ثقافة المقال

استخفاف الكاتب بالقرّاء .. غرور أم ثقة؟

نذير ملكاوي

ي مستقبل يبدو أنه غير بعيدٍ عنا، سيكتب الناس كتبًا لأنفسهم، يفتتحون مكتباتٍ لا يبيعون فيها سوى كتبهم؛ وبالطبع لن يشتريها سواهم. لو وردت مثل هذه العبارة في رواية ما، لاعتبرت ربما نوعًا من الفانتازيا – السمجة غالبًا – إلّا أنّه، وفي ظل دخول الكتابة مرحلة الإعلام الاجتماعي دخل الكتّاب أنفسهم مرحلة رماديّة  لم يعهدوها من قبل؛ إذ تقلّصت المسافة التي كانت تفصلهم عن القارئ إلى درجة الصفر تقريبًا. وإذا كان البعد قديمًا يضفي على آراء القراء، مليحها وقبيحها، شيئًا من الأهمية بالنّسبة للكاتب،  فإن العكس تمامًا يحدث مع القرب الافتراضي على مواقع التواصل الاجتماعي .

ظهرت مؤخرًا حالة على موقع الـ Goodreads، قد تصبح ظاهرة في الأيام المقبلة، يقوم فيها عددٌ من الروائيين والروائيات بوضع التقييمات الكاملة لكتبهم (خمس نجوم). نستطيع قراءة هذا الفعل بأوجهٍ عدّة، فالكتابة الأدبية، بوصفها فعلًا متصلًا بالفن والإبداع، قد تغري كاتبها بحبّ إنتاجاتهم فمنهم من يصف رواياته ب “أولادي”.  أو من الجائز أن يكون الفعل منفصلًا عن أي إدراك، فهو حصل لأنه حصل دون التفكير بما وراء ظاهر الأمور.
في معرض سرد الحجج، لا يمكن إغفال الجانب النرجسي للعمليّة. إذ تبدو صورة هؤلاء الكتّاب  وهم يعيدون قراءة كتبهم، ويعجبون بها كما لو أنّ شخصًا آخر قد كتبها مغريةً للتفكير،  ولا يمكننا التغاضي عن الجانب التسويقي للعملية، فكما يعرف مستخدمو الموقع، فإنّ تقييمًا واحدًا مرتفعًا يعني ترشيحًا بقراءة الكتاب لشريحة واسعة من القرّاء، حتى وإن كان الترشيح قادمًا ممن كتب الرواية.
ادّعى الروائي البلغاري الألماني إلياس كانيتي يومًا أنّ الروائية الإنجليزيّة آيريس مردوخ التي كانت عشيقته ليست ذات موهبة، وأنّها تستغل أحاديثه لتؤثث بها رواياتها .
إن كان كانيتي*1، الحائز على نوبل للآداب قد قال ذلك، فهو لم يكن سوى تنويعة على أدب المتنبي الذي أرى الأعمى أدبه، أو أبي العلاء الذي جاء بما لم يستطعه الأوائل، ولعلنا سنشاهد تنويعات أخرى أكثر غطرسة أو اعتدادًا بالذات في المستقبل. لكن، وإن كان غريبًا قولهم ذلك، فإنّ “أثرهم يدلّ على مسيرهم” إن تاهت البوصلة. فعلى الأثر الذي خلّفه أولئك الكتاب يجب أن تتجه أعيننا، أو بأحسن الأحوال، علينا أن ننتظر ونرى أين سيقف بهم قطار الزّمان، وما الذي سيخلفه وراءه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق