الموقع

دونالد ترامب وميشال فوكو

روجيه عوطة

ي مدونته في “Mediapart”، نشر و.س.دومينغو مقالاً بعنوان “دونالد ترامب وميشال فوكو”، وقد اتكأ في كتابته على مجموعة الدروس التي ألقاها الفيلسوف في كوليج دو فرانس، والتي جرى نشرها في كتاب تحت عنوان “يجب الدفاع عن المجتمع” (ترجمها وقدمها وعلق عليها الزواوي بغوره). وهو، بهذا الإتكاء، عاد إلى تمييز فوكو بين ما سماه، في إحدى محاضراته، “التطبيع الإنضباطي” من جهة، والنظام القانوني للسيادة من جهة أخرى، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن مجتمع السيطرة الشاملة. على أن فوكو، وصحيح أنه أشار إلى التعارض بين قانون السيادة وآليات الإنضباط، لكنه، أكد أنه “ليس بطلبنا النجدة من السيادة يمكننا أن نحد من آثار السلطة الإنضباطية… فهما قطعتان، مشكلتان للآليات العامة للسلطة في مجتمعنا”، فـ”ما إن نكون في علاقات سلطة، فإننا لا نكون في القانون أو في السيادة، بل نكون في الهيمنة”..

 هل من الممكن القول أن ترامب، هذا الثرثار الكبير، هو الرئيس الأكثر توافقاً مع مجتمع السيطرة الشاملة، كما أنه المجسد النهائي للمجتمع البرجوازي؟ في “يجب الدفاع عن المجتمع”، وصف ميشال فوكو مجتمعات السيادة، التي كانت البرجوازية قد أسستها ضد الملكية في القرنين السابع والثامن عشر. فمع زوال النظام الملكي، غدا السيد هو الشعب، الذي كفلت الدولة، مع القانون، حقوقه الفردية. وهذا ما أتاح إدارته بأقل كلفة، وعلى طول المدة. هذه المجتمعات هي مجتمعات “ثرثارة وكلية الحضور” عبر الأحزاب، عبر المرشحين، عبر الإنتخابات، عبر الإستبيان، وعبر عدد من مؤسسات السيطرة، التي تحرس مشروعية بعضها البعض.

لكن، وعلى صعيد يومي، هناك جاهزيات “بكماء ومظلمة” تتقنع بالمدونات القضائية، التي تضمن التحكم الفعلي بالشعب، وتبسط خطاب الضبط، الذي يبدو غريباً عن خطاب القانون. هذا الخطاب يفبرك “المواطن الخاضع” لنوع من الكفاح الدائم لبلوغ السلام. متصرفاً في عبارة كلاوزفيتز، قال فوكو أن “الحياة السياسية هي استمرار الحرب بوسائل أخرى”، وذلك، طالما أنها تولي اهتمامها، ومنذ نشوء المجتمع البرجوازي، إلى تدبير تقنيات السيطرة.

بيد أن صفيف المشغلين الضابطين هو صفيف “متنافر ومتعدد الأشكال”. يضمن الممارسة الفعلية للسلطة في المصانع، والمحكمة، والجيش، والشرطة، والجهاز المدرسي، والسجون، والمستشفيات، والمصارف، ومركز العمالة… مثلما يضمن ممارستها في حدودٍ، تسمح لها بالإقلاع عن مشهدة السيادة أيضاً. كل هذا، سماه فوكو “مجتمع التطبيعات”، حيث أن آليات الضبط، وطالما تجتاح القانون، تستند إلى الأحقية العامة والسيادة، وبالتالي، يصير خطاب السلطة هو خطاب الحكم المتعسر على نحو متزايد.

على ما يبدو، ومنذ أن درس فوكو في العام 1978، شرعت فرجة من الفرجات في أخذ محل لها وراء ما سماه “عنق الزجاجة حيث نختنق” بين الأرضين، أرضَي السيادة والضبط، حيث تتمدد السيطرة فيهما. فاقتران التكنولوجيا بالسياسة، سمح للعديد من آليات السيطرة أن تستبق المسالك غير المترقبة، وهذا ما جعل الحاجة إلى الديكتاتوريين بأشكالهم النمطية، أي بنظاراتهم السوداء، وبأحناكهم المنكمشة، حاجة معدومة، كما جعل الإعتماد على مواضع الإحتجاز فعلاً لا طائل منه.

من تلك الآليات:
تغير الإنباء إلى مجموعة من الأوامر في بروباغندا خادمة للإنضباط العام في الإصطلاح والمسالك.
ضمان التكون في أمكنة العمل المؤدب للأجساد.
تحول الإنترنت إلى فضاء الضبط اللهواني، حيث ان الهاتف الذكي فطن في النظر إليكم أكثر مما لا تروه.
تعدد الفضاءات التي لا تجيز سوى مسالك مُمَعيرة: الأوتوستراد، والمطار، والجامعة، وداخل السجن.
العمل الذي أصبح وظيفةً، “مُأوْبرة” (uberise) أو لا، لكنها، في الحالتين، تفيد التشييء.
استبدال المستشفيات بالرعاية الممارسة عن بعد أو الممارسة منزلياً.
وهكذا، يمضي مجتمع السيطرة الشاملة أكثر فأكثر نحو ما دعاه فوكو البيوسياسة، وبذلك، يسير على مستويات أخرى، قارية وعالمية.

في معاهدات التجارة المتبعة في الجهات الأصلية الأربع من الولايات المتحدة الأميركية، أي من مركز العالم (شمالاً مع كندا، وجنوباً مع أميركا الجنوبية، وشرقاً صوب الأتلانتيك، وغرباً نحو المحيط الهادئ)، ليست حقوق المراكز الجمركية موضوعها الأساس، لا سيما أنها تقريباً غير موجودة، بل إن الموضوع الأساس هو إنتهاء سيادة الولايات، حيث ان الشركات المتعددة الجنسيات بمقدورها أن تحاكم بلدان بمجملها.

في السياق عينه، يعمد حلف الناتو وجيش الولايات المتحدة الجبار إلى حراسة الواجب المقدس، وهو واجب الدفاع عن النفس. وهنا، الدفاع والعدل هما بمثابة وظائف “ملكية”، مرتبطة بالسيادة كإرتباط الأموال بالمصرف الأوروبي المركزي، ومرورها تحت مراقبته. تعمد المفوضية الأوروبية إلى تأطير السكان في اتحادها، وتحكمهم بواسطة رهط من الناس، الذي يصير انتخابهم بلا فائدة. إنها أوروبا الإمارات، كأندورا صاحبة الأميرين، أو موناكو صاحبة الأمير واحد، أراضي البطالة الشظفة، والفراديس الضرائبية لأصحاب الإمتيازات. إنها أوروبا المجتمعات البلاطية.

عندما تُختزل سيادة دولة القانون تحت الضربات التي تسددها لها مخادع السلطات المهيمنة، لا يبقى منها سوى عمادها المؤلف من آليات الضبط والحق الطبيعي للأقوى. نتحدث إذاً عن “أزمة الدولة”، التي تعني تراجع التعبير عن السيادة، وحضور السياسيين المناسبين في إثر حالها هذه، بحيث أنهم عاجزون عن ستر أجهزة الإكراه، مثلما يجتمعون على استعمالها كوكالات إخضاع: الشرطة، الجيش، الإستخبارات… في دول الحرب والإستثناء المستمرين.
لقد جرى الإتفاق على أن ترامب هو “السيد الأبيض” حين زعم أنه يريد إصلاح حكم الدولة، التي صارت بحسبه فقيرة لأن “رعاع العولة” سلبوها… بثرثرته المفرطة، تعهد بترحيل الصينيين، والمكسيكيين والمسلمين… وصار أول رئيس نيو-رجعي، كاره للأجانب، وعنصري، يتلاءم مع المجتمع الجديد للسيطرة الكاملة. بمقدوره أن يستفيد مالياً من وظيفته، أن يحكم الأشباح، أن يسيطر على وسائل الإعلام، وأن يخادع خلال أربعة سنوات، وطبعاً، بلا أن يمس بعملة وأجهزة تقنيات السيطرة، التي تضمن مصالح البعض، وبالتالي، استغلال كل البقية. سوف يلحق الغرب الأقصى بالشرق الأقصى، فترامب، وبوتين، وشي جين بينغ، وعدد من كبار ديموقراطيي السوق، سيحكمون العالم “المعولم”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق