ثقافة السرد

رقصة اليعسوب

عبد الرزاق بوكبة*

أمير الضّباب
وصلتني اليوم رسالتها. كنت أتوقع أن يعطيني ساعي البريد، وهو يفتح محفظته وابتسامته، أيَّ شيء ما عدا رسالة خطية منها، لم تستقل بأية من فعل الاستثناء منذ عرفتها قبل سبع سنوات، من بقي يراسل خطيًا في هذا الزّمن؟ كانت وهي تشقّ ضباب قصر المشور في تلمسان حاملة كناشة وقلمًا لتسجيل ملاحظاتها تشبه أنثى الغيم التي كتبتَ عنها صديقي عبد الرزاق في كتابك الأول. صبيحتها لم أمارس عادتي اليومية: أن أعلو سور القصر من جهة الشارع المؤدي إلى درب سيدي حامد، وأدخن سيجارة الحشيش الأولى، فأعلو أسوار التاريخ والجغرافيا.

هل تذكر أن صديقنا مصطفى دخّن ما بقي من الطرْفِ في السهرة، وهو يتحدث عن محنته مع فايزة؟ لم أشأ أن أفسد عليه نشوته، فأطلب منه أن يترك لي سيجارة الصّباح، تعلم أن لسيجارة الصباح عندي قداسةً غيرَ قابلة للنقاش.
فكّرت في أن أتخلى صبيحتهاعن الذهاب إلى القصر في ظل غياب السيجارة، أية حكمة سأجنيها وأنا صاحٍ مثل كلب؟ لكني فجأة طرحت الغطاء عني، وانتصبت واقفًا كمن سمع نذير حرب. لقد تذكّرت أنني خبّأت قطعة في شق من جدار القصر قبل ثلاثة أيام، كنتَ يومها قد وصلتَ أنت من الجزائر العاصمة، والتمستَني في القصر فوجدتني أدخن هناك، قلت لي: “متى تتحرّر من سلطة هذه العشبة؟ لا أراها إلا قاتلتك يا صديقي”، فقلت لك ضاحكًا وأنا أدسّ ما تبقى منها في الشق: “لا بد لي من أنثى أكثر إلهامًا، حتى أقلع عنها؟”، هل تذكر ذلك؟
كنت وأنا أسير إلى القصر من بيتنا في باب سيدي بومدين أندهش من خفة خطواتي، كنت أطير، وكان الضباب ناشرًا برنسه على المدينة. ما أجمل تلمسان حين يغشاها الضباب، إذ أحسّ بأرواحها كلّها قد خرجت من كهوف التاريخ لترقص في الفضاء. قلتُ وأنا أقفز في الهواء قابضًا على حفنة من الضّباب: باركي يومي يا أرواح أجدادي.

أرجوك..
اعذرني وأنت تراني أقفز على وصف تلك اللحظة، فهي من ذالك النوع الذي يستوطن الذاكرة، وتعجز عن وصفه الكلمات، تمامًا مثلما عجزتُ عن إيجاد الصيغة المناسبة لألعن من سطا على كنزي الصباحي في الشق، كيف تفطن إليه يا الرّب؟
كانت يدي لم تيأس بعد من العثور عليه، حين رأيت شبح أنثى يشق ضباب الممر، فاعتدلتُ حتى لا أثير الشبهات، كان القصر الملكي يومها خربة مثلي كما تذكر، لم أعرف من تكون لكنني استنتجت أنها باحثة آثار من كناشتها وطريقة نظرها إلى المكان.
فكّرت لحظتئذ في مغادرة المكان والعودة إلى البيت لأدفن نفسي في النوم، فقد أخصى سارق حشيشتي قدرتي على التحليق، خاصة في ذلك الضباب العميق، لكن حركة منها جعلتني أبقى، بل وأصرّ على البقاء: حملتْ حفنة تراب وشمّتها، ثم أخرجت كيسًا شفافًا ووضعتها فيه.
تركت الشق واتجهت نحوها، وقد صحت داخلي شياطيني وملائكتي.
امرأة تصحي فيك النقيضَ ونقيضَه حتى قبل أن تكلمها، ليست عابرة في كلام عابر كما قال محمود درويش.
صبّحت عليها فردت التحية من غير أن تحوّل نظرها عن كناشتها.. كانت تسجل ملاحظة.
ولا أخفي عليك أن تجاهلها ذاك خلق في داخلي شعورًا، أعتذر لك مرة أخرى عن عدم وصفه لك، لأنني لم أعرف ماهيته حتى الآن.
أتحدّاكِ أن تكوني في مستوى التراب.
… يتبع.

اعتراف القبّرة

لماذا تستغلّ إعجابي بك في تحطيم إعجابي بك؟
لا تقل لي إنك لا تذكر تحدّيَك لي حين التقينا أول مرة في قصر المشور.
أعلم أنه من الممكن أن تنسى أو تتناسى، فقد فعلتَ مع محطات أخرى في طريق علاقتنا، لذلك فقد تعودت على صدمة نسياناتك مثلما تعودت على صدمة تذكّراتك، تكرار صدمة الشيء يخلق صدمة أن يَحْدث نقيضُه، وهذا ما يعجبني فيك، لقد برمجتني على تذوق المتناقضات، وأنا القادمة من قرية أحادية.
لست مثلك أجد حرجًا في الاعتراف لك، ربما أنا أفعل هذا لضعفي أمامك، لكنني سأفعل بغض الشوفة عن السبب، إذ لم تعد تهمّني الأسباب ولا المآلات، بقدر ما يهمّني أنني أستمتع بلحظة الاعتراف.
أووووووف.. إنها متعة اكتسبتها منذ لقائي الأول بك في ذلك القصر التاريخي الذي رمّموا ملامحه مؤخرًا، فبات لا يشبه روحي المخربة.
– اسمي باية.
– وأنا الباي الذي لا تعزله السنوات.
قبل أيام قلت لصديقتي فايزة التي لم تستسغها، ولم تعر اهتمامًا للوحاتها: “اكتشفت بعد مدة أنني تشرّبت عبارته تلك من غير أن أناقشها، فآمنت فعلًا بأنه سلطان غير قابل للعزل، وربما هذا ما يفسّر أنني لم أفكر يومًا ـ منذ عرفته ـ في أن أضع حدًّا لتعلقي به”.. وهي للأمانة لم تقل كلمة واحدة ضدك، بل استمهلتني، وأشارت علي بالكتابة إليك.. وها أنا أفعلُ.
لماذا منحتني يومها إحساسًا ـ وأنت تلعب معي دور الدليل السياحي في ما أسميته قصر أجدادك ـ بأنك تريد أن تلعب معي دور العاشق؟ أنا كنت واضحة، فأبديت عطشي، لست غبية حتى أخفيه، فأحرم من واحد مثلك، كانت النظرة الواحدة إليك تكفي لأن تجعل عاقلة تدرك أنك هبة عابرة للواقع والخيال، لذلك فقد تركت جوارحي جميعها تمارس شهوة التعبير عن العطش، ولا تقل لي إنها لم تفلح في ذلك. لجوارحي بلاغة لا تستطيع إنكارها، أقرّ لك بأنك لست متعسّفًا إلى هذه الدرجة.
لم أنتبه لسبعةٍ طلبوني في البورتابل، رغم أن رنينه كان مبرمجًا على العلو، لقد ضبطته كذلك حتى أسمعه وأنا في طريقي إلى تلمسان في الحافلة، كان صوتك وصمتك أقوى من أي صوت لذلك لم أسمعه، كما لم أنتبه إلى يدي وهي تمارس عرس التقرب من ذراعك. لا تقل لي إنك فهمت ذلك على أنه سلوك عاهرة، يا إلهي.. هل يعقل أنك فهمت الأمر هكذا؟
 مستحيل..
أنا فقدت ثقتي في كثير من مميزاتك، لكنني لا زلت أثق في ذكائك. ليتك كنت غبيًا ليسهل عزلك أيها السلطان، لكن لماذا لم تبق وفيًا لحسّ ذراعك الذي لم يردع يدي، مثلما بقيتَ وفيًا لقصر أجدادك؟ لا زلت أذكر ـ رغم مرور سبع سنوات ـ حرارة إطباقه على يسراي، لم أكن يومها استشرافية جيدة لأدرك مصير يد يسرى تحت ذراع أيمن، مثلما لا أدرك الآن مصير هذه الرسالة، كل ما كنت أدركه أنني في حضرة السلطان، وعلي التزام الخضوع. ياه..
ليتك كنتَ أنثى، لتعرف لذة أن تخضع لرجل حقيقي.
من يدرينا أن شخصين يشبهاننا تمامًا، كانا يعيشان هنا حين كان هذا القصر حاكمًا؟
هل انتبهت حين قلتها لي، إلى أنني فقدت توازني، ونحن فوق السور المضبّب، حتى تمسكت بك؟ لا تقل لي أيضًا إنك فهمت ذلك على أنه ارتماءة عاهرة؟ أقسم إنني لن أسألك مرة أخرى هذا النوع من الأسئلة، حتى لا أجرح ثقتي في ذكائك، وحتى لا أمنح فرصة للرغبة في الانتحار بأن تراودني.
ولست أبرّر حين أقول لك إنني فعلًا كدت أن أسقط، لأنك أدخلتني في كبسولة الزمن، فعدت إلى القرن الرّابع عشر.
مجيد.. كيف يكون شعورنا، لو أن شبيهينا اللذين تحدثت عنهما، يأتيان من الجهة الأخرى للسور، فنصبح وجهًا لوجه؟

    مفاصل من رواية “رقصة
*شاعر وروائي وإعلامي من الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق