قراءات ودراسات

التجريب قي رواية (جدران مرتفعة بلا ظلال) للسيد نجم

بقلم: د.محمد على سلامة

رغم شعوري بالإرهاق فى عيني اضطررت إلى قراءة النص إلكترونيا اعتزازا بأعمال السيد نجم، كما أن جمال الرواية جعلني أتابع القراءة باهتمام.. بداية هذه الرواية أخدت مني الكثير من الوقت والتأمل لمتابعة الأفكار المطروحة بين ثنايا النص، والبحث عن كيفية صياغة تلك الأفكار فيها. ذكرني النص بالكاتب محمد مستجاب عندما كان يختار شخصية ما من قريته ويبني حولها النص.. وعادة تتسم تلك الشخصية بالغرائبية .

هنا تبدو شخصية فرحان الجيزاوي في رواية السيد نجم على قدر كبير من الهوس الجنسي مع الاستهانة، ما يشبه ـشخصية الأبله للكاتب الروسي ديستوفسكي.. هنا هذا الفرحان لا يبدو متوافقا مع الواقع من حوله.. منذ النشأة بدار رعاية الأيتام، مرورا باستغلال العقيد له وجعله وسيلة ما في عمله، إلى اختفائه في ظروف غامضة بعد أن عجز فى تحقيق أيه إنجازات أو نجاحات في حياته.

بداية من دار رعاية الأيتام، وما كان وبان له في الحارة الخلفية التي يطل عليها مبنى الدار.. سواء مع الباش حكيم ذلك الممرض الذي يمارس الرذيلة وليس التمريض، ثم الكودية بمماراسات غامضة مع حفلات الزار ، كما رصد ما يحدث في الحمام الشعبي وخصوصا مع “جميلة” المشرفة في الدار!

وعندما تمرد فرحان وهرب بعيدا عن الدار، اكتشف عالم الحارة الرهان لمباريات كرة القدم في الجيزة وتعلق يالكابتن العجوز مجهول الاسم كما كل الشخصيات إلا من “فرجان الجيزاوي”، ثم البقاء نحت الكوبري مع ـأولاد الشوارع.. حتى كانت المصلحة الحكومية التي عمل كافتيري فيها، وبالرغم من كل تلك التنقلات المكانية والزمانية تمكن من الدراسة وحصل عن شهادة معهد التعاون وبدأ رحلة العمل الصحفي.. وأيضا غالبا مع الصحافة الصفراء وعميلا للعقيد دون أن يعي أن العقيد يوظفه في مهام لا يفهم مغزاها!

لا يجد القارىء تبريرا لكل ما يقرأ ويطالع في هذه الرواية سوى غياب الوعي، وطرح العديد من قضايا المجتمع وان بدت قضية الحرية هي الأكثر حضورا بشكل مباشر وغير المباشر، تلك التي تناولها الكاتب بشكل مباشرة، حيث قدم تعريف الحرية الفلسفي وبلسان وقلم الكاتب، وكأنه أراد أن يقول بهذا القدر من المعلوماتية يقينه بأنه يرجو الحرية للشخصيات التي يعيش بينها ومعها فى النص.

الملاحظة الأخرى التي أريد الإشارة إليها هي أن الكاتب لم يذكر أي اسم لشخصياته سوى فرحان، وحتى اسم فرحان به المفارقات الكثير سواء فى دلالته المباشرة أو الشخصيات من حوله! ندور حوله الحياة ولا يعرف لماذا؟ ففي الحمام الشعبي يري الجميلة مشرفة الدار بالرغم من كونه صغيرا ولا يتصف باة صفات جسدية مغرية!.. والكثير من التناولات في النص نقول إن تلك الشخصية ليست واقعية بل هي من اختراع أو ابتكار الكاتب.

استخدم الكاتب تقنية الاسترجاع .. يطرح ذلك المستقبل المبهم، والخوف ستار خفي ظاهر في حياته، فنلاحظ كل من يساعد فرحان يستغله، بداية من زملاء الدار من الصبية الأشرار الذين يتسمون بالعنف أحيانا، إلى المشرفات وجيران الدار في الحارة ، ثم حتى بعد أن نال شهادة تمكنه من العمل الصحفي، لم يفلح في إنجاز يضيفه إلى شخصه، ولم يكن العقيد أخرهم ، وكأنه أب الكاتب أراد أن يعبر بعدد من الملامح والإشارات عن المقولة .. إن ثورة يناير كشفت عن أسوأ ما بداخلنا!

أظن أن تلك الرواية هي رواية تجريبية، ومع ذلك يبدو القديم بارزا في كون فرحان الجيزاوي هو الشخصية المحورية التى تقوم حوله الأحداث، ومع ذلك فهو بطل غير حقيقى! فالقامات التي يتعامل معها هو من يحركها بداية من مديرة الدار (السمينة البيضاء كما القط الذي يلهو في الحارة حرا سمين الجسم وأبيض اللون أيضا) والمشرفات والكابتن والممرض والكودية وحتى الصحفي الذي سعى إلى تعينه ومع ذلك وقف مع الباشا صاحب الجريدة بعدم إعطائه (اعطاء فرحان) عضوبة النقابة (نقابة الصحفيين).. وهكذا!

وتبدو النهاية على مفارقة مثيرة.. يقول الكاتب: ص125 (كلهم يعبرون عن قلقهم وغضبهم.. راج بينهم جميعا أنه ذهب ولم يعد.. لأسباب لم تكشف عنها الصحف ولا دفاتر الشرطة ولا ثلاجات المستشفيات ولا مشرحة زينهم ، ويقسمون بظهور فرحان الجيزاوى مرة أخرى لم يبق سوى الإجابة عن السؤال ربما السؤالين: متى يجيء ؟ وكيف يجيء؟)

استخدم الكاتب تقنية الاسترجاع في بناء الرواية، حيث عرض مشاهد متعددة وغير متتالية زمانيا ومكانيا، مما بدت معه الرواية مجموعة من اللوحات المتجاورة أفقيا، والمتراكمة رأسيا لبناء جذاب وغير ممل ولا ممتد في غير ضرورة.

تبدو الرواية تجريبية في النهاية، فتبدو وكأنها قديمة حيث تتشكل حول محور فرد ما، ـولنقل حول بطل، إلا أن البطل غير حقيقي، وكل من تعامل معه من القامات مثل المديرة والصحفي الكبير والسباسي صاحب الجريدة ثم العقيد وحتى المشرفة الجميلة، واضح أن فرحان هو من كان يحركهم والفاعل الحقيقي وراء الأحداث.

أما (الجدران) فى العنوان تتضح دلالاتها مع قراءة النص، فكل الشخصيات التي تبدو قامات كبيرة هشة وفرحان مضعضع الحال هو الذي يحركها.. وهو ما يبرر أن الوحيد الذي له اسما هو (فرحان) وكل الشخصيات بلا اسم يعرفون به!

ولا أمل في النهاية، وهو ما عبر الكاتب عنه في نهابة النص بالاختفاء مع التساؤل هل سيجيء فرحان؟ لكن كيف يجيىء ومتى يجيء؟!

فى النهاية كتبت الرواية بلغة سهلة ومقبولة للقارىء العادي، أما الجزء الخاص بأقوال الفلاسفة فيبدو متعمدا وخصوصا لأنه يدور حول تعريف الحرية.. التي هي ضمن الأهداف البعيدة القريبة من النص التجريبي المتميز.

********

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق