ثقافة السرد

الخيانة

فراس ميهوب

كان في طريقه لخطبتها، حين التقى راتب، صديقه، وجار أهلها، الذي أخبره أنَّ أميرة قد خطبت:
– كنت أمام بيتهم بالصدفة، سمعت ضجيج ضيوف، وبطرا مبالغا به، وحامد.
– ومن يكون حامد هذا؟
– من لا يعرفه، أكبر تاجر سيارات، وابن أغنى رجل في البلد ؟!
مشكلتك يا صديقي، هي بعدك عن الواقع، لا تريد أن تفهم أن والد أميرة لن يرفض خطبتها لحامد، وسينسى وعده الشفهي بانتظار نهاية دراستك في الجامعة.
بين المال الوفير، والفقر المستطير، الخيار سهل.
رفض أيمن التصديق، ولكن فكره انفصل فورا عن راتب، وتمشى جسده هائما قرب النهر.
ابتسم لثقته بمشاعر أميرته، لكن بشره سرعان ما تبدَّد كغيمة صيف عابرة.
انقبضت شفتاه، وتقطب جبينه لا إراديا، بكى كطفل صغير، اضطر للقبول بالهزيمة دون حرب.
مدَّ يده جهة القلب، نزع الخنجر الذي طعنه، أحسَّ أولا ببرودة الحديد، ثمَّ بحرارة الدم، نظر فزعا، لم ير شيئا، مضى في طريقه.
انقضى ربع قرن، ترك جبلة نهائيا، ذلك اليوم الخريفي أصبح بعيدا جدا…
أيمن ذاك الشاب الخجول الفقير، مات تقريبا، وصار كاتبا مشهورا، حازت رواياته، وقصصه على أعلى المبيعات، و نجما على شاشات التلفاز، تتسابق على استضافته.
صار حديث الناس، كلماته البسيطة المؤثرة طرقت العقول، وهدهدت للأفئدة دون استئذان.
لم يك له حياة خاصة، رفض الزواج رغم تجاوزه الخامسة وأربعين عاما، في داخله جرح غائر، ما يزال ينزف بصمت.
أيمن أبو الوفا، صار أشهر من نار على علم، فاز بأكبر الجوائز الأدبية، وترجمت أعماله إلى لغات أجنبية، و حار النقاد في سرِّ صفاء كلماته، وقدرته الفائقة على الوصف.
كان أسلوبه سهلا ممتنعا، إن كتب عن الحب، صدقه المحبون، و إن كتب عن الحرمان، تأثر الفقراء، ولكن أجمل رواياته حملت اسم “وردة من الماضي”.
رنَّ هاتفه الجوَّال، كلمه شخص من رقم مجهول، تردد في الاجابة، لكنه قبل الاتصال أخيرا.
جاءه الصوت متوترا، ومقلقلا:
– أنا أيوب شقيق راتب، أريد إعلامك، لقد مات، مات راتب.
و أردف:
– حصلت على رقم هاتفك بصعوبة، حادث لعين، قبل أن يصل إلى البيت، انزلقت سيارته، وهوت في النهر.
لم يسمع بقية المكالمة، كانت علاقته المباشرة قد انقطعت مع راتب، منذ لقائه به عند النهر ذاته.
حمَّل أبو الوفا النهر المسؤولية كاملة، وتنصل هو منها، كانت أميرة، جبلة، النهر، راتب، الجميع كتلة واحدة.
فقد الكلَّ، و حياته الجديدة شيء مختلف عن الماضي، بل بالنسبة له حياة منفصلة لشخص آخر.
كان قد كتب في مقدمة روايته الخيانة: “تأتي أغلب آلامنا و أحزاننا كبشر من رواسب الماضي، ومحاولاتنا اليائسة استعادة، وإصلاح ما قد رحل أصلا.
أمام استحالة ذلك، فالأفضل أن نعمل في حاضرنا، ونصنع مستقبلنا، أو على الأقل أن نمتلك حلما ما.”
أدرك خطأه بالانقطاع عن صديقه راتب، مذ ذاك اليوم، أصبح بالنسبة له بوم شؤم، كلما تذكره، عادت إليه طعم الطعنة التي تلقاها.
– ولكن ما ذنب راتب، كان كلامه صحيحا، فوالد أميرة اختار العريس المناسب لها، من وجهة نظره.
بدأ بلوم نفسه، لم يفعل شيئا لينقذ حبه، لم يكن له حتى شرف الاعتراض، ترك أرض المعركة كقائد عربي مهزوم، وحمَّل المسؤولية للآخرين.
الغريب في الأمر، أنَّه لم يشعر بالغضب من أميرة أبدا، ولا يعرف حقيقة موقفها عشية خطبتها، هل بكت، واعترضت، أم استسلمت، أم أنها نسيت حبها له، وانقشع فورا بتأثير أضواء سيارة العريس الثري.
بقيت أميرة في نظره فوق شبهات الخيانة، و كأي أديب موهوب، كانت له حلما لا يريد أن يستيقظ منه.
لم تشغله الشهرة عن التفكير بها، فهو لم ينسها يوما، كان همه وهو ينهي كل كتاب جديد، أن تقرأه، وكلما شكَّ بأنها لم تفعل، كتب آخر.
ما كان يخيفه حقا أن يأتي يوم جديد، ولا يجد فكرة ، كصياد يبحث عن غزالة بيضاء نادرة، فلما اقتربت منه فجأة من خلف شجرة قريبة، مدَّ يده إلى جعبته ليجدها خالية من السهام، ومليئة بالخيبة.
ترك كل شيء، و ذهب إلى جبلة، كان سرادق العزاء ممدودا أمام بيت راتب.
جلس بقرب أيوب، و أمسك بيده معزيا، تذكرا معا راتب وأيام الطفولة، البدايات و الصعود، ولكن موته أعاد أبو الوفا إلى نقطة الصفر من جديد.
كان في خيمة العزاء عشرات المعزين، رمقوه بأعين الإعجاب، وبادلهم التحية باليد، بابتسامة، أو بحركة رأس.
لمحها تمرُّ أمام مدخل الخيمة، وتقصد الجناح المخصص للسيدات، شال أبيض حول الرأس، ونظارات سود، بذات الطول الفارع، والوجه الأبيض كأنه طبق ياسمين.
كانت تمشي وحيدة، أو من يدري، لم تك كذلك، ولكن عينيه لم تريا أحدا سواها.
فجأة، صار وحيدا في مجلس الرجال، انقطع اتصاله بمن حوله، ومن تلك اللحظة، لم يسمع ما قيل، ولم ير شيئا آخر، أبصرها بقلبه فحسب.
كم هي غريبة أطوار العاشقين، يقولون بألسنتهم عكس ما يضمرون، فتكذبهم المواقف عاجلا أم آجلا!
قادته قدماه إلى الخارج، اقترب من سيارته، همَّ بفتح بابها، لكن شيئا ما جذبه لينظر خلفه، إنها هي، وكأن الزمن عاد إلى الوراء.
– كيف أحوالك، أنت بخير، أميرة؟
بادرها بالسلام، كأنه رآها بالأمس، وكل ذاك العمر الذي انقضى لم يك إلا فراغا قصيرا جدا.
أجابته بلهجة اعتذارية:
– أنا الآن وحيدة، طلقني زوجي منذ سنوات، لأني لا أنجب.
هذا هو عبث الحياة، التي فرقته عن حبيبته، وأعطته الشهرة، والمال، ولكن كل شيء جاء متأخرا عن ميعاده.
كتب أبو الوفا في وسط روايته الخيانة:
“لا تختلف هزائمنا وخيباتنا عن أعظم النجاحات والإنجازات لشخص آخر، إلا بوقت الحدوث فقط، إنَّ المشكلة ليست إلا فرق توقيت، وقد يكون بسيطا ومحدودا، ولكن أثره حاسم، ونهائي، وقلب نتائجه مستحيل غالبا”.
“إنَ بعض المحبين يبتعدون كنوع من الاعتراض، ويظنون العودة ممكنة، وقريبة ، ولكنهم لا يدركون إلا بعد فوات الأوان، كم كانت الخطوة طويلة، وكم هو شائك طريق الرجوع”.
لم يعرف أيمن بماذا يجيب حبيبته السابقة، بل الدائمة، والوحيدة، عاد إلى عادته القديمة بالتلعثم، و لذلك فضَّل دائما أن يكتب ما يفكر به، وصمت عندما كان بحاجة ماسة للنطق!
تركها دون وداع، هذه المرة أيضا، سارت سيارته دون وعي تقريبا، وصل إلى دمشق، ولكن نسي قلبه وراءه، و ملأت رأسه حيرة مفزعة.
أخذته الأفكار شمالا، ويمينا، ضعفه الإنساني لم يفارقه يوما، ولكنه اليوم رغم نجاحه المذهل، والذي يحسده عليه كثيرون، لم يتغير، بل صار يراه دون مرآة، ويعترف به دون خجل.
قال لنفسه:
– ما المشكلة، أن تصل متأخرا، خير من ألا تصل أبدا، أنا ما زلت عازبا، وهي حرة من أي ارتباط ؟!
بدا الأمر سهل الحسم لأي مراقب خارجي، ولكن ما منع أبو الوفا من اتخاذ قراره؟
أهي عزة النفس، تجاه من تخلت عنه، وهي في زهرة شبابها وجمالها، بينما كان هو في قعر الضعف والفقر، أم هي عصبية شرقية مستعادة توجب عليه رفض من وجه له طعنة غادرة ولو كانت تلك التي سلبت قلبه إلى الأبد، أم شيء آخر يصعب فهمه، وتفسيره ؟!
أم هي أقدار الدنيا، وظلمها الاعتيادي للعشَّاق، بأحسن أحوالها تعطي بيد، وتأخذ بأخرى، أم أن الإنسان طماع، ويريد كل شيء منها، المال، والشهرة، الصحة وراحة البال، وفوق ذلك السعادة، و أخيرا و أولا الحب، ثم الخلود؟!
تلك الليلة، لم ينم أبو الوفا، كان عليه أن يختار بين أن يغير حياته، ويرتبط بأميرة، أو أن يواصل حياته الحالية، الصاخبة نسبيا، والحرة تماما!
تذكر موعده مع ناشر روايته الجديدة، بقي في نهايتها سطور قليلة، أصيبت قريحته بالعقم التام، عجز عن إيجاد جملة مفيدة، ماذا حدث له؟
كان فشله القاصم في الحب، شعلة متقدة لإلهام دائم، ولكن عودته للتفكير الجدي بالزواج من أميرة أقصى أفكاره الأدبية تماما.
اجتاحه سلطان النوم أخيرا، استيقظ بعد العصر بقليل، لم يتبق على موعده مع الناشر إلا ساعتين، كان قد وعده بتسليمه مسودة روايته الخيانة هذا المساء، ولم يسبق أن أخلف وعوده لأحد.
كتب آخر سطور روايته:
“الحب في حقيقته هو الحرمان ممن نحب، هو الشغف الآسر، والشوق الحارق للقلوب، أما الوصال، على الرغم من صخبه، وجنونه، فهو بداية الاعتياد، ونهاية الوجد”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق