حوارات المجلة

الروائي الجزائري بشير مفتي للمجلة الثقافية الجزائرية:

في بلادنا من الصعب أن يتركوا الأمور الجميلة تستمر

يعد بشير مفتي واحدا من الروائيين الذين فرضوا أنفسهم في السنوات الأخيرة، فهو غزير الإنتاج، يبحث عن خصوصيته عبر جملة من الشخصيات التي ترتبط فيما بينها داخل نصه الروائي، حيث يتكاثف السؤال الفلسفي إزاء الوجود والجدوى، والتي تختلج أفكار نصف شباب الوطن.. موقعنا التقى بالروائي بشير مفتي وكان هذا الحوار الحصري معه…

 تزخر رواياتك بالكثير من الأسئلة الوجودية، والصراعات بين أزمنة مختلفة يختلط مفهومها بين الراهن الزمني، والمتحرك النفسي المشدود إلى التراكمات تارة وإلى الرغبة في التحرر منها. هل ترى أن الأسئلة داخل النص الأدبي كافية لتقريب مدلولات النص من القارئ؟

مفتي بشير: لا أدري ماذا ينتظر القارئ من النص الروائي؟ خاصة في سياق كسياقنا، مازلنا نطرح فيه سؤال جدوى الكتابة في مجتمعات عربية لا تقرأ، أو القراءة فعل غير مترسب في سلوكها اليومي، ولعلي لهذا السبب لا أعرف لمن أتوجه بكتاباتي ومن جهة ثانية أعتبر ذلك فرصة فليس هناك اكراهات خارجية تملي على الكاتب ما يريد كتابته، إنه حر وطليق وتظل علاقته بالكتابة علاقة هواية بالدرجة الأولى. وليس علاقة احترافية مادام لا يستطيع أن يعيش بالكتابة فقط مثلما هو الشأن مع العديد من الكتاب الغربيين بالخصوص. فيما يخص سؤالك أظن بأن الأسئلة التي تطرح داخل الرواية هي بالدرجة الأولى محاولة لاثارة انتباه المتلقي للسؤال في حد ذاته مادمنا نعيش في بيئة يغلب عليها اليقين في كل شيء، وثقافة الاجوبة، والنمطية في النظر إلى العالم، وهذا ما يجعل شخصيات روايتي قلقة ومتوترة، فهي تحس بتصدع بين أناها والعالم الذي يحيط بها، إنها في معركة مستمرة لاثبات فرديتها، واخراج ذاتها من الوصاية، وهي بذلك شخصيات هامشية حتى لو كانت في الاغلب الأعم مثقفة، والمثقف في حالة اغتراب لانه يشكل ذلك الوعي الشقي للمجتمع. طبعا انا لا افكر في هذه الأمور كتبت حتى الآن سبع روايات وبدأت تتضح لي على الأقل بعض الخطوط العامة لمشروعي الروائي، واضع كلمة مشروع بين قوسين فليس في الأمر أي إدعاء، ولكن أعتقد بان هناك ما يجعل رواياتي مختلفة عن باقي المتن الروائي الجزائري من حيث أنها راهنت بالفعل على السؤال الداخلي للكينونة، وعلى المغامرة المفتوحة للرواية كشكل متعدد وغير أحادي الطرح.

ثمة ما اصطلح على تسميته داخليا بالرواية الاستعجالية، ألا ترى أن هذا المصطلح ظلم للتجربة الرواية الحديثة في الجزائر؟

مفتي بشير: لا أعلم إن كان ظلمها أم لا خاصة وأن هناك من تبنى هذا الطرح ودافع عنه، وكتب وفق هذه الرؤية للكتابة كعمل استعجالي لصد البربرية الظلامية كما سميت حينها، الكتابة كمقاومة للعنف، وشهادة على الواقع..الخ بالنسبة لي شخصيا كان يزعجني المصطلح أو التسمية فقط عندما نزج فيه جميع الكتابات الروائية التي ظهرت في فترة التسعينيات وأعتقد أن هناك إجحاف حقيقي لأن أعمالا كثيرة لم تكتب في هذا الإطار وكان لها أفق آخر، غير أن تقييم ما كتب روائيا ببلادنا لا يزال بحاجة لقراءة منصفة وجديدة، وللأسف يبدو النقد بعيدا عن هذه المشاغل وغير معني بها كثيرا

 أنت تنشط في منشورات الاختلاف. كيف تقيم أداء ” الاختلاف” بعد مرور سنوات على وجودها؟

مفتي بشير: في منتصف التسعينيات كانت الحاجة ماسة وضرورية لتقديم تجربة جديدة في المشهد الثقافي الجزائري الذي كان يعاني من فقر في كل شيء، وهجرة مفزعة لنخبته، وصمت كبير لأدبائه، أسسنا الاختلاف لتقديم خط ثالث غير تابع للسلطة وغير ميال للتصالح مع الأجيال السابقة، التي كنا نحملها كل أسباب الخراب الثقافي زد على أنها كانت نخبة تابعة للرسمي، وعاشت عقودا بأكملها وهي تقتات من وصايته كنا نريد القطيعة مع من سبقنا، وطبعا كنا شباب ولم يكن يهمنا إلا أن نحقق وجودنا على أرضية مفخخة، يأكلها العنف والبؤس الثقافي المجحف. لقد حققنا بالطبع أشياء ثمينة، فاجأت الجميع، في ظروف صعبة وقاسية، ومحيط ثقافي معاد لنا، كانوا يسموننا الخلاف وليس الاختلاف، غير إن ذلك لم يزدنا إلا إيمانا بما كنا نقوم به، وأظن أنه بفضل الاختلاف ترسخ الصوت الجديد في الكتابة الجزائرية، وأعطينا له منفذا ليتجلى ويعبر عن وجوده بكل جرأة وصراحة.

 هل ترى أن منشورات الاختلاف استطاعت أن تسد جزء من الفراغ من خلال عملية النشر والتوزيع، على غرار ما فعلته منشورات خاصة في دول مجاورة كتونس مثلا؟

مفتي بشير: عندما بدأن النشر في جمعية الاختلاف يجب أن تعرف بأن طبع كتاب كان مستحيلا للغاية، ومع ذلك قمنا بالتجربة، طبعنا كتبا كثيرة أحيانا بفضل دعم بسيط كنا نتلقاه وأحيانا بالديون، أتذكر أن رواية “الحمار الذهبي” التي ترجمها المرحوم أبو العيد دودو طبعناها بالدين، كنا نغامر وننتظر، ننتظر ماذا؟ أن يعترف لنا على الأقل بأننا نقوم بجهد حقيقي وأننا نعمل من أجل أن يكون لنا مكان تحت الشمس، وأننا نقوم بهذا تطوعا وليس كعمل نتقاضى عليه أجرا، كان الأمر أشبه بحلم جميل يحفزنا للتقدم دون خوف. ولا أخفيك بأنني شعرت بثمرة ذلك العمل الجبار عندما تمكنا من المشاركة لأول مرة  في معرض الدار البيضاء للكتاب بالمغرب الشقيق، هناك عندما شاهدت الكتاب المغاربة يثنون على كتبنا وهم يتلقفونها بإعجاب، ويمدحون حتى الشكل والغلاف لقد سعدت حقا أما بداخل البلاد فالجحود بقي مستمرا ومؤسفا للغاية.

 لعل أهم ما يمز “الاختلاف” أنها تعاطت مع أهم جائزة روائية جزائرية، وهي جائزة مالك حداد التي استطاعت أن تفتح الباب لأسماء روائية أصبحت تنشط اليوم على الساحة الثقافية العربية. كيف تقيم جائزة مالك حداد التي أثير حولها الكثير من اللغط؟ ولماذا يبدو رجوع الجائزة إلى النشاط أمرا صعبا؟

مفتي بشير: كانت تجربة جميلة جائزة مالك حداد، وكنت أظن أنها ستنجح وتترسخ وتستمر ولكن في بلادنا يجب أن نعترف بأنه من الصعب أن يتركوا الأمور الجميلة تستمر، وللأسف قامت أحلام مستغانمي بسحب الجائزة أو توقيفها فلست أدري، ومن جهتنا نحن، مادامت هي مؤسستها وراعيتها المعنوية وليس المادية قبلنا هذا القرار ولكن بتحسر كبير.

 بعض الأسماء الروائية التي حصلت على الجائزة طارت بجناحيها بعيدا في عالم الكتابة الإبداعية وصارت أكثر شهرة خارج البلد، أليس هذا سببا كبيرا كي تتحول الجائزة إلى تقليدا ثقافيا حقيقيا ومنتظما؟

مفتي بشير: كان من المفروض أن يحدث هذا بالفعل، أن تصبح  تقليد ثقافي يلقى الدعم من الجميع، ولكن كما أخبرتك في بلدنا المشاريع الجميلة تجهض إما لأنها ترفض أن تكون تابعة للوصاية الرسمية أو لأن مستوى بعض الكتاب يمنعهم من أن يكونوا موضوعيين اتجاه من يختلفون عنهم، بصراحة عندنا عقلية “التكسار” و”الحسد” وهي أمور تجعل العمل الثقافي المستقل رهان صعب للغاية، لأنك في النهاية ستتساءل لماذا أناضل من اجل هؤلاء؟ وما الغاية وهم يعملون لتكسير وتحطيم مشاريع مهمة ومفيدة للثقافة الجزائرية داخل وخارج البلاد.

 بصفتك الروائية كيف تقيّم الأعمال الروائية الفائزة بالجائزة من الناحيتين اللغوية والبنائية الإبداعية؟

مفتي بشير: أنا دوري كان محدودا جدا، ليس لي علاقة بالتقييم، كنا نوكل ذلك للجنة قراءة من العالم العربي، لأنها أسماء محايدة وكنا نقدم لها المخطوطات بدون اسم الكاتب، وهم كانوا يختارون وفق معايير نقدية النصوص التي يرونها الأفضل ضمن المسابقة، ونحن في الاختلاف كنا نثق  فيهم، فناقدة مثل يمنى العيد أو نبيل سليمان أو سهيل إدريس رحمه الله أو إدريس الخوري هي أسماء كبيرة ولا تغش أبدا، ولهذا لا أحد كان يعترض على من يفوز بالجائزة، وكان العمل المتوج يلقى بالفعل الرواج الذي يستحقه على الأقل إعلاميا أما قرائيا فأصدقك، فالكتب لا تباع بالشكل الذي يظنه الكتاب أو يعتقدونه عندما ينالون جائزة مهمة.

 كيف يقرأ بشير مفتي التجارب الروائية الجزائرية الراهنة، على اختلاف مدارسها؟

مفتي بشير: هي كثيرة الآن، ومتنوعة، ومتميزة ، أعتز بأنني ساهمت من خلال تجربة الاختلاف في إبراز العديد منها، بلا حسد أو غيرة، لقد كنت افعل ذلك انطلاقا من إيماني بهذه التجربة وبضرورة أن يكون لها موقع في الرواية العربية، وأن لا يقتصر معرفة المشارقة بنا على اسم أو اسمين فقط، لقد كان تحديا وأظن نجحنا في تحقيقه، الآن الأمر بحاجة لغربلة نقدية، يجب أن يقوم بها الدارسون والنقاد، لأنه بعد التراكم يأتي النقد ليصنف، ويحوصل هذه التجربة بما فيها من إضافات ونقائص كثيرة، لا عيب في النقد ولا خوف منه، إنه بالعكس الخطوة التي تحتاج إليها الرواية الجزائرية كمكاشفة صريحة وضرورية.

 هنالك أيضا ظاهرة الرواية النسوية بالمعنى الإبداعي، (التي لا تعني نسائية بالمعنى الأنثوي)، كيف يقيم الروائي بشير مفتي السرد الروائي النسوي في الجزائر؟

مفتي بشير: لا أستطيع تصنيف الإبداع بالفعل النسوي أو ذكوري، الإبداع هو الإبداع، ولهذا لا تشفع النسوية للأدب في أن يصبح مهما أو غير مهم، لا هذا خطأ كبير نقع فيه كثيرا، بالنسبة لي من المهم أن تثبت المرأة نفسها إبداعيا رغم الظروف القاهرة التي تجعل ذلك أمرا في غاية الصعوبة، ولهذا الأسماء التي تبرز لا تستمر، ومن الصعب إعطاء رأي حول تجربة لا تستمر في الإبداع.

 ماذا تقصد بأنه من الصعب إبداء رأي حول تجربة لا تستمر في الإبداع؟ ألا ترى أن هذا إجحاف لتجارب أدبية موجودة فعلا ومستمرة فعلا؟

مفتي بشير: أقصد أن هناك كتاب لا يستمرون في الكتابة أو أن حضورهم يصبح مرتبط بنص واحد ولهذا يصعب تتبع مسار هذه الكتابة ومسايرة تحولاتها وليس قصدي، الإساءة بطبيعة الحال، أنا احترم كل من يكتب وكل من يؤمن بالكتابة..

 لعلي قصدت السرد الروائي النسوي في الجزائر، والسرد النسوي مصطلح لا يعيب الأدب الذي تكتبه امرأة على حد تعبير الناقد الكبير عبد الله إبراهيم، وسؤالي هو ما رأي بشير في السرد الروائي النسوي، ومن هن الكاتبات اللاتي يرى بشير مفتي أنهن يصنعن شيئا متميزا في عملية الكتابة الإبداعية؟

مفتي بشير: أنا تعجبني فضيلة الفاروق وياسمينة صالح وزهرة ديك وسارة حيدر وهناك من لا اذكرهن ولكن على العموم روائيا هناك تجارب جيدة ولكن المناخ الذي نعيش فيه ربما هو الذي يحبط الاستمرارية في الكتابة..

 أصدرت مؤخرا رواية ” دمية النار”، ما هي الرسالة التي يرى بشير أنه قدمها من خلال نصه الروائي الجديد؟ وهل ترى هذه الرواية إضافة نوعية بالنسبة إليك؟

مفتي بشير: لا أؤمن بالرسالة، في الرواية هناك عمل على مستويات عدة، بناء الحكاية وطريقة سردها، اللغة التي تكتب بها، الشخصيات، ومضمون الحكاية، وبالطبع هناك ثوابت ومتغيرات، ثوابت في رؤية العالم ومتغيرات في طريقة تقديم العالم، الذين قرؤوا رواياتي السابقة يشعرون بالاختلاف بين عمل وعمل، مع أنهم يقرون بأن هناك شيئا ما يربط كل هذه الأعمال، خيط بالتأكيد متواصل، مستمر، إنه روح الرواية، السؤال كما ذكرت، المواجهة الدائمة بين النور والظلام، اللبس المتعمد بين الحلم والحقيقة.. “دمية النار” هي حكاية رجل ابتلعه الظلام، وبالرغم من مقاومته له إلا أنه يتحول في نهاية الرواية لجزء من هذا الظلام، والظلام ليس هو فقط ظلام الخارج ولكن ظلام النفس، القلب، الروح، ظلام يخرج من الداخل، ويلبس لبوس الخارج، ومن فرط ما غصت في ذلك الظلام كنت حتى أنا الكاتب أتساءل قبل قارئي وأين النور الذي يجب أن ينقدنا من كل هذا الظلام؟. أين النور؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق