الجمعة , أكتوبر 20 2017
الرئيسية | الموقع | كلمة التحرير | لفخامتك أيها الشعب….,!!!

لفخامتك أيها الشعب….,!!!

كانت العبارة تلك غير العبارة واللفظة غير والدلالة غير إذ ينطق بها ملك المغرب الحسن الثاني مخاطبا شعبه على النحو الذي يتأنق فيه، ملبسا وإكسسوارات ولوازم إعراب وتأنيث وتذكير ثم كان يعود إلى سطر الخطاب كي يقول ثانية وألف مرة في ألف خطاب”شعبي العزيز”، جمع هذا الملك العربي خصائص اللغة وتخصيصات المواضع وأساليب التأثير حتى يأمنه الناس إلى حين، يأمنون لغته، أسلوبه المشبع بروحية ديكتاتور قروسطي، يأمنون مكره الذي درج عليه وتربى وأينع فيه حتى بلغ عتو العمر وعتوّ الخطاب ذاته وعتوّ النظام ذاته إذ النظام أيضا يشيخ.. 

لم تعد هذه الطبائع السياسية الكلامية تؤتى ولم تعد هي المفضلة لإنتاج الإقناع المنشود لأن زمن أم كلثوم السياسي انتهى، المعلقات العشر وهي تنشد خصال قائد المسيرة انتهى زمنها، حنان الحاكم اللطيف على شعبه ومفرداته الرقيقات انتهى وغير ذلك انتهى أيضا… شيء ما كان يفصل ماضيا تليدا بديعا عن حاضرنا هذا السمج المقرف الوضيع هو الكلمة، حسن إتيانها، حسن تبسيطها، حسن النطق بها وحسن التلاعب بها إذ يرضى بها الناس فيهرعون إلى بيوتهم آمنين وعلى رؤوسهم تيجان ونياشين وبلابل وطيور وادعة، لم تكن الكلمات تؤتى إلا على نبض يزنها ويزن مقاديرها، كاذبة هي حتى وتقبل التصديق فلطالما كذب الطبيب وصدّقه المريض لأن آنئذ حصل التقبل والتلقّي في اللحظة التاريخية المطلوبة بين الشعب مصدر السلطات كلها وإن انعدمت حقيقة وبين الحاكم الضعيف المسكين المتهاوي الذي أرغم على سدة الحكم كي يكون هو المهدي والمخلص والشيخ الضرير الذي يقود أمته كي يخرجها من ظلمات محاكم التفتيش إلى ساحات التنوير والعصرنة والحضارة، آنئذ كان يقع ائتلاف سياسي وروحي وفكري حول الكلام، اللغة، الأسلوب، والمجايلة عندما ينتمي الشعب خاصته وعامته إلى عمر الحاكم وخياله وبنيته الجسديّة فلا هرم ولا سقم ولا عطب في الشعب وكذلك يتماهى الحاكم في “الحالة” بلا فارق يذكر وفاصل يباعد ومساحة تتكابر…
أي مسؤول اليوم أمير أو وزير، مراقب مستخلف أو ضابط برتبة نجمة واحدة، خفير بلدية أو سفير حقيبة ملأى بالشؤون الخاصة، أيّهم يخيّر النقطة والفاصلة والفقرة ومن ثمة الكلمة حتى يقترب أكثر وحتى يراه الناس أكثر..
إن الجواب مطمئن فهو بللاّ.. لأن الكلمة روح وخيال وجسد وقربى ووصل ولا يملك هؤلاء المتدبرون القائمون على شؤون ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا هذه الموهبة، موهبة التواصل العفوي، الحضاري، المهذّب، الأنيق، فإما خبط عشواء دائم على طاولة الخطاب أو نظرات غمز ولمز ناقصة غائمة أو باطنية دمينة تشي بالجملة الفضاحة “شعبي العزيز، كم أكرهك”..
لقد كان الرئيس الفرنسي السابق نيكولاس ساركوزي يقول “لازلت أحدق في المرآة، أي في وجهي صباح كل يوم كي أتحقق من كوني أصلح أو لا أصلح لقيادة فرنسا الديغولية العظمى” وكذلك فعل هؤلاء كلهم الذين احترموا الزمن والوقت والجيل والمعرفة والحضارة والجسد والخيال والقوة والضعف والتضعضع والتآكل والمرض والمصير والقدر والخطأ والخطيئة والشجاعة والحب والإنسانية والسقوط والنهاية والله والملائكة والناس أجمعين، من جورج بومبيدو إلى فاليري جيسكار ديستان إلى فرانسوا متيران إلى جاك شيراك إلى نيكولاس ساركوزي وفعل صغارهم الأمر سيان من الاحترامات والآداب والفضائل عبر الرقي الإنساني الممكن، عبر الإقرار بالخطأ والفواجع، وعبر الكتابة والعمل الخيري والإسهام في الفرجات والتسليات في خاطر الشعب ومن أجل ضميره وضميرهم وليس فقط بالذهاب إلى العزائم والأعراس وطاولات اللغو وعشاءات البذخ السافر..
الآن وقد ران على الشعب ما ران من صدأ وعتاقة وبؤس حال، بؤس حال لغوي، بؤس حالات معرفي، بؤس حال اجتماعي طبقي، بؤس حالات في كل شيء وفي كل ميدان وإزاء كل موقف، فتتقدم هذه العبارة، السيّدة، المطلقة السراح، النابعة من الوجدان باحثة عمن ينطقها بصحّ، بصدق يقترب من الأفعال ويقترف بها ويحملها على كتفه صخرة سيزيفية أبدية كشقاء الشعب، “شعبي العزيز” ..
لقد بدوا كالدراويش، المبشرين، الخلاصيين، مدعي نبوءة وإنقاذ وماسكي خيوط غيب على إيقاع شئت ما شاءت الأقدار، ليس من بينهم كيّس فطن، حذر ملاق رباه، عقلاني محاجج يتكلم عن غير هوى حزبي أو مناطقي أو فئوي أو أمني أو ديني أو ماضوي أو شهدائي أو مؤامراتي، بل إنهم متحالفون عن بكرة أبيهم في نظم النص، لغته، وأسلوبه، رنينه، وقعه، مصدره، بابه الخلفية، أفقه البنفسجي، حتى يتمنى الواحد فينا أن يخبطه أول عمود كهربائي، تشابهت أقوالهم، أفعالهم، خطاباتهم العرجاء، ووعودهم الربيعية، وقد صار لكل ربيعه، رغم أن سنة الكون والطبيعة قضت أن يكون للعام فصول، شموس وليال، غروب وخريف وشيخوخة، صيف وحرقة وضياع لبن كما قالت العرب قديما، وشتاء وأنواء وثلج وبرد ومواقيت أخرى ومن كثرة خوفهم من الربيع صار ثمة من يعبد الربيع كما كان سابقا من يعبد الشمس والقمر واللاّت والعزة..
طفح كيل الشعبويات الرثة واللغة المدغولة والأشكال التي تنسى من فرط وفرتها وكثرتها، وما ظن أحدهم أنه سيسأل عن كلماته فيما أنفقها وعن خطاباته من أجل من ضللّ بها، وتعاون مع من مناوئا لها وتآمر لحساب أي واحد منهم أو فيهم حتى يحرفها عن مواضعها قليلا وكثيرا، التغيير، الربيع، العدالة، التنمية، الفجر الجديد، الإصلاح، الوطني، الديمقراطي، التجمع، نوفمبر، الشهداء، ألف من المفردات أو تزيد مقروءة بعربية رديئة أو بفرنسية نفسها لا يملك أصحابها الخيال السياسي الكافي كي يكون غدهم أفضل من أمسهم، وهلم جرا..
لقد قلت لصاحبي سترى أن المعركة هذه ليست هي إلا معركة الفلول مع الفلول كما يقول اليوم مصريو ميدان التحرير، معركة الرمز والسيمياء واللغة والكلام، وأن الجسم المريض اليوم مسّت عدواه أجساما كثيرة ولا أحد اتكل على اللّه رب العالمين فمدحه وشكره على ما أعطاه من صحة وعافية وقدرة حتى يجدّد ويعقلن ويحدثن ويفكر في طفرة تاريخية واحدة تذرو الهشيم وتمسح الشائب وتعيد السائب إلى الحقل، حقل المواليد الجدد، وكل له أصله وفصله، فرعه ومنبته..
شعبي العزيز لا أقول إنهم ضحكوا عليك أو منك أو بسببك، بل ربما كنت أيضا أنت من يضحك، ويتوارى خلف حزنه فيضحك، ويتطلع في الصور والتعريفات والأجزاء المستنسخة فيضحك حتى أول الفجر بغده وما بعد غده، لكن هو الحق وهي الفضيلة وهي شرعية الشرعيات أن تطلب منجاتك وملاذك لا في التعاويذ والحروز ولا في بيانات رجال المطافئ الجدد ولا في الكلمات المفرغة من حنانها ونبضها وياءات نسبتها بل من العلم، العلم بالظواهر والمكنونات، بالتعلم والقراءة والتعرف إلى أسرار الحضارات والأوطان، بنقد الأرقام والحسابات المعطاة سلفا، المكتوبة قبل إنجازها، لقد آلوا على أنفسهم وتعهّدوا بالعناء من أجلك كي يزرعوا الرعاعة فيك، رعاعة الدين والسلوك والنسب حتى يمروا كي يمروا، إنها معركة أخيرة على هذا الكوكب لا تقوم بالعزاء والتواسي بالأوطان المنكوبة الممنوحة ولا بالتواسي بنادي الدول السائرة في طريق التخلف الأبدي بل بالتواسي والتواصي بأخيار الأمم وأشجعها في أوربا الجارة القريبة التي نحبها جدا ونحب لذائذها في العيش والذوق والثقافة، وفي آسيا حيث الروح والطاعة السليمة والتربية..
ولنا أن نفكر في عمر استقلالنا القديم وعمر معجزة اليابان، وإنه جان جاك روسو القائل…”إن القوة هي التي أوجدت العبيد الأوائل، لكن جبنهم هو الذي أطال وجودهم كعبيد، إن السلاسل تفقد العبيد كل شيء حتى رغبة التخلص منها…”..

عبد الوهاب معوشي*
كاتب جزائري

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

الجزائر تسدل ستار العام على مشهد ثقافي معتاد

هل شهدت الجزائر في عام 2016 أي تطور نوعي في الحياة الثقافية والفنية الجزائرية على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *