى لو كان خُلُقيّاً وليس فنّيّاً ، وطبعاً الكذب الفنّي لسنا معنيين به لأنّه ضربٌ من اللّهو في الكلام ، لكن أن نقبل الكذب في الخُلُق فمعاذ الله أن يكون ذلك صحيحاً ، لأنّه من يقبل ماجناً كاذباً فاحشاً لمُجرّد أنّه شاعر .. وكأنّ الشّعر يستثني الإنسان من إنسانيته ؟

فإذاً موقف ( ابن رشيق ) كان خطأً كبيراً .

عبد القاهر

( الصّدق الباطن والخيال الظّاهر )

عبد القاهر .. دائماً نقف عنده لأنّه متكلّمٌ شعريٌّ أجاد علم الكلام والبلاغة ، وعرف كيف يفصل بين الأمور وكيف يميّز بينها ويمحّصها ؟

والمشكلة عند المتكلّمين مشكلةٌ حسّاسةٌ لأنّها تتّصل بالقرآن الكريم .. فأن نقول :

إنّ الاستعارة مقبولةٌ وهي خيالٌ ، فهذا يعني أنّك تقبل أن يُقال إنّ القرآن الكريم فيه خيالٌ أو استعارةٌ أو مجازٌ .

الآن يُظَنّ أنّ الأمر سهلٌ ، لكنّه لم يكن كذلك قبل قرون ، حيث كانت المعارك تحتدم دائماً بين أهل الظّاهر وأهل التّأويل أو المتكلّمين ، حول المجاز في القرآن الكريم . فهل ينطوي على مجازٍ أو لا ينطوي على مجاز ؟

الّذين يأخذون بالظّاهر يقولون : ليس في القرآن إلاّ الحقيقة وليس فيه مجازٌ أبداً ، لأنّهم يخافون إن قلنا ( إنّ فيه مجاز ، أن نغلط في تطبيق المجاز أو أن نضلّ ، وعندما سُئِل ( ألإمام مالك ) رضي الله عنه ، عن الاستواء على العرش ، كيف يكون ؟ ) .. فقال : ( الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجبٌ ، والسّؤال عنه بدعة ) .

وبهذا قطع الطريق على أيّ تأويل ، لكنّ الّذين يسألون لا بدّ لنا من أن نجيبهم بتأويل لا محالة ، لأنّ بعض العقول لا تكتفي بالقول : ( إنّ الكيف مجهول ، فهي تريد أن تبحث عن الكيف ) ، وبالمُقابل .. بعض العقول لا تقبل أنّ ( يد الله فوق أيديهم ) تعني : ( أنّ هناك يداً إلهيّة ، وإنّما تفهم أنّ اليد هي القدرة ، أي أنّ قدرة الله فوق قدرتهم لأنّ اليد تستعمل في القدرة ) .

فالأشاعرة لا يقبلون إلاّ  بالتّأويل ، لأنّهم ينزّلون الله سبحانه عن القول الظّاهر ، فلو قلنا بالظّاهر لأثبتنا – معاذ الله طبعاً – صفاتٍ جسمانيةٍ ومادّيةٍ للذّات الإلهيّة ، فإذاً لا بدّ من التّأويل ، ولا بدّ من القول بالمَجاز .

ويُروى أنّ أحد غلاة القول بالظّاهر وكان ضريراً ، سُئل : ماذا تقول في قوله تعالى ( من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا  ) – الإسراء : 72 – ؟ ، وبالطّبع لم يستطع أن يعطيَ جواباً .. وكان مجرّد السّؤال إهانةٌ له ، لأنّ الأعمى في الآية   .. فيها الحقيقة وفيها المَجاز ، من كان أعمى مَجازاً في هذه الدّنيا فسيبقى أعمى في الآخرة ، أمّا إذا كلن الأعمى حقيقةً سيبقى أعمى في الآخرة ، فهنا ستصبح مشكلة .

ويجدر القول أنّ المَجاز في القرآن موجودٌ حتماً ، لأنّه أصل الكلام ، فبعد بدايات اللّغة أصبح معظم الكلام مجاز .

لكن أن ننتقل من كلمة ( مجاز ) إلى كلمة ( خيال ) ، هنا لا يقبل الكثيرون أن نقول : إنّ في القرآن تخييلاً أو خيالاً أو تمثيلاً أو تشبيهاً ، فيفترضون أنّ هذا هو عبارةٌ عن شرحٍ فقط وعن توضيح ، وأنّه ليس خيالاً ، وهذا ما عانى منه ( عبد القاهر ) ، فهو يقول : إنّ كلّ الاستعارات التّمثيلية في الشّعر تخدعك عن الحقيقة ولا يمكن أن نقبل بها ، لكنّنا نقبل بها فنّاً فقط ، يعني مثلاً :

وبياضُ البازِيِّ أصدقُ حُسْناً

إنْ تأمّلْتَ من سوادِ الغرابِ

وهذا يقوله مَنْ يُدافع عن الشّيب .. والطائر البازيّ محبوب وهو أبيض ، والغراب مكروه وهو أسود .. فالشّاعر يخدع المُتَلقّي فيقول :

وبياض البازيّ أجمل من سواد الغراب ، فإذاً بياض الشّيب أجمل من سواد الشّعر أي الشّباب .. فما الذي في هذا البيت ؟

يقول ( عبد القاهر ) : هنا خداع ، وهذا تخييلٌ خادع – وكلّ التّخييل خداع في الأصل – يعني الشّاعر يستطيع بالخيال أن يخدعك عمّا تعرفه ، وأن يُصوّر لك الباطل حقّاً ، فيُصوّر لك أنّ الشيخوخة أفضل من الشّباب بزعمه أنّ البياض عند البازيّ أفضل من السّواد عند الغراب .. فهذا خداع ، وكلّ الاستعارات التّمثيليّة خداعٌ كذلك .

لكن إذا أعدنا التّأمّل في الأمر كما يقول ( عبد القاهر ) ، لوجدنا أنّ هذا الباب – باب التّمثيل – هو من أعظم الأبواب في التّعبير عن الأفكار وفي التّأثير في النّفوس وفي جذبها ، بأن بأن نبدأ بالفكرة الصّحيحة في الباطن وأن نُخرجها بثوبٍ مجازي ، أي يكون الخيال للثّوب فقط ، يعني أن يكون الصّدق في الباطن وأن يكون الخيال في الظاهر .. لنرى قول الشّاعر :

لا تنكري عَطَلَ الكريمِ من الغنى

فالسّيل حربٌ للمكانِ العالي

وهنا ، ( لا تنكري عَطَلَ الكريم من الغنى ) : يعني لا تنكري أن يصبح الكريم فقيراً ولا يبقى عنده مال ، وكذلك ( فالسّيل حربٌ للمكانِ العالي ) : لأنّ السّيل ينحدر عن المكان العالي .

فالشّطر الأوّل هو صدق الباطن أو المعنى ، والشّطر الثاني هو خيال الظاهر أو الشّكل .. هذا الخيال ليس للّعب ، وإنّما لتأكيد صدق الفكرة في الشّطر الأوّل ، يعني .. الكريم لا بدّ أن يغدو فقيراً أو إن غدا فقيراً فلذلك سبب ، السّيل يتدفّق من السّماء على الجبال ، لا يقف عند الرّبا وإنّما ينحدر إلى القاع .

فالرّبا هنا هي الكريم ، لأنّه بين الناس أعلاهم كالرّبا بين الصخور ، والوهاد هي النّاس البخلاء والأغنياء والوضعاء ،  فالسّيل لا يقف عند الربا والكرماء بل ينزل إلى القاع والأغنياء والبخلاء .

فإذاً .. قياس هذه الفكرة بهذه الصّورة هكذا ، الكريم بين مجتمعه كالرّبا بين الصخور ، فكما أنّ المال لا يبقى في يد الكريم لأنّه ينحدر عنه إلى الفقراء والأدنياء ، كذلك السّيل لا يثبت عند الرّبا فينحدر عنها إلى القاع ، وهنا حصل ( تشبيه ، أو تمثيل ، أو تخييل ، أو محاكاة ) معنى بصورة ، أو صدق بخيال .

هنا كأنّ ( عبد القاهر ) حلّ المشكلة ، وكأنّه قال : تعالوا نتّفق على أن نأتي بفكرة لنعبّر عنها في صورة ، وأن نقبل الخيال في الصّورة لأنّه شرحٌ للفكرة وليس لذاته ، ولأنّه يوضّح لنا الفكرة .

إذاً .. حتّى لو قلنا إنّ في القرآن تخييلاً فهو لتوضيح الفكرة وليس للّعب أو لإثارة الإعجاب ، يعني الشّاعر لا يريد أن يُثير الإعجاب ، بل يريد أن يُعبّر عن فكرةٍ صعبة ، كيف يقول لنا إنّ من الطبيعي أن يصبح الكريم فقيراً ، لماذا ؟

هنا يأتينا بصورة من الواقع المرئي  المحسوس ،لأنّ المعنى لا يفهم إلاّ إذا صُوّر ، والناس لا يفهمون إلاّ بالمرئيّات أي العين ، فمهما شرحت لهم بالغيب سيقولون : أرِنا و وضّح لنا ومثِّل لنا أي ائتنا بمثال حسّي ، فقلّةٌ من الناس الّذين يؤمنون بالغيب دون طلب للمحسوس ، لأنّ هذا يحتاج إلى رقيٍّ في التفكير يعلو به المرء عن المحسوس .. نصل إلى قول الشّاعر :

الشّيبُ كرهٌ وكرٌ أن يُفارقني

أعجب بشيءٍ على البغضاء مودودُ

الشّيبُ كرهٌ وكرٌ أن يُفارقني : طبعاً هنا معنىً أيضاً ، فالشّيب كريهٌ لكنّني أكره أن يُفارقني .. الشّاعر لا بدّ أن يكون صادقاً أو لا بدّ أن يكون كاذباً في إحدى العبارتين ، فهل كان الشّاعر كاذباً ؟ أم كان صادقاً في الحالتين لكنّه كان يُعبّر تعبيراً مُخيّلاً ؟

يعني أنا الشّيب مكروهٌ لي ، لكن هل هو أفضل أم ما بعد الشّيب ؟ .. بالطّبع الشّيب بالنسبة إلى الموت هو المقبول .. فلذلك الشّاعر صادقٌ في الحالتين ، لكنّه خيّل لنا الأمر وكأنّه ينطوي على تناقض .. لكنّ قول الشّاعر هنا أوضح :

لا تركنّنَّ إلى الفِرا

ق وإن سكنت إلى العناق

فالشّمس عند غروبها

تصفرّ من حذر الفراق

أين الصّدق في المعنى هنا ؟ وأين الكذب في الخيال ؟ وما المراد بالبيتين على رأي ( عبد القاهر ) ؟

أي لا تأمن الفراق وإن كنت في العناق ، أي لا تأمن انقلاب الأمور ، ويوضّح ذلك في البيت الثاني .

يعني يقول أيّها الإنسان كن حذراً دائماً وقلقاً ومتيقّظاً ، فإن سكنت إلى العناق وأنت في أقصى حالات الودّ والصّفاء فخف من الفراق ، وهو تعبير غريب .. فكيف وهو في أعظم حالات الّلقاء يخاف الفراق ؟ .. فأجابه بصورة ، حيث أوجد علّةً خياليّة لعلّةٍ طبيعية .

العلّة الطبيعية هي أنّ الشّمس تصفرّ عند الغروب ، لكن هل تصفرّ لأنّها تفارق الدّنيا ؟ .. هل تصفرّ الشّمس لأنّها تخاف الفراق ؟ .. هذا هو خيال الشّاعر ، هو يزعم أنّ الشّمس تخاف وتخشى من مُفارقتها للدّنيا فتصفرّ رعباً ، لذلك يقول :

إذا كانت الشّمس على عظمة قَدرها تصفرّ خوفاً من الفراق ، فينبغي عليك أن تخاف من الفراق ، حتّى وإن كنت تعانق محبوبتك .

وهنا نوعٌ من الإطراف مع نوع من التّفكير ، فالعادة أنّ الإنسان لا يُفكّر في الضّد وهو في طرف النّقيض ، فهو لا يُفكّر في الفرح وهو يبكي أو العكس ، فالشّاعر هنا يقول له :

فكّر في ذلك لأنّ الشّمس تصفرّ رعباً من الفراق ، فإذاً حتّى لو كنت معانقاً فينبغي أن تخاف من الفراق .

فالبيت الأوّل فكرة أو معنى أو صدق ، أمّا البيت الثاني فهو خيال أو شكل ، فهنا أنا أُصوّر فكرةً في شكل ، وهذا يعني أنّني أفسح المجال للفكر وللمشاعر دون حدّ بأن توضَع في ثوبٍ خياليٍّ أو تخييلي ، لأنّ التعبير بالصّدق عن الصّدق يصبح خطابة أو نثر ، فإن عبّرت عن الفكر بالشّعر فأنا أضيف إلى الكلام مُتْعةً ، لأنّ الكلام المألوف العادي لا يهزّ المشاعر فإن أضفت إليه الخيال كان له تأثيرٌ في المشاعر .. والأمثلة عند ( عبد القاهر ) كثيرة ، يقول الشّاعر :

الرّيح تحسُدُني علي    كِ ولم أخِلها في العِدا

لمّا هممْتُ بقُبلةٍ         ردّت على الوجه الرِّدا

يقولون : إنّ الخيال كالسّحر في فعله وفي إمتاع النّاس .. فالشّاعر هنا يزعم أنّه كان يهمّ بقُبلةٍ فهبّت الرّيح وغطّت وجه المحبوبة بالرِّداء ، فتضايق لأنّ هذه الرّيح منعته من القُبلة ، فماذا قال ؟ : جعل الرّيح من أولئك الذين حسدوه على محبوبته ، حيث قال ( تبيّن لي أنّ الرّيح تعاديني وتحسدني عليكِ ، وكلّ الوجود والطّبيعة تحسدني عليكِ ، لماذا هذا الاعتقاد ؟

لأنّه لمّا همّ بالقُبلة هبّت الرّيح فغطّت وجه المحبوبة بالرّداء وحالت دون القُبلة .. والآن هل هبّت الرّيح لكي تغطّي الوجه ولتحول دون القُبلة ؟

بالطّبع لا ، هذا يعني أنّ الشّاعر يسّ بأنّ كلّ شيءٍ في الوجود يُراقبه ، ولذلك خيّل لنا الفكرة على هذا النحو ، فالبيت الأوّل فكرة أو معنى ، والبيت الثاني صورة أو شكل .. فتصوير الفكرة بصورة مطلوبٌ ، وتكون العلّة الطبيعية معلّلةً بتشبيهٍ طبيعي ، يعني هبوب الريح علّة طبيعيّة لكنّ الريح لا تهبّ لما زعمه الشّاعر فهي تهبّ لأمرٍ آخر .. وهنا أيضاً :

يا سالباً قمرَ السّماءِ جماله

ألبسْتَني للحزنِ ثوبَ سمائِهِ

أضرمتَ قلبي فارتمى بشرارةٍ

وقعتْ بخدِّكَ فانطفتْ في مائِهِ

يقول الشّاعر لمن يُخاطبه في البيت الأوّل : أنت سلبت القمر حُسنَه يعني أخذت حُسن القمر ، لكنّكَ أعطيتني سواد الّليل أي الحزن ، فهو يُعبِّر عن فراق محبوبته بأنّك أخذت الحُسن وأعطيتني السّواد .

البيتان هما في وصف الخال الكائن في وجه المحبوبة ، وهو وصفٌ عجيبٌ غريب لأنّه دار دورةً بعيدةً جدّاً ، حيث يقول لمحبوبه : أعطيتني الحزن ، فاحترق قلبي ألماً ، فطارت شرارةٌ منه ، وقعت في خدِّك الذي هو كالماء في النّعومة ، فانطفأت طبعاً الشّرارة فخلّفت الخال الأسود .

لكنّهم كانوا يُعجبون جدّاً بهذا الشِّعر على أساس أنّه خيالٌ بعيد ، وعلى أساس أنّه لعبٌ بالخيال .. لكن هنا فكرة وهي : الّلعب بالخيال إن كان كما يفعل ( أبو تمّام ) أي يوضّح فكرة ، فهو أرقى أنواع الخيال ، كما يقول ( الشّبلي ) الذي استشهد به عبد القاهر :

قضيبُ الكرْمِ نقطعُهُ فيبكي

ولا تبكي وقد قطعَ الحبيبُ

و( الشّبلي ) هو تلميذ ( الجُنيد ) ومن تلاميذ ( الحلاّج ) أيضاً وقد وقف متألّماً وهو يرى مصرعه ، وهو من العارفين الكبار.. وهنا يقول الشّاعر في البيت آنف الذِّكْر : عندما نقطع عود أو قضيب الشّجرة في الكرْم فإنّه يبكي لفراقه الأصل ، فيا أيُّها الإنسان أيكون القضيب أو الجماد أقرب منكَ إلى العاطفة؟

يعني هل يُعْقَل أن يكون قضيب الكَرْم أعظم عاطفة منك ؟ ، لأنّنا إذا قطعنا قضيب الكَرْم رأيناه يبكي لفراقه للشّجرة ، فهذه القطرات التي تنجم عن قَطع الغصن وهي قَطرات رسغ الشَّجرة ، افترض الشّاعر أنّ هذه القَطرات ليست قطرات الرّسغ وإنّما هي دموع الغصن لفراقه منشأه الذي هو الشّجرة .

وأنت أيُها الإنسان يقطعك الحبيب الذي هو الله سبحانه وتعالى ويُخاصِمك ويبعدك عنه ، فلا تبكي ولا تُبالي ولا تهتم ، مع أنّك تُقطَع عن أصلك ومصدرك ومنشئك .. وهذا البيت يحتاج أحياناً إلى مُجلّد لِشرحه ، لكنّ الشّاعر أوجزه في صورة ، وهنا عظمة الشّعر أي أن يُفكّر لك الشّاعر ، وذكرنا  سابقاً أن تعريف الشّعر هو : ( التّعبير أو التّفكير بالصّور ) .

فالشّاعر هنا يُفكّر بالصّورة ، يعني يعرض لك منشأ الإنسان أو ضرورة منشأه أو كما يُفتَرض هو منشأه ، في صورة صغيرة هي قضيب الكرْم .. والجدير بالذّكْر أنّ الشّاعر ( جلال الدين الرّومي ) كأنّه أفاد من هذه الفكرة ، فأوّل قصيدة في ديوانه ( البثنوي ) الشهير – الذي هو خمسون ألف بيت – وهي : ( استمع إلى النّاي كيف يبكي من ألَم الفراق ) .. فيقول الرّومي : إنّ نغمات النّاي هي بكاؤه حنيناً إلى الغاب الذي قُطِع منه ، ومن المعروف أنّ نغمات النّاي حزينة ، وأنّه لا يعطيك نغماته بسهولة ، فهو يحنّ إلى الغاب الذي قُطِع منه .

والإنسان ينبغي أن يحنّ إلى المصدر الإلهي الذي قُطِع منه أيضاً قياساً على النّاي ، يعني لا ينبغي أن يكون النّاي أشدّ عاطفة من الإنسان ، أو أن يكون قضيب الكرم أشدّ عاطفة من الإنسان .

وهنا ( تفكيرٌ بالصّور ) ، فلو أعطيت هذا البيت ( للظاهريّين ) سيقولون لك : هذا كذب ، هنا الشّعر ليس كذباً أبداً ، هنا تخييلٌ للفكر لكي يُفهَم ، لأنّه من الصّعب أن نتحدّث عن المنشأ الإلهي وعن الفراق وإن لم نأت بهذه الصّورة ( صورة الكَرْم ، أو صورة النّاي )  أو أيذ صورة عبّر عنها الشّعراء .

إذاً ، أن أعبّر عن المعنى بصورة كما قال ( عبد القاهر ) ، هو خير ما يمكن أن أفعله لكي أكون صادقاً ، ولو بدا شكل الشّعر كاذباً في الظّاهر .

والصّدق هو الأصل وهو الّذي ينبغي أن يُطلَب في الشّعر ، وليس الكذب ، لأنّ الخيال وسيلة للتّفكير أو التّعبير وليست غاية .


المراجع والمصادر

تاريخ الأدب العربي – حنّا الفاخوري .

النقد المنهجي عند العرب – محمد مندور – القاهرة – 1948 .

تاريخ النقد الأدبي عند العرب – طه أحمد إبراهيم – القاهرة – 1937 .

نقد الشّعر في الأدب العربي – نسيب عازار – بيروت – 1939 .

ضحى الإسلام – أحمد أمين .

النقد القديم – الدكتور : عصام قصبجي – جامعة حلب .

*أديب وباحث من سوريا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق